القاضي الشهيد "عبد القادر عودة"

 

• توطئة.

• "عبد القادر عودة" في سطور.

• "عبد القادر عودة"... العالم المرموق.

• "عبد القادر عودة"... والشعور بالواجب.

• "عبد القادر عودة" في نفوس المرشدين الثلاثة.

• الحكم بالإعدام على "عبد القادر عودة".

• مؤلفات الأستاذ "عبد القادر عودة".

• المراجع.

 

• توطئة:

 

 الشهيد "عبد القادر عودة"

تمضي الأيام وئيدة الخطى أو لاهثةً... تضرب أستار النسيان على البلايين من البشر في بطون الحقب والقرون؛ لأنهم عاشوا، ولم يوجدوا.

أرأيت الرجل من آل فرعون يوم التقى القوم على الفتك بموسى، وتلمُّس كلِّ طريقة إلى رضا فرعون بالوشاية بموسى وذكْره بكل سوء ومفسدة؟! فيقف فريدًا وحيدًا وسط الكفر والفساد، ومن خلال الظلم والظلام لا يبالي ولا ينافق، بل يقذف بالحق من أعماقه، ناصعًا كالنور، قويًّا كجيوش يحركها الإيمان: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (غافر: 28)، ويمضي إلى موسى محذِّرًا ناصحًا: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوك﴾ (القصص: 20).

تُرى كم من الآلاف أو مئات الآلاف ممن انحنوا لفرعون، وسجدوا، وتقربوا إليه، وساروا في ركبه، وأعلنوا الإيمان به إلهًا من دون الرحمن، والتمسوا الرزق والخير والقصور ومتاع الدنيا في رضاه؛ ظنًا منهم أنه المانح والمانع والمُحْيي والمميت؟!

تُرى كم من هؤلاء مضى كما مضى فرعون، وراحوا في طي النسيان، وإن حلت ذكراهم يومًا في الأذهان انهالت عليهم اللعنات، ولحق بهم كل خزي وعار؟!

ويبقى الرجل المؤمن ذكرى على الدرب الطويل، تفوح مجدًا وفخارًا، وقدوةً ومثلاً، وعطرًا ونورًا!
و"عبد القادر عودة" من هذا الصنف، من الرجال الذين ساروا، ومازالوا يسيرون على الطريق، وقف على حبل المشنقة، فازداد على الحق إصرارًا، ورأى الموت بعينيه، فأسرع لِلُقْياه، ولم تكن جريمته إلا أنه قال كما قال من سبقوه على الطريق: "ربي الله"! ولم تكن فعلته إلا أنه أنكر على الظالم ظلمه للناس، وأبت عليه نفسه أن يسكت على صنوف الذل والهوان للأُمّة، فمضى شهيدًا بعد أن سطر على صفحات التاريخ سطورًا لا تبلى، ولا تنمحي، وحفر في القلوب والأذهان ذكرى على مر الأيام تنمو وتزدهر!

• عبد القادر عودة في سطور:

استشهد عبد القادر عودة عام 1954م.

التحق بكلية الحقوق بالقاهرة، وتخرج فيها عام 1930م، وكان من أول الناجحين.

التحق بوظائف النيابة، ثم القضاء، وكانت له مواقف غايةً في المثالية.

في عهد "عبد الهادي" قدمت إليه- وهو قاضٍ- أكثر من قضية من القضايا المترتبة على الأمر العسكري بحل جماعة (الإخوان المسلمين)، فكان يقضي فيها بالبراءة؛ استنادًا إلى أن أمر الحل غير شرعي.

وفي عام 1951م أصر عليه (الإخوان المسلمون) بضرورة التفرغ لمشاطرة المرشد أعباء الدعوة، فاستقال من منصبه الكبير في القضاء، وانقطع للعمل في الدعوة، مستعيضًا عن راتبه الحكومي بفتح مكتب للمحاماة، لم يلبث أن بلغ أرفع مكانة بين أقرانه المحامين.

وفي عهد اللواء "محمد نجيب" عُين عضوًا في لجنة وضع الدستور المصري، وكان له فيها مواقف لامعة في الدفاع عن الحريات، ومحاولة إقامة الدستور على أسس واضحة من أصول الإسلام، وتعاليم القرآن...

وفي عام 1953م انتدبته الحكومة الليبية لوضع الدستور الليبي؛ ثقةً منها بما له من واسع المعرفة، وصدق الفهم لرسالة الإسلام.

