ليلة سقوط بغداد.. الفشل في معالجة السياسة

بقلم: حسين التلاوي
حاولت بعض الأفلام في السينما المصرية تناولَ القضايا السياسية بصورةٍ تهدف إلى إثارة وعي المشاهد المصري- والعربي أيضًا- بالقضايا السياسية، وقد برزت هذه النوعيةُ من الأفلام في فترتين من تاريخ السينما المصرية، وهما فترة الستينيات، وكذلك فترة آواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات.

 

وتراوح استهداف هذه الأعمال للسياسة، ما بين طرح الفكرةِ بصورة صريحةٍ دون أدنى مواربة مثل فيلم "الأرض" للمخرج يوسف شاهين في العام 1970م، أو عن طريق التلميح وإعطاء نكهة سياسية في الفيلم من خلال مناقشة الأحوال العامة للمواطنين والتطرق إلى بعض القضايا السياسية، وتأتي أفلام عادل إمام في هذا السياق، ومن بينها "كراكون في الشارع"، وأخيرًا جاء فيلم (ليلة سقوط بغداد) لمخرجه محمد أمين، وهو المؤلف في ذات الوقت.

 

حاول الفيلم أن يدخل في الإطار الأول بمناقشة فكرية سياسية صريحةٍ دون مواربة، وتقديم رؤية لها تتضمن حلاًّ للمشكلة على خلاف ما يراه بعض النقاد من ضرورة عدم تقديم الأعمال الفنية حلولاً للمشكلات التي تقدمها، وأن وظيفة العمل الفني هي أن يثير وعي المشاهد بالقضية، ويتركه ليعثر لها هو على الحل المناسب.. إلا أن الفيلم في النهاية قد فشل في ذلك؛ فلا الفيلم قدَّم رؤيةً جادَّةً للقضية التي يتناولها، ولا هو اقتفى خطى الموجة الجديدة من الأفلام الكوميدية التي لا تهدف إلا إلى تقديم الضحك والمزيد منه؛ ولكي يتضح هذا الفشل وأسبابه يجب النظر إلى الفيلم من زواياه المختلفة.

 

المضمون سياسي.. فلماذا الابتذال؟!


يُعتبر مضمون الفيلم سياسيًّا بالدرجة الأولى؛ حيث يتناول قضية سقوط العاصمة العراقية "بغداد" في أيدي قوات الاحتلال الأمريكية، والصدى السلبي الذي تركه احتلالُ عاصمة عربية في نفوس الشعوب العربية جميعًا، ومن بين هذه الشعوب العربية يختار الكاتب محمد أمين أسرة مصرية، مكونة من أحد كبار العاملين في قطاع التدريس، ويجسِّد شخصيتَه الفنان حسن حسني، وابنته الفنانة التشكيلية التي قامت بدورها الفنانة بسمة، ومن بعد ذلك يأتي نموذج الشاب المصري صاحب الطاقات الكبيرة، لكنه (مطحون) ويعيش في عالم من الإحباطات الخاصة، وقد قام بأداء الشخصية الفنان الشاب أحمد عيد، والذي يُعتبر من تلاميذ الأب، ويتزوج من ابنته في أثناء أحداث الفيلم.

 

وتنفعل الأسرة المصرية مع كارثة سقوط بغداد في أيدي الاحتلال الأمريكي، ويبدأ الأب في محاولة البحث عن كيفية الخروج من المأزق الذي زاد من حدَّته أنه حلم بدخول الأمريكيين إلى العاصمة المصرية القاهرة، فيلجأ إلى الشاب ويحاول إخراجه من إحباطاته إلى البدء في اختراع سلاحٍ لمقاومة الأمريكيين إذا ما جاءوا إلى القاهرة، ويقدِّم الشابُّ اختراعًا لتحقيق هذه الغاية، إلا أن الغزوَ يقع في النهاية.

 

هذه هي القصة التي عرضها الفيلم، وهي تهدف إلى التأكيد على أن الهمَّ العربي واحدٌ، وأن ما جرى في العراق يمكنه أن يجري في القاهرة إن آجلاً أو عاجلاً، كما يشير إلى دور الشباب في التصدي لهذه الكارثة من خلال وعيِهم بالأزمة (بسمة الفنانة التشكيلية) وطاقاتهم الإبداعية (أحمد عيد المخترِع) وإلى دور قادة المجتمع في التحذير من الكوارث وحشد الطاقات المختلفة، وهو ما أشار إليه المؤلف باختيار شخصيةِ المدرِّس لتكون "رب الأسرة المصرية" التي تواجه الأزمة.

