في ذكرى إمام المرتلين "محمد رفعت"

 

كتب- ياسر هادي

 

 الشيخ محمد رفعت

في مثل هذه الأيام منذ أكثر من نصف قرن تُوفي رمز من رموز قرَّاء القرآن في العالم الإسلامي، وهو الشخص الذي تنفتح له القلوب حين يبدأ في القراءة، وينقل مستمعيه إلى آفاق رحبة في أنوار كتاب الله تعالى.

 

ففي يوم الإثنين الموافق 9 مايو 1950م غادر الدنيا الشيخ محمد رفعت الذي حمل لواء قرَّاء القرآن فترةً من الزمن، ومن عجائب الأقدار أنَّ ميلاده كان أيضا يوم الإثنين 9 مايو عام 1882م، وما بين مولده ووفاته ثمانية وستون عامًا مرت كنسمة الصيف الخفيفة.

 

هو الشيخ محمد محمود رفعت الذي وُلد بدرب (الأغوات) بحي المغربلين بالقاهرة، وكان والده محمود بك رفعت مأمورًا لقسم الخليفة، وتشاء الأقدار أن يُصاب الطفل برمد في عينيه، وأجريت له عملية جراحية خاطئة فقد على أثرها البصرَ.

 

وعندما أتمَّ الطفلُ الضريرُ عامه الخامس بدأ في حفظ القرآن الكريم، وأتمَّ حفظه وهو في الحادية عشرة من عمره إلا أنَّ الموت غيَّب والده، فألقي على عاتقه إعالة والدته وأخته وأخويه، فبدأ يشترك في إحياء ليالي المأتم بالسرادقات، وسمعه مشاهير القرَّاء فأحبوه وقدَّروا موهبته وتنافسوا في الأخذ بيده حتى تمَّ تعيينه قارئًا بمسجد فاضل باشا بدرب الجماميز بالقاهرة.

 

وفي هذا المسجد عُرف الشيخ بأسلوبه المتميز في ترتيل القرآن الذي جمع بين الخشوع وقوة التأثير، وكان الآلاف يتزاحمون على المسجد كل يوم جمعة للاستماع إلى تلاوته.

 

وجاء ظهور الشيخ رفعت في وقتٍ تميز بوجود كوكبة من مشاهير قرَّاء القرآن الكريم الذين سبقوه، ومنهم الشيخ أحمد ندا ومنصور بدار ومحمود صبيح، والتحق الشيخ بالعمل بمسجد الشيخ فاضل عام 1918م، وظلَّ به حتى عام 1943م، وكان قد تعلَّم التجويد وأتقنه على يد أستاذيه محمد البغدادي ومحمد السمالوطي.

 

وفي مايو 1934م طلب سعيد لطفي باشا- رئيس الإذاعة- التعاقد مع الشيخ رفعت ليرتل القرآن في الإذاعة التي كان مقررًا البدء في بث إرسالها عقب إلغاء المحطات الأهلية إلا أنَّ الشيخ رفض التعاقد، ولم يكن رفضه رهبة أو حرجًا من الميكرفون، ولكن كان تعظيمًا لآيات الله، وقد حاول كبار العلماء إقناعه بالتلاوة في الإذاعة إلا أنه لم يستجب لهم إلا بعد استفتائه لأستاذه الشيخ محمد السمالوطي- وكان أحد أعضاء هيئة كبار العلماء- ولم يطمئن الشيخ رفعت إلا بعد أن استفتى شيخ الأزهر الذي أقرَّ فتوى الشيخ السمالوطي.

 

وبالفعل تعاقد مع الإذاعة، وكانت سورة الفتح أول ما تلاه في افتتاح الإذاعة ثم استمرَّ في التلاوة مرتين أسبوعيًا.

 

وقد ألقى رفعت عنتًا شديدًا من الإذاعة حين كانت تابعة للحكومة الإنجليزية، وتولى أحد مستشاريها في ذلك الحين تعذيب الشيخ بحرمانه من تناول القهوة داخل الأستديو بالرغم من أنه كان يُسجِّل على الهواء لمدة ساعة كاملة، وكان يصعد السلم على قدميه ويقف منتظرًا أكثر من نصف ساعة أمام الأستديو، وكان الشيخ يتقاضى من الإذاعة 12 جنيهًا، وكانت تدفع له خمسة جنيهات عن كل مرة يُذاع فيها.