• عبد القادر عودة... العالم المرموق:

إن الأستاذ الكبير "عبد القادر عودة" عَلَم من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة، وداعية من دعاة الإسلام في العصر الحديث، ومسئول كبير في (الإخوان المسلمين)، كانت له الكلمة المسموعة، والمكانة المرموقة، لدى (الإخوان) بخاصة، ولدى جماهير الشعب المصري بعامة، وكان له دوره الفاعل والمؤثر في مجرى الأحداث بمصر، بعد استشهاد الإمام "حسن البنا" في 12/2/1949م؛ حيث حمل العبء مع الأستاذ "حسن الهضيبي" المرشد الثاني للـ(إخوان المسلمين).

والأستاذ "عبد القادر عودة" عالم متمكن، وقاضٍ متمرس، وقانوني ضليع، صدرت له- بالإضافة إلى كتابه القيم (التشريع الجنائي في الإسلام)- كتب أخرى، نذكر منها: (الإسلام وأوضاعنا القانونية)، و(الإسلام وأوضاعنا السياسية)، و(الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه)، و(المال والحكم في الإسلام)، وغيرها من الكتب والبحوث والدراسات والمقالات، التي تكررت طباعتها مرات ومرات، وتُرجمت إلى كثير من اللغات، بل إن العديد من طلبة الدراسات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي قدموا أطروحاتهم للماجستير والدكتوراه عن مؤلفات القاضي الشهيد "عبد القادر عودة" باعتباره الرائد في هذا الميدان.

يقول الأستاذ "عودة" في كتابه (التشريع الجنائي في الإسلام) مقارنًا بالقانون الوضعي ما نصه: "حين أقارن بين القانون في عصرنا الحاضر وبين الشريعة، إنما أقارن بين قانون متغير متطور، يسير حثيثًا نحو الكمال حتى يكاد يبلغه كما يقال، وبين الشريعة التي نزلت منذ ثلاثة عشر قرنًا ولم تتغير ولم تتبدل فيما مضى، ولن تتغير أو تتبدل في المستقبل، شريعة تأبى طبيعتها التغيير والتبديل؛ لأنها من عند الله، ولا تبديل لكلمات الله، ولأنها من صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه، فليس ما يخلقه في حاجة إلى إتقان من بعد خلقه".

نحن- إذن- حين نقارن إنما نقارن بين أحدث الآراء والنظريات في القانون، وبين أقدمها في الشريعة، أو نحن نقارن بين الحديث القابل للتغيير والتبديل، وبين القديم المستعصي على التغيير والتبديل، وسنرى ونلمس من هذه المقارنة أن القديم الثابت خير من الحديث المتغير، وأن الشريعة- على قدمها- أجل من أن تقارن بالقوانين الوضعية الحديثة، وأن القوانين الوضعية بالرغم مما انطوت عليه من الآراء وما استُحدث لها من المبادئ والنظريات لا تزال في مستوى أدنى من مستوى الشريعة.

• عبد القادر عودة... والشعور بالواجب:

لقد شعرت بأن علىَّ واجبًا عاجل الأداء نحو الشريعة ونحو زملائي من رجال القانون، ونحو كل من درسوا دراسةً مدنيةً، وهذا الواجب هو أن أعرض على الناس أحكام الشريعة في المسائل الجنائية، في لغة يفهمونها، وبطريقة يألفونها، وأن أصحح لرجال القانون معلوماتهم عن الشريعة، وأن أنشر على الناس الحقائق التي حجبها الجهل عنا زمنًا طويلاً، إن القانون من صنع البشر، أمَّا الشريعة فمن عند الله، وكل من الشريعة والقانون، يتمثل فيه بجلاء صفات صانعه، فالقانون من صنع البشر، ويتمثل فيه نقص البشر وعجزهم وضعفهم وقلة حيلتهم، ومن ثم كان القانون عرضةً للتغيير والتبديل، أو ما نسميه "التطور"، كلما تطورت الجماعة إلى درجة لم تكن متوقعة، أو وُجدت حالات لم تكن منتظرةً، فالقانون ناقص دائمًا، ولا يمكن أن يبلغ حد الكمال ما دام صانعه لا يمكن أن يُوصف بالكمال، ولا يستطيع أن يُحيط بما سيكون، وإن استطاع الإلمام بما كان.

