الصفحة الرئيسية

 من أخلاق النبوة

 

 

 

الهادي

بقلم الشيخ/ عبدالرحمن الساعاتي

والد الإمام الشهيد حسن البنا    

 

أنا لا أقصد أكبر محيطات الدنيا، ولا أعني أعظم كمية مياه تغمر المعمور، ولست كذلك أريد التحدث عن رابع خليفة عباسي، ولا إيضاح فتوحاته، وبيان أيام خلافته؛ ولكنني ألتمس النور من مصدره، وأبتعث النور من مشرقه، وأريد في كلمتي هذه أن أقتبس قبسًا من نور الهداية المحمدية، وإذا كان المخيط إذا أدخل البحر لا ينقص منه شيئًا أو يزيد، فكذلك حديثي عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مهما أفضت فيه، فليس يبلغ من عظمة سيد الكائنات- صلى الله عليه وسلم- شيئًا؛ ولكنني أشرف قلمي بالكتابة في سيرته المباركة، وأسعد نفسي بالتحدث عن مولده الميمون، صلوات الله وسلامه عليه.

 

ما إن مدحت محمدًا بمقالتي            لكن مدحت مقالتي بمحمد

وكيف يمكن لكاتبٍ مهما سما قلمه وعظم بيانه أن يصف لنا نور الله الذي ألقاه على رسوله- صلى الله عليه وسلم- فإذا بالنور في السموات العلا، وإذا النور في شعاب مكة وسبل المدينة وما بينهما وما تحت الثرى، وإذا النور في قصور الشام وبلاد الأعجام ومدائن كسرى؛ بل كيف يمكن لبليغ منطق أن يحدثنا عن جبريل يوحي إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما أمر الله به أن يوحى، يفصل له ما جاء به من البينات والهدى؟!

 

بل كيف يتسنى لبارع في الوصف وماهر في التصوير أن يصف لنا ما أطلع الله رسوله عليه ليلة المعراج والإسراء: ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلَى* ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى* فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى* فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى* مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى* أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى* وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى* عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى* إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى* مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى* لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (النجم: 7- 18).

 

يا قوم، إن النور قوي، فغضوا أبصاركم لئلا تغشى والليل والنهار يتعاقبان؛ ولكن ليس لهذا النور من ليل يغشى، والمؤمنون يبصرون والكافرون يحجبون: ﴿إِِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى* فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى* وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ (الليل: 4- 11).

 

فأما الذين يتأدبون عند ذكر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ويصلون عليه إذا ذكر، ويعظمونه إذا ساقوا أحاديثه الشريفة، أو أملوا سيرته المطهرة، فأولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، وأما الذين يتعالون جفوة ونبوة، ويتجافون فظاظة وغلظة، فأولئك الأخسرون أعمالاً، الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

 

أفترون حياة محمد- صلى الله عليه وسلم- أقاصيص تتلونها لعبًا ولهوًا؛ أم ظننتم سيرته المطهرة حكاية تمرون بغير وقار على هامشها، أم حسبتم أن تتركوا تخلطون الجدَّ بالهزل، وتمرون بظلام الضلال على نور الهدى.

 

كلاَّ والذي أظهر نور الإيمان على ظلام الشرك والإلحاد، وانتقم ممن بقي من القرون الأولى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ* إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ* وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ* وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَادِ* الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ* فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ* فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ* إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (الفجر: 6- 14).

 

إن الفراشة لتطوف بالنار حتى تحترق، وإن الأحمق ليلعب بالسيف حتى يقطع يده، وإن قومًا تصدوا لسيرة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولمَّا يعرفوا حقه، ويدركوا حبه لمتبرٌ ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملون.

 

لا أريد أن أغلو حتى لا يقال مدحوا رسولهم بما لم يأذن به الله؛ ولكني تالٍ عليكم قول الله تعالى في حق رسوله- صلى الله عليه وسلم- وسائق لك مثلاً من أدب السابقين الأولين.

 

بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ* إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ* إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ* وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات: 1- 5).

