ولاية الفقيه.. وولاية السفيه!
[09/07/2009][10:14 مكة المكرمة]

بقلم: د. حلمي محمد القاعود

 

 د. حلمي محمد القاعود

حبي للصحابة رضوان الله عليهم، وآل البيت الكرام؛ لا يفوقه إلا حبي للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي كان وسيظل إلى ما شاء الله مثلي الأعلى- ولله المثل الأعلى- وقدوتي الحسنة، ومجال حركتي وتفكيري، وبذلي وتضحيتي، وآمل ألا يزايد أحد عليَّ في هذا السياق.. ومن ثَمَّ؛ فإن موقفي من إيران وما يجري فيها؛ هو موقف الناقد الدارس الذي يرى فيها ما قد يتمناه في بلده ووطنه ومحروسته التي هي عقل الإسلام وقيادته وأمله في كل الأحوال.. ولا أزيد.

 

لم أزر إيران، ولا أعرف أحدًا فيها، لم أر ما يجري فيها رأي العين، ولكني أتابعه من خلال الأحداث، وما يكتب عنها سياسةً وأدبًا وفكرًا وتحليلاً، وما يقوله الشانئون والكارهون، وخاصة أولاد الأفاعي في فلسطين المحتلة، وهذا يعطيني حدًّا أدنى من المعرفة على الأقل أضعه في سياقه الموضوعي من القراءة والتحليل.

 

ولعل أول أو أبرز ما تعاب به إيران هو "ولاية الفقيه" التي تشكل أساس النظام السياسي والإداري في الحكم الإيراني، ويرى فيه الكارهون نقطة ضعف؛ لأنه يمثِّل الأداة الفعالة لما يسمى "الدولة الدينية" بجبروتها وطغيانها وقمعها للمجتمع والأفراد.

 

وأود أن أقول مباشرة: إن الإسلام لا يعرف شيئًا اسمه الدولة الدينية بمفهومها الكنسي أو اليهودي، ودولة الإسلام هي أول حكومة مدنية على ظهر الأرض، لا يتحكم فيها عالم دين مهما بلغ من مكانة، ولا صاحب عضلات مهما بلغ من قوة، فهي دولة يلزم فيها كل إنسان "طائره في عنقه" وحسابه على الله، وصاحب السلطة أجير عند المسلمين، ليس هناك في دولة الإسلام حرمان أو غفران، ولا يملك الشيعة- على اختلاف فرقهم الباطنة والظاهرة- أن يحكموا على أحد بالتأثيم أو التبرئة... فالفقيه هناك مرشد وقائم على أمور الشريعة؛ حتى لو اتخذ صورة مرشد الثورة، فلا حصانة له، ويستطيع آية الله منتظري- المعارض الأشهر- أن ينتقده، ويرفض سلوكه السياسي، ويطالب بتنحيته (هل هذا ممكن في بلاد المخلفين من الأعراب؟).

 

والفقيه في الواقع الشيعي يمثِّل قيادةً شعبيةً حقيقيةً؛ لأنه قريب من الناس في بساطته وجلوسه على الأرض، وتقشفه وزهده، حتى لو كان أهله وعائلته من (البازار) كبار التجار، مثل آية الله علي أكبر هاشمي رفسنجاني، فالوضع هنا يعني "توظيف" الغني واليسار لصالح البسطاء (أسهم رفسنجاني في تمويل الثورة قبل نجاحها بالملايين)، وإنقاذهم من القهر والفقر جميعًا.

 

الفقيه الشيعي عنصر حيوية وحركة بالنسبة للجمهور يقودهم ويعبئهم ويوجههم إلى العمل، والاتجاه الذي يراه يخدم الشريعة ويطابقها، ولعل هذا كان من وراء ما بذله الشعب الإيراني من أموال ودماء في مواجهة النظام الشاه نشاهي المتوحش، وجهاز أمنه الدموي (السافاك)، وسياسته المخزية؛ انبطاحًا أمام الغزاة اليهود والمؤسسة الاستعمارية الصليبية بقيادة الولايات المتحدة.