 

إلا أن أسلوب مناقشة القضية كان دون المستوى على الإطلاق؛ فقد كانت شخصية الشاب فائق القدرات طوال الفيلم في عالم من المخدرات والمسكرات، وهو ما يتنافى مع النموذج الذي ينبغي تقديمُه للشباب العربي القادرِ على إخراج بلاده من الإحباطات، وإذا ما افترضنا أن المخدرات والمسكرات كانت في بداية الفيلم للدلالة على حالة الضياع عند الشباب، فما الداعي إلى استمرارها طوال الأحداث؟! ألم يكن من الأفضل أن تتم الإشارةُ إلى أن الشباب قد استقيظ لمواجهة كوارثه، عن طريق جعل الشاب يفيق من حالة الإدمان التي كان عليها قبل أن يدخل في دوامة المخدرات؟!

 

كما دخل في الأحداث العديدُ من المشاهد التي لا تتفق مع ما حاول القائمون على الفيلم إقناع المشاهد به من أنه فيلم سياسي؛ فقد اشتمل على العديد من المشاهد الرخيصة بين "المخترع" و"الفنانة التشكيلية"، وقد يكون ذلك بغرض التسويق للفيلم بين أوساط المراهقين الذين باتوا هم فرسَ الرِّهان في السباق بين الأفلام نحو المزيد من حصيلة "شباك التذاكر" وخاصةً في الأعياد.

 

وبذلك يكون الفيلم قد افتقر إلى عنصر الترابط ما بين القضية الرئيسة له وسير الأحداث وطريقة التعبير عنها، على الرغم من أن مؤلف العمل هو نفسه المخرج، وهو محمد أمين، وهو ما كان من الممكن أن يضيف إلى الفيلم الكثير من الاتساق والترابط والتماسك، إلا أنه من الواضح أن (المؤلف والمخرج) لم يعرف ماذا يريد من الفيلم؛ لذا خرج لنا بها الإطار المهلهل الذي يليق بأفلام الترويح والكوميديا لا بالأفلام التي تناقش قضيةً لا تزال تنزف دمًا عربيًّا حتى الآن وطوال سنوات ثلاث.

 

من الذي اختار أحمد عيد نموذجًا للمخترع؟!


اختيار الممثلين لم يكن على مستوى الفيلم، ولعلَّ اعتباراتٍ عديدةً غير فنية هي التي دفعت إلى هذه الاختيارات، ونأخذ نماذج على سوء اختيار الفنانين لأداء الأدوار في الفيلم، ويأتي النموذج الأول لأحمد عيد، فلماذا تم اختيار أحمد عيد لأداء دور المخترع؟!

 

لم نعهد في الفنان أحمد عيد أيةَ موهبةٍ سينمائية أو فنية، كما أن أدواره السابقة لا تبشِّر بخير في أن يقوم ببطولة فيلم يمثل فيه دورَ المنقذ للعالم العربي، فكان دوره في فيلم "أفريكانو" عبارة عن "سنيد" للبطل أحمد السقا، كما ظهر في بعض أفلام أخرى ومن بينها فيلم "فيلم ثقافي" والذي وضح بالفعل خلاله أن أحمد عيد يعتمد على "خفة الدم"- أو الاستخفاف بمعنى أدق- في أداء الدور، وحتى هذا لم ينجح فيه.

 

بالتالي لم يكن من المنطقي إسناد الدور لأحمد عيد، ولكن اعتبارات رغبة المخرج والشركة المنتجة- وهي الشركة العربية- في تقديم فيلم يحمل العديد من الدلالات والإشارات كأن يقال إن الفيلم "شبابي" وإنه أيضًا "سياسي"، ويأتي في محاولةٍ لإظهار قدرة "الفنانين الشباب" على تقديم أفلام سياسية أيضًا، وكل ذلك في إطار من التكلفة المنخفضة، فلا يوجد بين الأبطال كلهم واحد يمكن أن يقال عنه إنه من "نجوم الصف الأول".

 

إذن تحكَّمت اعتباراتُ المادة في اختيار أحمد عيد لأداء الدور، فهو لم يقدم في السابق "الموهبة الفنية" التي تغري المخرجَ أو المنتجَ بترشيحه للبطولة في فيلم "سياسي" يتناول قضيةً تشغل الاهتمامَ العالمي لا العربي فحسب.

 

اعتبارات انخفاض قيمة الأجر كانت أيضًا حاكمةً في اختيار الفنانة بسمة لأداء دور الفنانة التشكيلية، فقد أراد صنَّاع الفيلم الحصولَ على ممثلة قادرة على القبول بأداء الدور بما يحويه من مشاهد رخيصة دون دفع أجرٍ عالٍ كما هو الحال في مثل هذه الأدوار، وإن كان أداء الفنانة بسمة أفضل بصورة نسبية من أداء أحمد عيد، إلا أنه لم يصِل بعد إلى حد القيام بدور البطولة النسائية في الفيلم.

 

أما اختيار الفنان حسن حسني لأداء الدور فلا قدرةَ لأحد على رفضه فهو نوعٌ من "القضاء والقدر" حيث صار الفنانان حسن حسني ولطفي لبيب- والاثنان مشاركان في العمل- من القواسم المشتركة في كل الأفلام، ولعل فيلم "اللمبي- 2" نموذج أيضًا على الجمع بين الاثنين، وحتى في حالة خلوِّ أيٍّ من الأفلام منهما نجد الآخر وقد تصدرت صورته "أفيشات" ذلك الفيلم.