 

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾.. إِلَى آخِرِ الآيَةِ، جَلَسَ ثَابتُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِهِ وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَاحْتَبَسَ ثَابتُ بْنُ قَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- فَسَأَلَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ: "يَا أَبَا عَمْروٍ، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ؟ أَشْتَكَىَ؟"
قَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى.قَالَ: فَأَتَاهُ سَعْدٌ فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم. فَقَالَ ثَابِتٌ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّار فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"
(صحيح مسلم بشرح النووي).

 

وروي لما نزلت هذه الآية الشريفة فُقِد ثابت في الطريق يبكي، فمر به عاصم بن عدي فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون أنزلت في وأنا رفيع الصوت على النبي- صلى الله عليه وسلم- أخاف أن يحبط عملي وأن أكون من أهل النار، فمضى عاصم إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وغلب ثابتًا البكاء، فأتى امرأته جميلة بنت عبدالله بن أبي بن سلول فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي فشدي على الضبة بمسمار، فضربتها بمسمار، وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله أو يرضى عني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأتى عاصم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأخبره فقال: اذهب فادعه، فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فيه فلم يجده، فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفرس، فقال له: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يدعوك، فقال: اكسر الضبة. فأتيا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال له عليه الصلاة والسلام: ما يبكيك يا ثابت؟ فقال: أتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيَّ، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أما ترضى أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة؟ فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله، لا أرفع صوتي على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أبدًا.. فأنزل الله تعالى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، واستشهد ثابت يوم اليمامة في حرب مسيلمة فكان مصداق قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم..

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾.. قال أبو هريرة وابن عباس: لما أنزلت هذه الآية كان أبوبكر لا يكلم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا كأخي السرار، وقال ابن الزبير:لما نزلت هذه ما حدث عمر النبي- صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك فسمع النبي- صلى الله عليه وسلم- كلامه حتى يستفهمه مما يخفض صوته، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.

 

وهل أتاك حديث عثمان- رضي الله عنه- حينما سأل قباث بن أشيم أخا بني يعمر بن ليث: أنت أكبر أم رسول الله- صلى الله عليه وسلم؟ فقال قباث: رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أكبر مني وأنا أقدم منه في الميلاد.. وحينما طرح عليه نفس السؤال الخليفة عبدالملك بن مروان قال: رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أكبر مني وأنا أسنُّ.. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 36).

 

أما مولده الشريف- صلى الله عليه وسلم- فسل عنه النار وقد خمد اشتعالها، والأصنام وقد خرَّت على وجوهها؛ بل سل عنه كسرى وإيوانه، وقد أخذ الذهول والعجب مرازبته وأعوانه، فقد روى مخزوم بن هانئ عن أبيه- وأتت عليه خمسون ومائة سنة- قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة ورأى الموبذان إبلاً صعابًا تقود خيلاً عِرابًا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادهم، فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك فتصبر عليه تشجعًا، ثم رأى ألا يدخر ذلك عن مرازبته فجمعهم ولبس تاجه وجلس على سريره، ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده، قال: أتدرون فيم بعثت إليكم؟ قالوا: لا؛ إلا أن يخبرنا الملك، فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب خمود النيران، فازداد غمًّا إلى غمه، ثم أخبرهم بما رأى وما هاله، فقال الموبذان: وأنا- أصلح الله الملك- قد رأيت في هذه الليلة رؤيا، ثم قص عليه رؤياه في الإبل، فقال: أي شيء يكون هذا يا موبذان؟ قال حدث يكون في ناحية العرب- وكان أعلمهم من أنفسهم- فكتب عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر، أما بعد: فوجه إليَّ برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجه إليه بعبدالمسيح بن عمرو بن حيان بن نضيلة الغساني، فلما ورد عليه قال له: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه، فقال: لتخبرني أو ليسألني الملك، فإن كان عندي منه علم وإلا أخبرته بما يعلم، فأخبره بالذي وجه به إليه فيه، قال: علم ذلك عند خالٍ لي يسكن مشارق الشام يقال له سطيح، فاسأله عما سألتك عنه، ثم آتني بتفسيره، فخرج عبدالمسيح حتى انتهى إلى سطيح، وقد أشفى على الضريح، فلما أتاه قال سطيح: عبدالمسيح على جبل مشيح أتى سطيح وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان، رأى إبلاً صعابًا تقود خيلاً عرابًا، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، يا عبدالمسيح إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس فليس الشام لسطيح شامًا يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات، وكل ما هو آتٍ آت، ثم مات سطيح وهو في مكانه، فانطلق عبدالمسيح إلى راحلته وهو يقول:

 

 

شمِّر فإنك ماضِ العزمِ شمــير       لا يفزعنـك تفريـق وتغييــر

إن يمس ملك بني ساسان أفرطهم         فإن ذا الدهر أطـوار دهاريـر

فربَّما ربَّمــا أضحـوا بمنـزلة        يخاف صولهم الأسد المهاصير

منهم أخو الصرح بهرام وإخوته         والهرمزان وسابور وسابـور

والناس أولاد علات فمن علمـوا         أن قد أقل فمحقور ومهجـور

والخير والشر مقرونان في قرن         فالخير متبع والشـر محـذور

 

فلما قدم عبدالمسيح على كسرى أخبره بما قال له سطيح فقال كسرى: إلى أن يملك أربعة عشر ملكًا كانت أمور وأمور...
لقد كان مولد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يومًا أظهر الله فيه نوره، وأطلع فيه سراجه، وقذف به على الباطل، فإذا هو زاهق، وقضى به على زمن الشرك وعبادة الأصنام...

 

فيأتيها الحجارة المصورة أصنامًا، كوني ألسنة توحيد وآيات إيمان: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ (البقرة: 74).

 

ويأتيها النار، كوني شاهدًا على قدرة الله وقوته: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾ (يس: 80)، وكوني نذيرًا لأعداء الله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (غافر: 46).

 

ويا كسرى شاهنشاه ملك الملوك، انظر إلى إيوانك تزلزلت أركانه، وإلى صرحك كيف تصدع بنيانه، وإلى سواريك كيف وعدهما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سراقة بن مالك الجعشمي أعرابيًّا من بني مدلج، وإلى الملك كيف يؤتيه الله من يشاء وينزعه ممن يشاء، وإلى الأرض كيف يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

------------------

 

 وظائف النبوة

 

 

بقلم: أ/ حسن البنا

مؤسس جماعة الإخوان المسلمين

 

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا* وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (الأحزاب: 46،45).. تلك هي بعض وظائف النبوة التي أراد الله- تبارك وتعالى- أن يعلِّمَها الناس عن نبيه سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- بعد أن خاطبه بأحب الأسماء وأفضل الألقاب عنده فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾, وفي هاتين الكلمتين الشريفتين مجتمع الفضائل والكمالات وبرهان الصدق والحقيقة، وبعد أن بيَّن للناس أنه رسولُه الأمين على وحيِه لم يتقوَّل على ربِّه ولم يأتِ بشيءٍ من عندِه، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.

 

 

فالوظيفة الأولى الشهادة, فهو- صلى الله عليه وسلم- شاهدٌ لربِّه عارفٌ إيَّاه إلى أقصى حدود المعرفة التي أجازها الله لعباده، كما قال- صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه البخاري "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا", وهو شاهد بربه يثبت للناس- بالآيات الساطعة والبراهين القاطعة- صفاته ووحدانيته، ويعلمهم أحكام دينهم، ويحدد لهم الصلة بينهم وبينه.. كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ* اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ (إبراهيم:2،1).

 

 

والوظيفة الثانية التبشير بجمال الفضائل والحق، ووصف طريق السعادة وراحة البال، واطمئنان النفس للناس وفتح باب الأمل الواسع الفسيح الصادق في رعاية الله ومعونته لهم في الدنيا وثوابه ونعيمه في الآخرة، وأية راحة تطلبها النفس الإنسانية وتدخل عليها البشرى والسعادة والسرور أكثر من أن تعتقد أن لها نصيرًا في هذه الحياة الدنيا.. مثيبًا في العقبى.. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيرًا﴾ (الأحزاب: 47).