 

ولاية الفقيه تؤمن بالتواصل بين القادة والبسطاء، والحوزات والمساجد، والمنتديات تشهد عملية تفاهم القمة والقاعدة، وتحاورهما على مدى عريض.

 

وولاية الفقيه في التصور الإسلامي السني تعني في جوهرها المعارضة للمنكر، ورفض المظالم؛ حتى لو كان الثمن قطع الرأس على النطع (اقرأ ما جرى للعالم الفقيه سعيد بن جبير على سبيل المثال)، والفقيه في هذا التصور ليس موظفًا عند السلطة؛ مهما بلغت من جبروت، فهو صمام الأمان والحماية للضعفاء والفقراء والمظلومين، ويستطيع الفقيه السني الذي لا يحكم أن يقيل الحاكم الظالم ويردعه عن طغيانه، والأمثلة كثيرة في التاريخ القريب والبعيد، وقد تصدَّى علماء السنة للمماليك والعثمانيين؛ حين ظلم بعضهم أو طغى!.

 

ولا شك أن ولاية الفقيه في إيران وضعت أساس نظام سياسي أيًّا كانت سلبياته؛ فهو أفضل كثيرًا من ولاية "السفيه" في معظم بلادنا العربية.

 

لقد استطاعت إيران تحت ولاية الفقيه هذه أن تخوض بالمتخصصين في شتى العلوم والأبحاث حربًا مدمرة لمدة ثماني سنوات في مواجهة العراق وكثير من الدول العربية والولايات المتحدة والغرب، وتمكنت من التغلب على حصار غربي صليبي ممتد منذ نجاح الثورة الإيرانية حتى اليوم، وأن تتبنى في ظل الحرب والحصار صناعة قوية، وزراعة مثمرة، وتوصلت إلى اكتفاء ذاتي في معظم المحاصيل، وفي مقدمتها القمح، وتشهد تفوق المرأة الإيرانية في المجالات كافة، ومن بينها المجال السياسي والعمل العام، ملتزمة بقيم الإسلام وأخلاقه، ثم وهو الأهم فإن العسكرية الإيرانية الراهنة تعد صورةً ناضجةً لإبداع الآلة الحربية برًّا وبحرًا وجوًا، فضلاً عن إطلاقها الأقمار الصناعية، وتتويج ذلك كله بتخصيب اليورانيوم.

 

الشعب الإيراني في ظل ولاية الفقيه، ليس شعبًا من المشايخ الذين لا يفقهون غير علوم الدين؛ ولكنه شعب حي يعرف طريقه جيدًا بالعلم والمعرفة المدعومة بالإيمان- أيًّا كان هذا الإيمان- الذي عبَّر عنه ملايين الشهداء الذين ضحى بهم في ميدان القتال؛ مقاومة للاستبداد ومواجهة للعدوان، وهو ما يجعل المعارضة القوية التي جرت بعد انتخابات الرئيس في 12/6/2009م جزءًا من حيوية هذا الشعب، وثورته الدائمة التي لا تتوقف بحثًا عن العدل والتصويب، وتمنع الثائرين من الانبطاح أمام غواية السلطة أو إغراء الفساد.

 

قارن ذلك بولاية السفيه "في بعض البلاد العربية، وهي ولاية بينها وبين الناس من العوازل والحوائل ما يضع السفهاء في مرحلة الآلهة- وإنْ كانوا عجزة- ويضع الشعب في مكانة الكائنات التي لا قيمة لها، ولا مستقبل.

 

السفاهة في مفهومها اللغوي تحمل كثيرًا من معاني الخفة والطيش والجهل والاضطراب والخداع والانحراف.. إلخ، والسفاهة بالمفهوم السياسي لا تبعد عن ذلك كثيرًا؛ فهي لا تعرف دينًا ولا دنيا ولا خلقًا، ولا كرامة لبشر أو وطن؛ إنها تحكم بالحديد والنار والتشهير، وتنبطح أمام الغزاة، وتسجد للصليبيين الطغاة، وتفرِّط في أغلى ما يملكه الوطن من تراث وثروات.

