![]() |
|
|
كتب- محمد سعيد
شنَّ خبراء ومفكرون وسياسيون هجومًا شديدًا على السياسات الداخلية والخارجية المصرية، متهمين الحكومة والنظام الحاكم بارتكاب مخالفات وتجاوزات سياسية خطيرة في الداخل والخارج أدّت إلى تراجع الدور الإقليمي المصري التاريخي في المنطقة.
جاء ذلك الهجوم في المؤتمر السنوي الثالث للمركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية حول "الدور الإقليمي والمصالح الوطنية.. التحديات والأبعاد"، عقب نجاح قطَر في الوساطة بين الفرقاء اللبنانيين في أزمتهم الأخيرة، وكذلك الدَّور اليمني في محاولة لمِّ الشمل الفلسطيني في وقتٍ سابقٍ، متزامنًا مع الدَّور التركي الفاعل لإيجاد صيغة تفاهم أولية بين النظام السوري والكيان الصهيوني لإنهاء أزمة الجولان المحتلة.
بدأ الهجومَ الدكتورُ عبد المنعم المشاط مدير مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة، الذي أكد أن الدور الإقليمي المصري يشهد تراجعًا ملحوظًا في العقدين الأخيرين، أو على وجه التحديد منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد، التي قيَّدت السياسات المصرية الخارجية وفرضت واقعًا سياسيًّا مصريًّا داخليًّا مأزومًا، مضيفًا أن الإدارة المصرية وضعت قيودًا ذاتية على دَورها الإقليمي؛ ربما لأنها رأت- على حد قوله-: "أفضل" في الظروف الراهنة من إثارة قضايا لا طاقة لها بها مع أطراف أخرى، خاصةً الكيان الصهيوني.
وأضاف الدكتور المشاط أن- بلا شك- المتغيرات والظروف الدولية هي التي ساعدت، وبشكلٍ كبيرٍ، على تغييب السياسة الخارجية المصرية.. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يلعب الكيان الصهيوني دَورًا مزدوجًا مع الإدارة الأمريكية لتطويق الدور الإستراتيجي والسياسي المصري في المنطقة، مستهدفةً بذلك الحدَّ من ذلك الدَّور وتحجيمه.
وأشار د. عبد المنعم المشاط إلى أن دَور مصر الإقليمي مرَّ بثلاث مراحل عبر تاريخها الحديث: المرحلة الأولى عُرِفت بمرحلة الدَّور الفاعل؛ حيث اتسم النظام الدولي بوجود قطبين عالميين؛ هما الإدارة الأمريكية والسوفييتية؛ الأمر الذي أتاح لمصر أن تُبادر بسياسات إقليمية مستقلة نسبيًّا عن هذين القطبين العالميين؛ مما مكَّن النظام المصري من الوقوف أمام مصدر التهديد الرئيسي للأمن الإقليمي "الكيان الصهيوني"، ولكن انتهى هذا الدور في عام 1978م بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد.
أما المرحلة الثانية فُعرِفَت بمرحلة الدَّور العاقل، وهي مرحلة الصلح مع الكيان الصهيوني واتباع أسلوب التفاوض والصلح في محاولةٍ لاسترداد الأراضي المحتلة عام 67، أما المرحلة الأخيرة، والتي نعيش فيها الآن، وهي مرحلة الدَّور الغائب، والتي فقدت مصر فيها جميع مصادر قوتها وجعلتها ماضٍ بلا حاضر.
![]() |
|
جمال الغيطاني |
واستكمل الأديب جمال الغيطاني رئيس تحرير (أخبار الأدب) الهجوم على سياسات الإدارة المصرية في تعاملها مع الأزمات التي تمرُّ بها مصر؛ مما أفقدها قدرتها ووزنها العالمي؛ الأمر الذي انعكس على دَورها الإقليمي في المنطق، مشيرًا إلى أن غياب الديمقراطية ولغة الحوار بين الحاكم والمحكوم هي التي أدَّت إلى انتكاسات داخلية؛ الأمر الذي انعكس على وضع مصر الخارجي.