 

 

والوظيفة الثالثة الإنذار والتخويف من مهالك الرذيلة ومضارِّها، وتحذيرُ الناس من عواقبها وآثارها، وما تلك النتائج إلا شقاء الدنيا والبؤس فيها وشقاءُ الآخرة وغضب الله تعالى وأيَّةُ صورة تحذرها النفس وتخافها أفظع من أن يعيش الإنسان في الدنيا مضطَّرب البال.. قلقَ النفس، ثم يرد في الآخرة إلى عذاب أليم كما قال الله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى* لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأشْقَى* الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى* وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى* الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ (الليل: من 18:14).

 

 

والوظيفة الرابعة الدعوة إلى الله- تبارك وتعالى- وكشف النقاب عن جمال المعرفة ولذَّة الوصول إلى قدس الحقيقة وسعادة التعرف إلى الله- تبارك وتعالى- حيث الكمال الروحي والرقي النفسي واللذة التي يقول فيها بعضهم: "لو يعلم ملوك الدنيا ما نحن فيه من سعادة لقاتلونا عليها بالسيوف", ويقول الآخر:

 

أيا صاحبي قف بي مع الحق وقفة           أموت بها وجدًا وأحيا بها وجدا

   وقل لملوك الأرض تجهد جهده               فذا الملك ملك لا يباع ولا يُهدى

 

 

وإلى ذلك الإشارة بقوله تبارك وتعالى ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ* وَلاَ تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (الذاريات:51،50).
والوظيفة الخامسة الإرشاد والهداية فهو- صلى الله عليه وسلم- السراج المنير يهتدي بهديه السائرون، ويسير بنوره الحائرون، وفي التعبير بالسراج إشارة إلى أن النبي- صلى الله عليه وسلم- مصدر نور ذاتي يشعُّ على الخلق فلا يخبو أبدًا.. فأين النور من السراج؟!

 

 

وقد تضمنت هذه الآية الكريمة كل شرائط الدعوة الصادقة، فلابد أن يكون الداعي عالمًا بدعوته، ولابد أن يعتمد فيها على الترغيب والترهيب، والتبشير والإنذار، ولابد أن تكون لله خالصةً لا تشوبها شائبةٌ وللخير المحض, ولابد أن يكون فيها قدوةٌ يُهتدى بهديه، ويسير أتباعه على غراره، وقد جُمع ذلك كله للرسول- صلى الله عليه وسلم- على أكمل مثال، وفي طي هذه الآيات لطائف يصل إلى إدراكها من أزهر مصباح الهوى في قلبه، وأشرق النور من سراج النبوَّة على فؤاده.
 

------------------

 

في ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم

 

بقلم المرحوم الشيخ/ حامد عسكرية

من الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين

 

لاثنتين وأربعمائة وألف من السنين بزغ إلى هذا العالم شمس وجوده، وإكسير حياته, وتاج فخاره، ومبعث رحمته, ومظهر العدل الشامل الكامل، وحصن الأخلاق المنيع, ومنقذ الإنسانية من وحشيتها، وموقظ العقل البشري- الذي هو أفضل مخلوق على وجه الأرض- من رقدته التي طال قبل الإسلام أمدُها، وتطاير في العالمين شرَرُها؛ مما جعل العالم الروحاني يعجُّ بالتضرُّع والدعاء إلى بارئ الأرض والسماء أن يرسل في الناس قبسًا من نوره، ويبعث إلى عموم الثقلين خاتم رسله وصفوةَ خلقه، فكان مولد النبي العربي والرسول الهاشمي, سيدنا محمد بن عبدالله- صلى الله عليه وسلم- لثمانية أيام أو اثنتي عشرة يومًا خلت من شهر ربيع الأول من عام الفيل, فكان مولده رحمةً، ومبعثه هدايةً، وكانت حياته خيرًا ومماته خيرًا.

 

وُلد- صلى الله عليه وسلم- بمكة المكرمة ونبت بين النشء العربي نباتًا حسنًا, فكان بهيَّ الطلعة، طاهر الطوية، صادق القول، عذب الحديث, وكان مبغَّضًا في عبادة الأوثان، محببًا في عزلة الخلق، متلذذًا بمناجاة الربِّ جلَّ وعلا.