أما الشريعة فصانعها هو الله، وتتمثل فيها قدرة الخالق، وكماله وعظمته وإحاطته بما كان وبما هو كائن، ومن ثم صاغها العليم الخبير، بحيث تحيط بكل شيء وأمر- جل شأنه- ألا تغيير ولا تبديل حيث قال: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾؛ لأنها ليست في حاجة للتغيير والتبديل مهما تغيرت الأوطان والأزمان، وتطور الإنسان".

• عبد القادر عودة في نفوس المرشدين الثلاثة: 

 

 الإمام "البنا"

 ويحدثنا الأستاذ "محمود عبد الحليم" عن الأستاذ "عبد القادر عودة" وصلته الوثيقة به، وقربه من الإمام الشهيد "حسن البنا" والإمام "حسن الهضيبي"، فيقول في كتابه القيم (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ): "في البداية كان الأستاذ "عودة" على رأس طائفة من (الإخوان) تُحْسِن الظنَّ في "جمال عبد الناصر" أول الأمر، وتحمل تصرفاته محملاً حسنًا باعتباره من ضباط (الإخوان المسلمين)، ويجب تأييده، ولا شك في أن الأستاذ "عبد القادر عودة" يحتل في قلوب الإخوان سويداءها، حبًّا واحترامًا وتقديرًا، ولعلي أكون أكثرهم حبًّا واحترامًا وتقديرًا، فقد كان لي الأخ الحبيب والصديق الصدوق، وهو أقرب الإخوان إلى قلبي، وأحظاهم بإعجابي وحبي، ولقد كان الأستاذ "عبد القادر" من أحب الإخوان إلى الأستاذ الإمام الشهيد "حسن البنا"، وكثيرًا ما كان يذكره لنا بالفخر والاعتزاز، وظل الأستاذ "عودة" يشغل منصبه في القضاء، فلما تولى الأستاذ "حسن الهضيبي" منصب المرشد العام للإخوان المسلمين، كان الأستاذ "عبد القادر عودة" أقرب الإخوان إلى قلبه، ولعله هو الذي أوحى إليه أن يترك منصبه في القضاء؛ ليكون بجانبه كوكيل للإخوان المسلمين".

أما الأستاذ "عمر التلمساني"- المرشد الثالث لجماعة (الإخوان المسلمين)- فيقول عن القاضي الشهيد "عبد القادر عودة": "إن عبد القادر عودة من الأعلام الذين لا تنطوي ذكراهم، ولا تخفى معالم حياتهم، ولا تدع للنسيان سبيلاً يزحف منه على جلائل أعمالهم، ومواقفهم من أجل الحق وفي سبيل الخير، رجال انفردوا بسجايا وخصال، عاشوا على مستوى المثل والقيم، وشقوا في الحياة طريقًا على مبادئ وأصول، لقوا الموت في سبيلها أو تحملوا صنوف العذاب من أجلها.

لقد وقف "عبد القادر عودة" على حبل المشنقة فازداد على الحق إصرارًا، ورأى الموت بعينيه فأسرع للقياه، ولم تكن جريمته إلا أنه قال كما قال من سبقوه على الطريق: "ربي الله"، ولم تكن فعلته إلا أنه أنكر على الظالم ظلمه للناس، وأبت عليه نفسه أن يسكت على صنوف الذل والهوان للأمة، فمضى شهيدًا، بعد أن سطَّر على صفحات التاريخ سطورًا لا تنمحي، وحفر في القلوب والأذهان ذكرى على مر الأيام تنمو وتزدهر.

ولـ"عبد القادرعودة" أعمال القضاء، فكان المنارة الزاهية بين القضاة؛ لأنه أبى إلا أن يطبق قانون السماء ما وجد إلى ذلك سبيلاً، ورفض أن يقيد بقوانين الأرض، التي عجزت أن توفر لبني البشر أمنًا يفتقدونه وهدوءًا يبحثون عنه، وحبًّا يتوقون إليه.