وأشار الغيطاني إلى استمرار الدور المصري الثقافي، حتى في مراحل الضعف، من خلال المراكز والمؤسسات الثقافية الراسخة، مؤكدًا أن الأزهر الشريف أصبح في وقتٍ من الأوقات مركزًا علميًّا وثقافيًّا للعالم السني والإسلامي، وأن الأزهر شكَّل لقرونٍ عديدةٍ حجرَ الزاوية في الدَّور الثقافي المصري، إلا أن هذه المؤسسة العريقة تعرَّضت لهزات؛ بدءًا من تأسيس الدولة الحديثة في عصر محمد علي، وكان أخطرها ما يسمَّى بقانون تطوير الأزهر الذي جرى في الستينيات وحوَّله إلى جامعةٍ بلا شخصية حقيقية.
ويرى الغيطاني أن سياسات التعليم المتخبطة وغير المسئولة، وكذلك تحوُّل دَور الاعلام وجموده وتركيزه على المصالح ووضع شروط الولاء للقيادة السياسية شرطًا أساسيًّا بدلاً من الكفاءة في اختيار القيادات الصحفية، وكذلك لعب أصحاب المال دورًا ملموسًا في تحويل الفن العربي إلى ملاهٍ ومواخير، واستخدام مصر كوسيلةٍ لنشر تلك التفاهات؛ أضعفت مكانة مصر الإقليمية الذي انعكس بدوره على الحياة الثقافية والإعلامية المصرية التي كان تقتدي بها المنطقة كلها.
![]() |
|
مكرم محمد أحمد |
وهنا تدخل مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين ليؤكد أن الدور الإقليمي المصري الفاعل الذي تعوَّدنا عليه في أسوأ حالاته، وعلى النظام أن يراجع نفسه قبل فوات الأوان، مطالبًا الحكومة بأن تعمل على رفع القبضة الأمنية والتخلِّي عن سياساتها غير المسئولة، وأن تفتح باب الحرية والسماح بإجراء انتخابات حرة نزيهة، مؤكدًا أنه على الجميع، حكومةً وشعبًا، أن يستثمروا كافة الإمكانات المتاحة للوصول إلى برِّ الأمان، وأن يستعيد الكيان المصري هيبته.
وأضاف جميل مطر مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل أن هناك متغيراتٍ إقليميةً عديدة أثَّرت في الدور الإقليمي لمصر، وفي المقابل نجد أن السياسات المصرية تعاملت ببطء مع تلك المتغيرات، مضيفًا أن ممارسات الحكومة المصرية كانت سببًا في الانتقاص من قدرة الدبلوماسية المصرية، فضلاً عن أنها صادفت مزاجًا سياسيًّا لدى النخبة الحاكمة المصرية يميل إلى الانعزال وعدم الاهتمام بتنمية أرصدة مصر الإقليمية.
ويضيف جميل مطر أن حالة عدم اليقين تُهيمن على العلاقات الدولية منذ عقدين أو أكثر، على عكس السابق؛ حيث كانت الدول تتعامل مع بعضها البعض وهي مطمئنة إلى حدٍّ كبير إلى استقرار سلوك غيرها مع الدول وإمكان التنبؤ به، ولكن مع اختلال موازين القوى العالمية وبروز حالة من الضباب السياسي العالمي، أكد تلك الحالة من عدم اليقين، مضيفًا على سبيل المثال أن أمريكا ما زالت تتمتع بقدر كبير من قوتها وقدرتها على وضع جدول لسياسات أعمال العالم، ولكنها في الوقت ذاته غير قادرة على تنفيذ ذلك الجدول؛ نظرًا لبروز قوى عالمية أخرى تقوم بعرقلة السياسة الأمريكية في مناطق العالم المختلفة.
ويؤكد جميل مطر أن من أهم أسباب هبوط وتدهور المكانة الإقليمية المصرية هي تلك العلاقة الخاصة بين الإدارة المصرية والكيان الصهيوني، وخصوصًا على الصعيد السياسي والاقتصادي؛ الشيء الذي جعل النظام المصري في تحالفٍ كاملٍ مع الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية في قضايا كثيرة يقف الرأي العام المصري والعربي موقفًا مضادًّا؛ الأمر الذي شكَّك في مصداقية السياسة الخارجية المصرية، وأفقدها فيما بعد دَورها الإقليمي.







![[StumbleUpon]](images/st.gif)
![[Technorati]](images/blog.gif)
![[Twitter]](images/twitter.gif)
![[Yahoo]](images/yahoo.gif)
![[del.icio.us]](images/del.gif)
![[Digg]](images/digg.gif)
![[Facebook]](images/fb.gif)