قصة قصيرة بقلم علاء سعد
وأنا أيضًا أحب السينما

سينما

 

كان بذيئًا مبتذلاً وفقيرًا شبه معدم، يحقد على زملائه لأنهم يجدون ما يشترون به بعض الحلوى الرخيصة في "الفسحة" أو بعد انتهاء اليوم الدراسي..

 

أراد أن يحصل على بعض النقود، وأن ينفث عن حقده عليهم، وأن يسخر منهم في آنٍ واحد..
ابتدع فكرة شيطانية صغيرة، لكنها تدل على مستقبل في عالم الرذيلة؛ عند انتهاء اليوم الدراسي اختبأ في دورات المياه، وانتظر حتى انصرف الجميع، ثم أخرج أداةً ثاقبة، وأخذ يُحدث ثقوبًا في بعض الأبواب.. ثقوب صغيرة لكنها تكفي لوضع عين طفل في المرحلة الابتدائية عليها ليتطلع منها إلى ما وراء الباب..

 

في اليوم التالي وقف على باب دورات المياه وأخذ في اصطياد الزبائن من التلاميذ.. من يدفع قرشًا يرشده إلى مكان ثقب بباب الدورة التي دخلته أية تلميذة من الزميلات!! كان يجمع نقودًا وعلاقات مشبوهة في نفس الوقت، ولما كبُر طوَّر فكرته حتى وقع في شر أعماله..

 

- هل تريد يا خالد أن تدفع قرشًا لهذا الولد لتتطلع إلى عورات الناس؟

- لا يا أبتِ لا أريد.. هكذا كنت أجيب باستهجان وتقزز..

 

كانت هذه هي حكاية أبي وسؤاله لي وكان هذا هو جوابي عليه، في كل مرة أطلب منه أن أدخل السينما..

 

كان أبي- رحمه الله- يرى أن السينما حرفةَ التطلع إلى عورات الناس وخصوصياتهم، يقول لي : يا ولدي إن الحب بين الرجل والمرأة علاقة خاصة، والعلاقة الخاصة بين الزوج وزوجته يجب أن تكون في البيت، هل تقبل يا بني أن ينظر أحدٌ إلى ما يدور داخل بيتنا من ثقب الباب؟
كنت أهز رأسي علامة النفي، وأمضي حزينًا منكسرًا..

 

عندما كبرت شيئًا ما، أدركت أن كلام أبي فيه الكثير من الصحة؛ فلو قبّل رجلٌ زوجته في مكانٍ عام لحرَّروا له محضرًا في شرطة الآداب رغم أنها زوجته، فما الذي تقدمه أفلام السينما غير ما تحاسب شرطةُ الآداب عليه الناس إذا اقترفوه في الأماكن العامة؟

 

لكن رغم اقتناعي هذا، كان حبِّي للسينما يكبر في نفسي كل يوم، لا أستطيع أن أقاوم سحرها وجاذبيتها، فمن منَّا لا يحب سماع الحكايات والقصص؟ من منَّا لا يحب أن يتسلى بالنظر إلى حياة الناس؟

 

والسينما تسلية ساحرة، كانت تلهب خيالي منذ كان زملائي في المدرسة ونحن في نهايات الدراسة الابتدائية وبدايات الدراسة المتوسطة يحكون لي عن أفلام "بروس لي" ومغامراته الأسبوعية المثيرة.. ولمَّا خطونا نحو المرحلة الثانوية، كانت الحكايات تزداد إثارة بما تحمله من وصف لمشاهد الإغراء!!

 

ظلَّ حُلم الساحرة المسحورة يراودني؛ السينما فن، والفن جمال، والجمال متعة للنفوس، لماذا يصرُّ تجار الفن على الربح بطريقة الولد البذيء الذي حكى لي أبي عنه مرات ومرات؟

 

كنت أحلم بيومٍ يقدم فيه صنَّاع الجمال لعشاق الجمال سينما جميلةً، ليس فيها تطلع إلى عورات الناس..

 

مات أبي وتركني في حيرتي بين قلبي الذي يعشق السينما وعقلي الذي يرفضها.

بعد وفاة أبي استجمعت عزيمتي وقررت أن ألتحق بالمعهد العالي للسينما.. انقسم الأهل تجاه قراري فريقين، شباب وشيوخ..

 

الشباب يؤيدون أن يصبح من العائلة نجمٌ يردد اسمه الملايين، ولعل وعسى يأخذ بأيدي البعض منهم.. أحلام الشهرة والمال تدفعهم لمساندتي، والشيوخ يرفضون أن يكون بين العائلة مشخصاتي.. (أراجوز).. يخدِّر الناس عن هموم حياتهم..

 

كانت أحلامي مختلفة تمامًا، لا أريد أن أصبح ثريًا ولا أراجوزًا؛ أريد أن أساهم في صناعة سينما مثل سينما عمر المختار.. الفيلم الذي كلما رأيته ازددت إيمانًا بأن السينما رسالة نبيلة..

 

تخرجت من المعهد، وحاولت أن أدخل إلى الوسط الفني بأفكاري وأحلامي الوردية، لكني وجدت الحلم الجميل هو المستحيل بعينه!!

 

قال لي أحد أساتذة الفن الجميل: طبيعة أفكارك طاردة لك بالتأكيد من مواصلة مشوارك الفني، أنا مثلاً لم أحقق طموحي إلا بتراكم التنازلات.. كل نجاح يقابله تنازل، والتنازل فشل، كنت أحقق النجاح والفشل في لحظة واحدة.. صرت اثنين في واحد، نجم ناجح أمام الجماهير، وإنسان فاشل متنازل أمام نفسي! كلما نجحت أكثر كلما كرهت نفسي أكثر..

 

اسودَّت الدنيا في وجهي فأنا الآن على الرصيف، فنان مع إيقاف التنفيذ.. عندما رأيت دعاية فيلم (بأحب السيما) دمعت عيناي.. فأنا أيضًا أحب السينما..

[StumbleUpon] [Technorati] [Twitter] [Yahoo] [del.icio.us] [Digg] [Facebook]
تعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال

السابق 1| التالي


"يلتزم الموقع بنشر جميع التعليقات ما لم تشتمل على تجريح أو سب أو قذف لأشخاص أو هيئات"