 

وفي عام 1938م حدث خلاف بين الإذاعة والشيخ فأوقفت تسجيلاته، وانهالت الرسائل من شتى أنحاء العالم تطالب بعودة الشيخ، وأرسل ملك العراق في ذلك الوقت رسالة للإذاعة بتحمل كافة نفقات إذاعة قراءات الشيخ رفعت.. أخيرًا عاد مسئولو الإذاعة واستجابوا لضغوط الجماهير وعاد صوته بعد شهر واحد من التوقف.

 

وقد قال فكري أباظة في مجلة المصور عن الشيخ رفعت: "هو سيد القارئين وإمام المرتلين والمجودين، له حنجرة ذهبية أطلق منها الرحمن صوتًا كنسماتِ الفجرِ أو دعاء الكروان، حمل القرآن وكان أحسن مَن رتَّل فأحسسنا بالرهبة عند الزجر، والطاعة عند الأمر، والخشية عند الوعيد، والهلع عند التهديد".

 

وقال عنه الشاعر كامل الشناوي: "لقد كان صوت الشيخ محمد رفعت يستحضر خشوع الناس ويُثير وجدهم ويبعث فيهم الأمل بالمغفرة والرغبة في الثواب والرهبة من العقاب، ولأن قراءاته تأتي من قلبه ووجدانه قبل حنجرته فإن صوته يمسُّ شغاف القلوب، ويغمر حنايا النفوس ويحمل الناس إلى عالم علوي روحاني طاهر"، وقد شهد تراث الشيخ إهمالاً من الإذاعة إلا أنَّ أحد محبيه ويدعى زكريا باشا مهران وزميله محمد خميس حرصا على تسجيل تلاوته وإهدائها للإذاعة في الستينيات، ومن أهم هذه التسجيلات قراءته عند وفاة الملك فؤاد عام 1936م وأخرى عندما صلى النحاس باشا الجمعة بمسجد فاضل عام 1938م.

 

وفي عام 1942م أصيب الشيخ محمد رفعت بمرض (الزغطة)، وتوقف عن التلاوة نهائيًا عام 1944م، وظل قعيدًا بمنزله بعد أن طاف بعدد كبير من الأطباء ولكن دون جدوى.

 

وحينما كتب الصحفي أحمد الصاوي يطالب بالوقوف مع رفعت في محنته فانهالت عليه التبرعات من أنحاء العالم الإسلامي إلا أنه لم يقبلها وردَّها كلها، وقال: "لقد عشت طول حياتي دون أن أمد يدي لأحد، وهذا من فضل الله عليَّ وقد كفاني جل وعلا ذلَّ السؤال فعندي إيراد منزلي الذي أقيم فيه وقطعة أرض في المنيرة عليها بضعة دكاكين، وإيرادها يكفي نفقات علاجي".

 

وفي يوم الإثنين بعد ميلاده بثمانية وستين عامًا تحديدًا مات الرجل الذي عُرف كيف يصل بصوته الحنون ونبراته الرخيمة إلى أعماق القلوب.. مات صاحب الصوت الذي ظلَّ يجلجل على أمواج الأثير مرددًا آيات الله في الآفاق.

[StumbleUpon] [Technorati] [Twitter] [Yahoo] [del.icio.us] [Digg] [Facebook]
تعليقات
1 - أضيف بواسطة : ياسر هدية ، مصر في 31/07/2009

برجاء تحميل بعض قراءة الشيخ محمد رفعت من فضللكم

2 - أضيف بواسطة : الشحات عويس ، مصر في 13/06/2009

رحمة الله واسكنة فسيح جناتة

3 - أضيف بواسطة : lمحمد جلال عبدالحليم ، مصر في 08/06/2009

اللهم اجمعنا معه فى جنات النعيم

4 - أضيف بواسطة : على سلامه ، مصر في 30/05/2009

رحمة الله عليه

5 - أضيف بواسطة : علم عبدالوهاب ، مصر في 27/02/2009

رحم الله الشيخ وجزاه عن الامة خير وغفر الله لنا وله

السابق 1| التالي


"يلتزم الموقع بنشر جميع التعليقات ما لم تشتمل على تجريح أو سب أو قذف لأشخاص أو هيئات"