كان جريئًا في الحق ولو خالفته الدنيا بأسرها؛ لأنه كان يحرص على مرضاة ربه قبل أن يفكر في إرضاء الناس. وقف إلى جوار حركة 23 يوليو 1952م، ظنًّا منه أن "عبد الناصر" سيحقق الخير الذي أعلنه على الناس، وقد أغضب في ذلك الكثير من إخوانه ومحبيه، ولما تكشفت أمامه النيات، وبدأت تظهر الحقائق، سلك الطريق الذي ألزم به نفسه في حياته- طريق الحق والصدق- قال له "عبد الناصر": "إنني سأقضي على كل من يعترض طريقي"، فأجابه الشهيد "عبد القادر عودة" في صراحة المؤمنين: "ولكن من يبقون منهم سيقضون بدورهم على الطغاة والظالمين"، وفي يوم 28 من فبراير 1954م خرجت جموع الأمة تطالب الحكام بالإقلاع عن الظلم وتنحية الظالمين، وزحفت الآلاف إلى ميدان عابدين تطالب الرئيس "محمد نجيب" بالإفراج عن المعتقلين، وتنحية الباطش، ومعاقبة الذين قتلوا المتظاهرين عند كوبري قصر النيل، وتطبيق شرع رب العالمين، وأدرك القائمون على الأمر يومئذ خطورة الموقف، وطلبوا من المتظاهرين الثائرين أن ينصرفوا، ولكن بلا مجيب، فاستعان "محمد نجيب" بالشهيد "عبدالقادر عودة" لتهدئة الموقف متعهدًا بإجابة الأمة إلى مطالبها.

ومن شرفة عابدين وقف الشهيد "عودة" يطلب من الجماهير الثائرة أن تنصرف في هدوء؛ لأن الرئيس "نجيب" وعد بإجابة مطالبها، فإذا بهذا الزاخر من البشر ينصرف في دقائق معدودة، وبمنطق الحكم الديكتاتوري الذي كان يهيمن على البلد حينذاك، كان لابد أن يصدر قرار في "عبد القادر عودة"، فإذا كان الشهيد قد استطاع أن يصرف الجموع الحاشدة التي جاءت محتجةً، تطالب بإطلاق الحريات وإفساح المجال للحياة الدستورية السلمية الأصيلة، والوفاء بالوعود وتأدية الأمانات، فهو يمثل خطورةً على هذا الحكم الذي كان مفهومه لدى الحاكم أن يضغط على الأجراس فيلبَّى نداؤه، وعلى الأزرار فتتحرك الأمة قيامًا وقعودًا.

ومن هنا كانت مظاهرة عابدين هي أول وأخطر حيثيات الحكم على الشهيد "عبد القادر عودة" بعد ذلك بالإعدام، ولذلك لم يكن غريبًا أن اعتقل هو والكثيرون من أصحابه في مساء اليوم نفسه، ووقفوا على أرجلهم في السجن الحربي من الرابعة فجرًا حتى السابعة صباحًا، ويضربهم ضباط السجن وعساكره في وحشية وقسوة.

وقُدِّم "عبد القادر عودة" في تهمة لا صلة له بها ولا علم، وحكموا على الشهيد بالإعدام، ظنًّا منهم أن قتل "عبد القادر عودة" سيمضي كحدث هين لا يهتم به أحد، ولكن حاكم ذلك العهد "عبدالناصر"، لما رفعت له التقارير من جواسيسه عن أثر ذلك الإعدام في نفوس الناس، قال في حديث نشرته الصحف في وقته: "عجبت لأمر هذا الشعب، لا يرضى بالجريمة، ولكن إذا عوقب المجرم ثار عطفه على المجرمين"، ولكن ثورة العواطف عند الشعب لم تكن من أجل المجرمين، فما كان في الموقف واحد منهم، ولكن الشعب ثار كراهيةً منه للظلم ووفاءً منه للأبرياء".

لقد وقف أستاذنا "عبد القادر عودة" أمام المحكمة الهزلية متحديًا وقال: أنا متهم بتهم- لو صحت- لكنت أنا الجاني وأنتم المجني عليكم، ولم أعرف حقًّا للمجني عليه في محاكمة الذي جنى عليه، إنني لا أجد في الدنيا قانونًا يبيح مثل هذه المحاكمة؛ فكيف يُعقل أن يكون القاضي هو الخصم وهو الحكم؟!