 

ولاية السفيه تنزع الإنسانية من مواطنيها، وتحولهم إلى مجرد دمى تأتمر بأمر السفيه، وتهتف باسمه أيًّا كان مستواه الإداري، وتتعايش مع فساد الأتباع والأنصار، وإن سُمح لها بـ"الهوهوة" و"الوعوعة"!.

 

ولاية السفيه تضع الأجنبي في مكانة أعلا من مكانة مواطنيها، وتفرِّط في استحقاقهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

 

انظر إلى ولاية السفيه، وهي تستورد احتياجات الناس من الإبرة إلى الصاروخ (الذي لا تستعمله عادة!)، وتبيع ما تملكه من مصانع ومؤسسات وأراضٍ للسماسرة والانتهازيين، وتفتح بلادها للأعداء والخصوم، بينما تغلقها في وجه بعض مواطنيها الذين تنفيهم وتبعدهم، ولا تتسامح معهم حتى وهم أموات، فلا تقبل بدفنهم في تراب بلادهم!.

 

وتأمل كيف رهنوا حياة بلادهم نظير حفنة قمح مسمومة يستوردها النصابون، ومعدومو الضمير لتسميم الشعوب البائسة، مع أن لديهم كل الظروف التي تجعلهم ينتجون القمح ويكتفون منه، ومن المحاصيل والفواكه والخضراوات، ولكن ولاية السفيه لا يعنيها إلا إذلال شعوبها وتلويعها من أجل الرغيف المسموم.

 

وتأمَّل كيف صار الاستسلام خيارًا إستراتيجيًّا لولاية السفيه، بينما يزداد العدو الغازي قوةً وشراسةً وعدوانيةً على مدار الساعة في كافة الميادين، ويكتفي السفهاء ببعض الاستعراضات التليفزيونية لسرايا الدفاع والدرك والجيوش الشعبية والأمن الوقائي.

 

الفارق كبير بين ولاية الفقيه التي تنحاز إلى شعبها؛ مهما كان الخلاف معها، وولاية السفيه التي تنحاز إلى كبار اللصوص، والسماسرة، والكذبة، والمنافقين، والأفاقين، وأبواق الزور، وأقلام الزور، وشاشات الزور!!.

 

لا يحق لولاية السفيه أن تلوم ولاية الفقيه إلا إذا تغيرت هي وقدمت النموذج الإسلامي الوطني الحر القوي الذي لا يركع لواشنطن، ولكن يسجد لله وحده.. وحتى ذلك الحين نسأل الله العفو والعافية.

---------------------

* drhelmyalqaud@yahoo.com

[StumbleUpon] [Technorati] [Twitter] [Yahoo] [del.icio.us] [Digg] [Facebook]
تعليقات
1 - أضيف بواسطة : علي رضا ، ايران في 03/01/2010

أحسنت يا أخ الذي لم أراك ... فوا أسفاه من جامعتنا الإسلامية التي لم تري مثلك كثير! تقبل الله منك

2 - أضيف بواسطة : علي رضا ، ايران في 20/12/2009

... و تضيف إلي مشاكلنا المقابلة الإمريكية بكل الأبعاد الإقتصادية و السياسية ... لشجاعتك أشكرك

3 - أضيف بواسطة : abi jude ، ksa في 05/08/2009

very good artical.

4 - أضيف بواسطة : أشرف ، مصر في 05/08/2009

أستادنا الدكتور القاعود عاده لا اقراء اى مقال الى أخره ولكن مقالكم البوم لما احسست فيه من كلمات الحق وتوصيف صحيح لحال امتنا العربيه والاسلاميه المخزى جعلنى اكمله الى اخره واتامله بعقلى جيدا . لدلك ادعوا لسيادتكم بالتوفيق ودائما صوتك عالى بالحق لمصلحه هده الامه لعلنا نفيق فى لحظه من ثباتنا العميق. وفقكم الله دائما

