الإسراء في ظلال القرآن

 

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء:1).

 

الدرس الأول: حادثة الإسراء

وقصة الإسراء (ومعها قصة المعراج)؛ إذ كانتا في ليلة واحدة.. الإسراء من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، والمعراج من بيت المقدس إلى السماوات العُلا وسدرة المنتهى, وذلك العالَم الغيبي المجهول لنا.. هذه القصة جاءت فيها رواياتٌ شتى; وثار حولها جدلٌ كثير، ولا يزال إلى اليوم يثور.

 

وقد اختُلف في المكان الذي أسرَى منه, فقيل هو المسجد الحرام بعينه- وهو الظاهر- وروي عن النبي- صلى الله عليه وسلم-: "بينا أنا في المسجد في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل- عليه السلام- بالبراق"، وقيل: أُسرِي به من دار أم هانئ بنت أبي طالب، والمراد بالمسجد الحرام الحَرَم لإحاطته بالمسجد والتباسه به، وعن ابن عباس: الحرم كله مسجد.

 

وروي أنه كان نائمًا في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء فأسرِي به ورجَع من ليلته, وقصَّ القصة على أم هانئ، وقال: "مُثِّل لي النبيون فصليت بهم"، ثم قام ليخرج إلى المسجد فتشبَّثَت أم هانئ بثوبه, فقال: "ما لكِ؟" قالت: أخشى أن يكذبك قومُك إن أخبرتَهم!! قال: "وإن كذبوني"، فخرج فجلس إليه أبو جهل, فأخبره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بحديث الإسراء فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلمَّ، فحدثهم, فمِن بين مصفِّق وواضع يدَه على رأسِه تعجبًا وإنكارًا; وارتدَّ ناسٌ ممن كانوا آمَنوا به; وسعى رجالٌ إلى أبي بكر- رضي الله عنه- فقال: أوَقال ذلك؟! قالوا: نعم.. قال: فأنا أشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: فتصدقه في أن يأتي الشام في ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح؟! قال: نعم.. أنا أصدقه بأبعدَ من ذلك.. أصدقه بخبر السماء!! فسُمِّي الصديق.

 

وكان منهم مَن سافر إلى بيت المقدس فطلبوا إليه وصفَ المسجد, فجُلِّي له, فطفق ينظر إليه وينعته لهم, فقالوا: أما النعت فقد أصاب. فقالوا: أخبِرْنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها; وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا ينشدون ذلك اليوم نحو الثنية- لمراقبة مقدم العير- فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد شرقت، فقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق، كما قال محمد.. ثم لم يؤمنوا!! وفي الليلة ذاتها كان العروج به إلى السماء من بيت المقدس.

 

واختُلف في أن الإسراء كان في اليقظة أم في المنام، فعن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: والله ما فُقد جسدُ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولكن عُرِجَ بروحه، وعن الحسن كان في المنام رؤيا رآها، وفي أخبار أخرى أنه كان بروحه وجسمه، وأن فراشه- عليه الصلاة والسلام- لم يبرد حتى عاد إليه، والراجح من مجموع الروايات أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ترك فراشَه في بيت أم هانئ إلى المسجد، فلما كان في الحِجر عند البيت بين النائم واليقظان أُسري به وعُرج، ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد.

 

على أننا لا نرى محلاًّ لذلك الجدل الطويل الذي ثار قديمًا والذي يثور حديثًا حول طبيعة هذه الواقعة المؤكدة في حياة الرسول- صلى الله عليه وسلم- والمسافة بين الإسراء والمعراج بالروح أو بالجسم, وبين أن تكون رؤيا في المنام أو رؤيةً في اليقظة.. المسافة بين هذه الحالات كلها ليست بعيدةً; ولا تُغير من طبيعة هذه الواقعة شيئًا وكونها كشفًا وتجليةً للرسول- صلى الله عليه وسلم- عن أمكنة بعيدة وعوالم بعيدة في لحظة خاطفة قصيرة، والذين يدركون شيئًا من طبيعة القدرة الإلهية ومن طبيعة النبوة لا يستغربون في الواقعية شيئًا، فأمام القدرة الإلهية تتساوَى جميع الأعمال التي تبدو في نظر الإنسان وبالقياس إلى قدرته وإلى تصوره متفاوتةَ السهولة والصعوبة, حسبما اعتاده وما رآه.

 

والمعتاد المرئي في عالم البشر ليس هو الحكم في تقدير الأمور بالقياس إلى قدرة الله.. أما طبيعة النبوة فهي اتصالٌ بالملأ الأعلى- على غير قياس أو عادة لبقية البشر- وهذه التجلية لمكانٍ بعيد, أو عالم بعيد; والوصول إليه بوسيلة معلومة أو مجهولة ليست أغرب من الاتصال بالملأ الأعلى والتلقي عنه، وقد صدق أبو بكر- رضي الله عنه- وهو يرد المسألة المستغربة المستهْوَلَة عند القوم إلى بساطتها وطبيعتها، فيقول: إني لأصدقه بأبعد من ذلك.. أصدقه بخبر السماء!!