• الحكم بالإعدام على "عبد القادر عودة":

قُدِّم "عبد القادر عودة" إلى المحاكمة في تهمة لا صلة له بها، وهي محاولة اغتيال "جمال عبد الناصر"، أمَّا الأسباب الحقيقة لإعدامه فهي ما تتميز به شخصيته من مكانة رفيعة، وقدرة حركية، وصبرٌ على مواقف الشِدّة والجهاد، وجرأة في الحق نادرة، ومن أبرز هذه الأسباب ما يلي:

كان الشهيد "عودة" قد تزعم الدعوة إلى التقريب بين الإخوان و"عبد الناصر" في مطلع الخلاف، وظن "عبد الناصر" أن بإمكانه تقريب (وكيل الجماعة) الشهيد "عودة" إليه، وشطر الجماعة بذلك شطرين، وكان موقف "عودة" الصامد من هذه البادرة الصدمة التي ملأت صدر "عبد الناصر" حقدًا عليه ورغبةً في البطش به.

وعندما نصح "عبد القادر عودة" "جمال عبد الناصر" عام 1954م بضرورة إلغاء قرار حل جماعة الإخوان؛ مخافةً أن يتهور شاب منهم في حالة غيظ واندفاع، فيقوم بعمل من أعمال الاعتداء بعيدًا عن مشاورة قادة الحركة، أجاب "عبد الناصر": "كم عدد الإخوان؟ مليونان، ثلاثة ملايين... إنني مستغنٍ عن ثلث الأمة، ومستعد للتضحية بسبعة ملايين إذا كان الإخوان سبعة ملايين"، وهنا غلب الذهول الشهيد "عودة"، وقال في ثورة: "سبعة ملايين ثمنًا لحياة فرد... ما أغناك عن هذا يا جمال!".
وكان هذا الموقف من الأسباب التي دفعت إلى المصادقة على حكم الإعدام.

ومن الأسباب كذلك أن الشهيد "عودة" كان قد وقف موقفًا وطنيًّا خالدًا حين عمد الضباط إلى اتخاذ قرار بعزل "محمد نجيب" من رئاسة الجمهورية، فأقدم على استلام الراية وابتدر قيادة الحركة، ونظم عشرات الآلاف من الجماهير في مظاهرة لم يشهدها تاريخ مصر كله؛ وهو ما أرغم الضباط والوزراء على الرضوخ لإرادة الشعب وإعادة اللواء "محمد نجيب" رئيسًا للجمهورية المصرية.
ومن هذا اليوم أيضًا تقرر انتهاز الفرص للحكم على "عبد القادر عودة" بالموت...

ومن الأسباب كذلك أن "عبد الناصر" أقدم على توقيع معاهدة مع الإنجليز، فطلب مكتب الإرشاد من الفقيه القانوني الشهيد "عبدالقادر عودة" أن يتناول الاتفاقية تناولاً قانونيًّا، بعيدًا عن أسلوب التحامل والتشهير، فجاءت الدراسة التي سلمت إلى السلطات المصرية في ذلك الوقت، دراسةً قانونيةً تبرز للعيان ما تجره الاتفاقية على البلاد من استبقاء الاحتلال البريطاني مقنعًا، مع إعطائه صفة الاعتراف الشرعية، فضلاً عما يجره على مصر والبلاد العربية من ويلات الحروب دفاعًا عن مصالح الإنجليز والأمريكان كما وضح في الدراسة، وبذلك ازداد الحكم رغبةً في الانتقام من عبد القادر عودة.

ويوم الخميس الواقع في 9 من ديسمبر عام 1954م كان موعد تنفيذ حكم الإعدام على "عبد القادر عودة" وإخوانه الخمسة... وتقدم الشهيد "عودة" إلى منصة الإعدام وهو يقول: "ماذا يهمني أين أموت؛ أكان ذلك على فراشي، أو في ساحة القتال.. أسيرًا، أو حرًّا.. إنني ذاهب إلى لقاء الله"، ثم توجه إلى الحاضرين وقال لهم: "أشكر الله الذي منحني الشهادة.. إن دمي سينفجر على الثورة، وسيكون لعنةً عليها".

وقد استجاب الله دعاءه، فكان دمه لعنةً عليهم، فلم يفلت أحد من الظالمين من انتقام الله في الدنيا؛ حيث توالت عليهم النكبات، فهذا يصاب بمرض عصبي، وغيره تتوقف كليتاه ويحتبس بوله ويموت بالتسمم، وآخر يُحكم عليه بالمؤبد، وآخر يموت منتحرًا أو مسمومًا، ومنهم من تصدمه شاحنة فيتناثر لحمه في العراء، ومنهم يُعثر عليه قتيلاً بين الحقول، وغيره هاجمه جمل له وقضم رقبته فقتله، وكثيرون غيرهم من الظلمة وأعوان الظلمة الذين اضطهدوا الإخوان المسلمين، أرانا الله فيهم عجائب قدرته، أما كبيرهم ورأس الشر فيهم "عبد الناصر"، فقد كانت حياته كلها رعب وفزع في اليقظة والمنام، بل طفحت المجاري على قبره فكان عبرةً لمن يعتبر، والله غالب على أمره.