5 - أضيف بواسطة : عبد الله الشيعي ، السعودية في 05/08/2009

هاقد وقع المقال في يد شيعي كما تخوف البعض ولكن ما اراه الا كلمة حق انفلتت من عقال التعصب المذهبي الذي التف على الكثير منا سنة وشيعة فصرنا نغمط حق بعضنا ولا نعترف بالحقائق بل نحورها ونلويها. لا يا اخي ..لن نأخذ المقال على انه تزكية للشيعة لان الكاتب ما قصد ذلك ولا الشيعة بحاجة الى تزكيته-مع شديد الاحترام له- ولكن الحق ابلج والباطل لجلج وأول الهدى البعد عن العصبية البغيضة التي تعمي وتصم لك التحية يا د حلمي ولكل الاحرار

6 - أضيف بواسطة : عمار ، البحرين في 19/07/2009

بارك الله فيك , مقال رائع مع اني اختلف معك لا ولاية الفقيه.. ولا ولاية السفيه ولا دولة اسلامية ولا مسيحية ولا دينية اصلاً ولكن كما كتبت في بداية المقال , دولة مدنية تقوم علي المؤسسات والعلم والمعرفة والبحث لوجود حلول الي مشاكلها هذا في نظرى هو الخيار الافضل للؤمة

7 - أضيف بواسطة : شعبان شحاته ، الفيوم في 11/07/2009

أرجو أن تكثر من هذه المقالات ليفهم الناس كيف تسير الأمور في بلادنا , في زمن أصبح المثقفون سطحيين إلى درجة كبيرة لعلهم يفهمون و يستيقظون . وكنت أتمنى أن تشير إلى أوضاع أهل السنة والإخوان في إيران , ناصحا ومعاتبا ؛ فالأوضاع هناك لا تسر . وجزاكم الله خيرا

8 - أضيف بواسطة : د.محمود دحروج ، مصر في 11/07/2009

إذا كان فى الإخوان مثل الدكتور القاعود أبشرهم بالنصر بشرط الأردنى ومن على شاكلتة يقام لهم بعض الدورات التثقيفية ..لأن الله لايمكن إلا لمسلم بمواصفات خاصة أهمها المعرفة...(كل الناس هلكى إلا العالمين وكل العالمين هلكى إلا العاملين وكل العاملين هلكى إلا المخلصين)..

9 - أضيف بواسطة : محمد ، كوم النور في 10/07/2009

لا بارك الله فيك

10 - أضيف بواسطة : عبده ، كندا في 10/07/2009

الى الأردنى أقول أنه بالعكس سيقرأ الكثيرون من الشيعة هذا المقال الرائع حتما , و سيفرحون لأن من أهل السنة الكثيرون من الذين يقولون الحق ولا يخشون لومة لائم

11 - أضيف بواسطة : ابو منه ، القاهرة الكبرى في 10/07/2009

النموذج الايراني يمكن تطبيقة في البلاد العربية و على نفس الوزن من خلال ولاية النقيب و بة يمكن اعادة تربية الشعب علي منهج الاسلام الوسطي الحنيف عن طريق نظام الاسر و الشعب و يشمل كل فرد من افراد الدولة ويصل الي كل بقعة في البلاد و بة يمكن خدمة الناس و ادارة شؤنهم و اقامة هيكل كامل للدولة الاسلامية في كل بلد من قاعدة الشعب حتى القمة المتمثلة في مرشد كل دولة. و الله اكبر و لله الحمد

12 - أضيف بواسطة : اردني ، الاردن في 09/07/2009

ارجو ان لايقع هذا المقال بايدي الشيعة حتما سيؤلونة عقائديا كعادتهم

13 - أضيف بواسطة : محمد احمد ، مصراوي في 09/07/2009

حقا ياليت عندنا ولاة ينهضون بدولتنا بدلا من سفهائنا ...والواقع خير شاهد بين الفقية وبين السفيه... ونسال الله ان لايؤاخذنا بما فعل السفهاء منا وبنا , وحسبنا الله ونعم الوكيل

14 - أضيف بواسطة : عبد الرحمن ، مصر في 09/07/2009

طرح مميز ومتوازن كعادتكم أستاذنا الدكتور.. بارك الله فيك وأكرمك على اللمحات الطيبة..

السابق 1| التالي


"يلتزم الموقع بنشر جميع التعليقات ما لم تشتمل على تجريح أو سب أو قذف لأشخاص أو هيئات"