 

ومما يلاحَظ- بمناسبة هذه الواقعة وتبيُّن صدقها للقوم بالدليل المادي الذي طلبوه يومئذ في قصة العير وصِفَتها- أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- لم يسمع لتخوف أم هانئ- رضي الله عنها- من تكذيب القوم له بسبب غرابة الواقعة، فإن ثقة الرسول بالحق الذي جاء به والحق الذي وقع له جعلته يصارح القوم بما رأى كائنًا ما كان رأيهم فيه، وقد ارتد بعضهم فعلاً واتخذها بعضهم مادةً للسخرية والتشكيك، ولكنَّ هذا كلَّه لم يكن ليُقعد الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن الجهر بالحق الذي آمن به، وفي هذا مَثَلٌ لأصحاب الدعوة أن يجهروا بالحق لا يخشَون وقعه في نفوس الناس, ولا يتملَّقون به القوم, ولا يتحسسون مواضع الرضى والاستحسان إذا تعارضت مع كلمة الحق تقال.

 

كذلك يلاحظ أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- لم يتخذ من الواقعة معجزةً لتصديق رسالته, مع إلحاح القوم في طلب الخوارق- وقد قامت البينة عندهم على صدق الإسراء على الأقل- ذلك أن هذه الدعوة لا تعتمد على الخوارق, وإنما تعتمد على طبيعة الدعوة ومنهاجها المستمد من الفطرة القويمة, المتفقة مع المدارك بعد تصحيحها وتقويمها، فلم يكن جهر الرسول- صلى الله عليه وسلم- بالواقعة ناشئًا عن اعتماده عليها في شيء من رسالته، إنما كان جهرًا بالحقيقة المستيقنة له لمجرد أنها حقيقة.

 

والآن نأخذ في الدرس الأول على وجه التفصيل:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ تبدأ السورة بتسبيح الله, ألْيَقُ حركةِ نفسيةٍ تتسق مع جوِّ الإسراء اللطيف, وألْيَقُ صلةٍ بين العبد والرب في ذلك الأفق الوضيء.

 

وتذكر صفة العبودية: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ لتقريرها وتوكيدها في مقام الإسراء والعروج إلى الدرجات التي لم يبلغها بشر; وذلك كي لا تُنسى هذه الصفة, ولا يلتبس مقام العبودية بمقام الألوهية, كما التبسا في العقائد المسيحية بعد عيسى- عليه السلام- بسبب ما لابَس مولدَه ووفاته, وبسبب الآيات التي أعطيت له, فاتخذها بعضهم سببًا للخلط بين مقام العبودية ومقام الألوهية، وبذلك تبقى للعقيدة الإسلامية بساطتُها ونصاعتُها وتنزيهها للذات الإلهية عن كل شبهة من شرك أو مشابهة, من قريب أو من بعيد.

 

والإسراء من السَّرَى: السير ليلاً، فكلمة (أسرى) تحمل معها زمانها، ولا تحتاج إلى ذكره، ولكن السياق ينص على الليل ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ للتظليل والتصوير- على طريقة القرآن الكريم- فيلقي ظل الليل الساكن, ويخيِّم جوُّه الساجي على النفس, وهي تتملَّى حركة الإسراء اللطيفة وتتابعها.

 

والرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلةٌ مختارةٌ من اللطيف الخبير, تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إلى محمد خاتم النبيين- صلى الله عليه وسلم- وتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعًا، وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدسات الرسل قبله, واشتمال رسالته على هذه المقدسات, وارتباط رسالته بها جميعًا، فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان، وتشمل آمادًا وآفاقًا أوسع من الزمان والمكان، وتتضمن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشف عنها للنظرة الأولى.

 

ووصْفُ المسجد الأقصى بأنه ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ وَصْفٌ يرسم البركة حافَّةً بالمسجد, فائضةً عليه، وهو ظل لم يكن ليلقيه تعبير مباشر مثل: باركناه، أو باركنا فيه، وذلك من دقائق التعبير القرآني العجيب.

 

والإسراء آيةٌ صاحبَتْها آياتٌ ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ والنقلة العجيبة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى في البرهة الوجيزة التي لم يبرد فيها فراش الرسول- صلى الله عليه وسلم- أيًّا كانت صورتها وكيفيتها آيةٌ من آياتِ الله، تفتح القلب على آفاق عجيبة في هذا الوجود، وتكشف عن الطاقات المخبوءَة في كيان هذا المخلوق البشري, والاستعدادات اللدنية التي يتهيأ بها لاستقبال فيض القدرة في أشخاص المختارين من هذا الجنس الذي كرمه الله وفضَّله على كثير من خلقه, وأودع فيه هذه الأسرار اللطيفة ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ يسمع ويرى كل ما لطف ودق, وخفيَ على الأسماع والأبصار من اللطائف والأسرار.

 

والسياق يتنقل في آية الافتتاح من صيغة التسبيح لله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ إلى صيغة التقرير من الله ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ إلى صيغة الوصف لله ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وفقًا لدقائق الدلالات التعبيرية بميزان دقيق حساس، فالتسبيح يرتفع موجَّهًا إلى ذات الله سبحانه، وتقرير القصد من الإسراء يجيء منه تعالى نصًّا، والوصف بالسمع والبصر يجيء في صورة الخبر الثابت لذاته الإلهية، وتجتمع هذه الصيغ المختلفة في الآية الواحدة لتؤدي دلالاتها بدقة كاملة.

[StumbleUpon] [Technorati] [Twitter] [Yahoo] [del.icio.us] [Digg] [Facebook]
تعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال

السابق 1| التالي


"يلتزم الموقع بنشر جميع التعليقات ما لم تشتمل على تجريح أو سب أو قذف لأشخاص أو هيئات"