لقد شاهدنا بأعيننا آيات الله في الظالمين الذين جنوا على (الإخوان المسلمين)؛ فقد ضرب فاروق (الإخوان) عام 1948م، فكان خلعه وطرده عام 1952م، وضرب "عبد الناصر" (الإخوان المسلمين) عام 1954م، فكان الاعتداء الثلاثي على مصر واحتلال الكيان الصهيوني لسيناء وبورسعيد، ثم ضربهم مرةً ثانيةً عام 1965م، فكانت هزيمته ونكبته عام 1967م، وهلاك "عبد الحكيم عامر"، ثم هلاكه من بعده، فسبحان من يمهل ولا يهمل.

رحم الله العالم العامل، والقاضي الفقيه، والمجاهد الشهيد، الأستاذ "عبد القادر عودة"، ألحقنا الله وإياه بالأنبياء والصالحين والصديقين والشهداء.

• مؤلفات الأستاذ "عبد القادر عودة":

- التشريع الجنائي في الإسلام.

- الإسلام وأوضاعنا السياسية.

- الإسلام وأوضاعنا القانونية.

- الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه.

- المال والحكم في الإسلام.

• المراجع:

- من أعلام الحركة الإسلامية للمستشار "عبد الله العقيل".

- الموسوعة الحركية بإشراف الأستاذ "فتحي يكن".

[StumbleUpon] [Technorati] [Twitter] [Yahoo] [del.icio.us] [Digg] [Facebook]
تعليقات
1 - أضيف بواسطة : عبد الرحمن سرحان ، سطيف / الجزائر في 20/08/2010

لا نلوم الساسة وأصحاب المناصب الحساسة في عهد عبد الناصر الخاسر إذ رضخوا للظلم وهم ينظرون لمتاع دنيوي قليل ولكن نلوم الشعب المصري وعلى رأسه العلماء وكانوا كثر يومئذعلى سكوتهم لما أعدم الشهداء واحد تلو الآخر وخاصة الشهيدان عبد القادر عودة وسيد قطب. بماذا تواجهون الله غدا يوم القيامة؟. لو خرجت جحافل المسلمين بالملايين في مصر غيرها تندد وتصرخ وتردد وتتوعد وتهدد بدافع الإيمان العميق في النفوس وهم يبكون ويرتجفون صامدون، صادقون متوجهون إلى الموت بصدورهم دفاعا عن علمائهم لارتعدت الحكومة وتوقفت ولكن. الإسلام السطحي لا يُدخلك الجنة. هذا تعليقي ورأيي الخاص أكتب وقد سالت من عيني العبرات .

2 - أضيف بواسطة : ايهاب عبدالله ، هامبورج المانيا في 28/06/2010

رحم الله الشهيد عبدالقادر عودة

3 - أضيف بواسطة : مساند ، كفرالشيخ في 14/09/2009

لازال القلم يلح علي كلما تذكرت الأطهار والسياط تتلوي فوق أجسادهم أستحضر الفترات التي لم يقدر الله لي أن أكون شاهدا لها بل يظل الألم يقتلني سؤال لم أجد له اجابة ألم يكن مصر رجل رشيد كمؤمن ال فرعون ؟ أين كان العقاد حين علقوا سيدقطب علي أعواد المشانق؟. بل أين كان أدعياء الحرية الذين سمعنا عنهم؟ دين بغير وقفة صادقة في وجه الجبارين ماهو الا أوراد تسبح فى الهواء . سلام علي الشهداء حين نلتقي تحت ظلال عرش الرحمن هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت.