 

ويطرح هذا قضيةً مهمةً وهي غياب الممثل القادر على القيام بأدوار الأب أو رجل الطبقة الوسطى أو الفقيرة باقتدار، مع إقناع المشاهد بأن هذا الممثل هو الوحيد القادر على أداء ذلك الدور.

هل للفيلم فنيات؟!

تعود نقطة الأجر وعدم الرغبة في استقدام "الأسماء الكبيرة" لتتحكَّم في نقطة اختيار القائمين على العمل الفني، ولنأخذ على سبيل المثال الموسيقَى التصويرية، فقد تم إسناد الموسيقى التصويرية للفيلم إلى الفنان "الموسيقي" تامر كروان.

 


كانت الموسيقى التصويرية في الفيلم غير مواكبة للأحداث، وتلعب نقطة توافق الموسيقى التصويرية مع الأحداث دورًا بارزًا في أنواع كثيرة من الأفلام، ومن بينها "أفلام الرعب"- غير المعروفة لدينا في السينما المصرية- والأفلام السياسية مثل ما يُفترض في الفيلم الذي نحن بصدده الآن.

 

وطالما لم تتوافق الموسيقى التصويرية مع الحدث فقد ضاع الإحساس من المشاهد، فلن نذكر على سبيل المثال الموسيقى التصويرية لفيلم مثل "الناصر صلاح الدين"، أو أفلام عادل إمام وأحمد زكي التي تقوم فيها الموسيقى التصويرية بدور بعض الجمل في الحوار، ولكن أليس من حقِّ المشاهد الاستمتاع بالفيلم بعد أن دفع ثمن التذكرة؟!

 

وإذا حاول أحدٌ الاحتجاجَ بالقول بأن الوجوه الجديدة يجب أن تُمنح الفرصة فإن الردَّ يكمن في أن الفرصة تمنح في الأمور السهلة، لكنها لا تمنح في فيلم أراده صانعوه "سياسيًّا".

 

السينما المصرية تفشل سياسيًّا

لقد سجَّل فيلم "ليلة سقوط بغداد" أزمةً حقيقيةً تعاني منها السينما المصرية، وهو ارتفاع مستوى الطموح والتوقعات وانخفاض مستوى الإنتاج أو المردود الفني والفكري، وهي الحالة التي نعانيها- نحن الشعب المصري- في العديد من نواحي الحياة، لا في مجال العمل السينمائي فقط.

 

فقد حاول الفيلم أن يناقش قضيةً سياسيةً إلا أنه أخفق فلم يجمع بين أصالة الطرح وجدية العرض، وهي المشكلة التي تواجه الأفلام في مصر؛ حيث يعاني الفيلم إما من الجمود والاستعصاء على عقل المشاهد في حالة ما كان سياسيًّا، أو السقوط في الهزل والابتذال عن التناول الكوميدي.

 

إن فيلم "ليلة سقوط بغداد" فيلمٌ يَشعر بعده المشاهد أنه خسِر الكثير على كل المستويات، بدءًا من المستوى الفكري وصولاً إلى إهدار الوقت وقيمة التذكرة المدفوعة!!

[StumbleUpon] [Technorati] [Twitter] [Yahoo] [del.icio.us] [Digg] [Facebook]
تعليقات
1 - أضيف بواسطة : سيد المسافر ، مصر الاقصر في 26/05/2010

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم كل الناس واسرة الفليم انا عارف اني بوش ازنقةقال حرية الرئي وطبعا المؤلفين والمنتجين والمخرجين والممثلين هاتك تمثيل وتخريف واحلام ملهاش اي فايده الممثل احمد عيد حاول تختار الدور الي يناسبك الممثله بسمه حاولي تتقس الله بسمه لو الله سبحانه وتعالي انتي الان واقفه امامه وقال ليكي تحبي تكوني معايه وهو الله طبعا ولا تحبي الشهره فكري بس بسرعه علشان خلاص الوقت لازم في يوم وليله هتلاقي نفسك امام الله بسمه بجد لازم هيجي اليوم تقفي في امام الله فكري في الموضوع

2 - أضيف بواسطة : جهاد ، مصر في 25/12/2009

اتفق معك في كل شئ فهو فعلا فيلم ليس به اي نوع من النجاح فكلمت فاشل فيه قليله عليه

3 - أضيف بواسطة : سمارة ، بريطانيا في 02/08/2009

لايوجد تعليق

4 - أضيف بواسطة : ali ، egypt في 20/07/2009

اريد مشاهدته فيديو

السابق 1| التالي


"يلتزم الموقع بنشر جميع التعليقات ما لم تشتمل على تجريح أو سب أو قذف لأشخاص أو هيئات"