 

وقد أرسله الله تعالى على رأس الأربعين من عمره الشريف رسولاً إلى الناس كافَّة بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فجعل يبين للناس ما نزِّل إليهم عن الله- عز وجل- من الدستور الإلهي والقانون العُلوي ويشرح لهم بقوله وعمله ما تتسع له عقولهم، وقتئذٍ من موارده الحكيمة وتعاليمه النافعة.

 

وما زال- صلى الله عليه وسلم- يعرِض نفسه على القبائل ليُسمعهم كلام ربه ويحملهم على التعرف به، والانتفاع بما اشتمل عليه بمختلف وسائل الدعاية متحليًا بمكارم الأخلاق، متذرعًا بالحكمة والصبر، مترفعًا عن الدنايا وحب الأثَرة، مستعذبًا ضروب الأذى التي لحقته وأهله، وصنوف العذاب والإرهاق التي ما خلا منها مسلم عاقل شرح الله صدره للإسلام فآثر التوحيد، وأحب الفضيلة، وهجر أفعال الجاهلية الأولى.

 

نعم.. ما زال- صلى الله عليه وسلم- يصدع بأمر ربه، ويقيم البراهين الصادقة على صدق دعوته، ويظهر على يديه من المعجزات الخالدة الناطقة بصحة رسالته، وحسبنا منها ذلك القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. تنزيل من حكيم حميد, صدع به صرح الباطل فقوَّض أركانه، وثبت به قواعد الحق فأعلى منارته، وشيَّد بنيانه, قصَّ فيه أخبار الأولين، وأبَان فيه أحوال الآخرين, ما ترك بابًا من أبواب الخير إلا فتحه للراغبين أو دلَّهم عليه, ولا مسلَكًا من مسالك الشرِّ إلا أوصَدَه وحذَّر من الاقتراب منه واقرأوا إن شئتم قول الله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ (الأنعام:38) وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (النحل:43)، وقوله تعالى ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: 89).. إلى غير ذلك من الآيات البالغة والقواعد الثابتة الحكم.

 

فنحن اليوم إذ نحتفل بهذه الذكرى الغالية بعد هذه الأحقاب المترامية الأطراف فإنما نُحيِي بها أرواحنا ونمتِّع بها أبصارنا ونشنِّف بها آذاننا، ونعطر بها ألسنتنا ومجالسنا، ونُحيي في صاحبها المرشد الأعظم والمصلح الخطير البطولة الجريئة والشهامة النادرة والسياسة الحكيمة والقلب الرحيم، ونحيي في شخصه الكريم القدوة الحسنة والمثل الكامل والخلق الكريم والأدب الجم، وكفى أن الله تعالى أدَّبه فأحسن تأديبه، وقال تعالى في كتابه منوِّهًا بفضله ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ﴾ (آل عمران: 159).

 

وما أحسنَ هذه التزكية الربانية فرتِّلوها إن شئتم ألف مرة ومرة ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:4).

 

وكيف لا نحيي فيه- صلى الله عليه وسلم- الزهد الحقيقي والورع النفسي واحتقار عرض الدنيا بجميع مظاهر الشهوات فيها, ونظرةٌ واحدةٌ فيما عرضه عليه كفار قريش ليعدل عن دعوته لربِّه وعن سبِّ آلهتهم وقد عرضوا عليه من أشراف النساء أجملهن وأغناهن، ومن المال ما به يكون أغنى العرب على الإطلاق, ومن مظاهر الملك ما يكون به فريدًا في قومه نافذَ الحكم فيهم.. وهل لمن يعتقد أن هذه الدنيا- بما اشتملت عليه- لا تزن عند الله جناح بعوضة أن يفتتن بما عرضوه عليه، ولو زادوه إلى ألف ضعف وضعف من مثله, بَيد أنه- صلى الله عليه وسلم- خرج من الدنيا ولم يشبَع من خبز الشعير مرةً واحدةً.