4 - أضيف بواسطة : مساند ، كفرالشيخ في 14/09/2009

من الكذب الذي خدعونا به ،أن الثورة كانت بيضاء وأنها جاءت لتطهر الشعب المصري من الفساد والظلم فاذا بها تنقلب وحشا كاسرا لايلوي علي شيء سادر في غيه مقطع لكل أسباب الخير ،أين منا يأحبابنا صحراء العباسية وباستيل السجن الحربي؟،ذاكرة الأمة ليست ضعيفة فهي ذاخرة بكل ماعرفته المجتمعات من صنوف البطش والنكيل،لقد قدم شهداء الحركة الاسلامية أبلغ دليل علي ظلم الجلادين وأعذروا الي ربهم والدور علي الأمة أن تعرف فذلك بداية الاصلاح

5 - أضيف بواسطة : عبدالرحمن ابراهيم خليفة ، الامارات في 20/06/2009

فراسة المؤمن...كان الشيخ محمدنور سيف الاسلام من كبار العلماءفي دولة الامارات(امارةدبي)وقد هاجر الى المملكة العربية السعودية وان اصر البعض على انه هجر وقد تتلمذ على يديه في السعوديةعلى مدىاكثرمن 50عاما نحو 3000 طالب علم يقول احد تلاميذة وهو الشيخ عمر بن عبيد الماجد امام وخطيب مسجد دبي الكبيرسابقا دخلت على الشيخ محمدنور يرحمه الله وهو في حلقة الدرس يدرس بعض تلاميذه وكان ذلك في اواخر شهر يوليو 1952 واخبرناه ان انقلابا حدث في مصر بقيادة ضابط شاب اسمه جمال عبدالناصر ورغم سماعه للخبر لاول مره الا وجهه تجهم وهو امر لايحدث له الا في النادر ولامر غاية في الخطورة ثم اردف هذا دجال والله يكون في عون اخوانا المصريين مما بيجيلهم من تحت راسه.

6 - أضيف بواسطة : yassir ، sudan في 24/05/2009

العالم عبدالقادر عوده... نسأل الله ان يجعله من الشهداء

7 - أضيف بواسطة : ابو أحمد ، اليمن في 19/05/2009

انا المتابع لحركة الاخوان المسلمين و يقراء عن تضحياتهم في سبيل الله فان المشهد يذكرك بمواقف الشعداء من الصحابة و التابعين فالتاريخ يعيد نفسه.

8 - أضيف بواسطة : هدى حامد احمد عودة ، مصر في 03/04/2009

لعن الله كل من ظلم جدى الشهيد عبد القادر عودة وسوف تظل ذكراة خالدة مادام هناك حياة وما دام هناك اجيال و اجيال من عائله عودة فعبد القادر عودة اسم يطلع كل يوم مع الشمس ولكنه لا يغرب معها ويسير مع النهر الجارى ولكنه لا ينسرب معه اهديك جدى هذة الكلمات لأن اسمك سيظل دائما و ابدا علما من اعلام التاريخ

9 - أضيف بواسطة : محمد ، مصر في 21/03/2009

رحم الله الشهيد فوالله ذكراة باقية بكل خير...اما من قتلوة فتبعث الامة لهم اللعائن والدعاء بالهلاك

10 - أضيف بواسطة : ابن الاسلام ، الفيوم- مصر في 21/03/2009

بسم الله الرحمن الرحيم والله لقد اثر فى نفسى كثيرا هذا المقال وبه معلومات قيمة وانا ولدت فى اسيوط واهلى هناك واعرف الدكتور خالد عبد القادر عودة فهو من افضل اساتذة جامعة اسيوط ويشهد بذلك المخالف قبل الموافق تماما مثل ابيه الشهيد رحمه الله عليه

11 - أضيف بواسطة : ابو نذير ، الجزائر في 19/12/2008

ليس لدي ان اقوله سوى حسبنا الله و نعم الوكيل في حكامنا، متى وجدت رائحة من عطور الرجال الكبار الا ودنسوها باوساخم، فالان كم هم قلائل الذين هم من طينة الشهيد عوده و كم هم كثر من هم من طينة الطاغية عبد الناصر

12 - أضيف بواسطة : abomolika ، مصر في 30/11/2008

جزاك الله كل خير لابد من ذكر مثل هذه الأمثله للشباب اللذين من الله عليهم بالالتزام بدين الله وتطبيق شرعه حتى تقوم النخوه والثوره الايمانيه المفتقده ولا حول ولا قوة الا بالله

السابق 1| التالي


"يلتزم الموقع بنشر جميع التعليقات ما لم تشتمل على تجريح أو سب أو قذف لأشخاص أو هيئات"