 

وناهيك بربك أن تمعِن الفكر معي مليًّا في جوابه- صلى الله عليه وسلم- على عمه أبي طالب، وقد اجتمعت عليه قريش وهددوه.. إن لم يكف ابن أخيه عما هو فيه من دعوى الرسالة وإلا نازلوهما الحرب، ولا طاقة لهما بها!! وقد أفضى أبو طالب لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- بهذه الحقيقة التي يعتقدها، وطلب منه أن يكفَّ عن الدعوة.. أقول أمعن الفكر- أيها القارىء الكريم- معي مليًّا فيما أجاب به رسول الله على مقالة عمِّه الذي يحميه وليس له بعد الله ناصرٌ سواه، ترى العقيدة الراسخة والعزيمة الصارمة والفرار من الاحتماء بالمخلوق والارتماء في حمى العلي الأعلى الذي يدعو إليه وقد تكفل بعصمته ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة:67) وها هي الإجابة: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما فعلت".

 

بل لم لا نُحيي فيه منقذ الفتيات الطاهرات من وأْدهن أحياء تحت الثرى خوف الفقر أو العار, قال تعالى ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ (الإسراء:31) فبين أن الرازق هو الله تعالى بالسعي المستطاع المشروع, وحثَّ في غير آية وحديث على تثقيف الفتاة وتهذيبها علميًّا وخلقيًّا وتزويجها من صالح يقوم على رعايتها ويصون دينها وعِرضها بما حكم به الله.

 

ولم لا نحيي فيه أكبر مُصلح عرفَه التاريخ.. برجاحة عقله، وفصاحة لسانه، ودافع حجته، وصادق برهانه، ومحكَم تشريعه، وحكمته في الدعوة إلى ربه.. بَيد أنه استطاع أن يقلِّب صفحة هذا الوجود ويغيِّر وجه التاريخ في مدة لا تزيد على عشرين عامًا، إذا استثنينا مدة الوحي.

 

وها هي آثار دعوته تدل عليه، وتلك صروح العدل التي ساوى بها العربي والعجمي تناطح السماء، وها هي مبادئه السمحة والتآخي والمساواة التي جعلت حقيرًا يجاور الأمير كتفًا إلى كتف تسمو بها الأمم الأجنبية للعمل بها، ويُحرم منها أهلها وهم أحق بها، وما أعدل الله تعالى إذ جعل التفاضل بين العباد قاصرًا على التقوى.. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات:13).

 

ولهذا صار المسلمون بنعمة الله إخوانًا ودخلوا في دين الله أفواجًا أرواحًا مؤتلِفين وجنودًا مخلصين متضامنين.. فكانت العزة والنصرة والسعادة في الدارين لله ولرسوله وللمؤمنين.. إذن فلا عجب أن نرى مئات الملايين من المسلمين في أقطار الأرض يستقبلون يوم مولده الشريف فرحين مغتبطين، ويقيمون الحفلات اللائقة، ويعبِّرون في صحفهم وفي محافلهم التي ضمَّت الشعوب والحكومات عما تكنُّه صدورهم من الحب للذات المحمدية، والاعتراف بما أسداه الله تعالى لهم على يديه من الفضل، وأغدق من الخير.

 

فأنعِم بذكرى هذا الرسول النبي الأمي العربي!! ﴿يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: 157).

 

فهل لمعاشر المسلمين أن يهجروا تلك المظاهر الكاذبة، ويعرضوا عن هذا الترف الفاني، ويناجوا تلك الروح المحمدية؛ علَّها تدعو أرواح المؤمنين إلى الالتفاف حول حماية كتاب الله تعالى، والعمل لإعلاء كلمته وليس على الله بعزيز أن يُعيد لهذه الأمة مجدَها، ويستخلفَها في الأرض التي ورَّثها الله إياها، ويمكن لها دينها الذي ارتضاه لها, ويبدلها من بعد خوفها أمنًا وإيمانًا تتدارك بهما ما فات وتسعد بهما في هذه الدنيا وبعد الممات.

 

هذا ما أرجو أن ينتبه إليه المسلمون، وأن يتعاونوا مخلصين له، سائلاً الله جلَّت قدرته أن يحقق في القريب العاجل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة:33).. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.