الصفحة الرئيسية

 

 

خطب

 

ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم

أول ما خطب به النبي صلى الله عليه وسلم

 

 

 

 

ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم

 

بقلم: الإمام الشهيد/ حسن البنا

مؤسس جماعة الإخوان المسلمين

 

 

الإمام الشهيد/ حسن البنا

الحمد لله الذي أنار الوجود بطلعة أبي القاسم، جعل موسم مولده الشريف على العالم من أبرك المواسم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وصفيه، وخيرته من خلقه.. اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، أما بعد:

 

 

فيا عباد الله.. اختار الله نبيكم- صلى الله عليه وسلم- من أكرم أسرة، من أفضل قبيلة، من أشرف شعب، فهو- صلى الله عليه وسلم- خيارٌ من خيار من خيار.. لم تزل في ضمائر الكون تختار له الأمهات والآباء.. ما مضت فترة من الرسل إلا بشَّرت قومها به الأنبياء، حتى تعلَّقت إرادة الحق- تبارك وتعالى- بإظهار هذا النور الفائض من قدس الغيب إلى هذا الوجود ليرشد أهله ويهدي بنيه، ويكون رحمةً للعالمين, فزفَّت البشائر، وازيَّنت الأرض، وأشرقت السماء ووُلِد- صلى الله عليه وسلم- بين تهليل العوالم، وتكبير الملائكة، واستبشار العارفين، واستشراف المؤمنين من أكرم أبوين عبد الله بن عبد المطلب وآمنة بنت وهب في ليلة التاسع من ربيع الأنْور على الأصح، أو الثاني عشر منه على الأشهر، فكانت أعظم ليلة في تاريخ الإنسانية، وأخلد ساعة من ليالي البشرية.

 

 

وُلد- صلى الله عليه وسلم- مشرقًا بالنور، محفوفًا بالجلالة، عليه الهيبة، وله الجمال، واسترضع في بني سعد بن بكر عند حليمة السعدية، فاخضرَّ عيشها بعد المحلِّ، وأورَق ناديها بعد الجدب، وكانت منازلُها مهبطَ البركة والنماء، وإذا سخر الله أناسًا لسعيد، فإنهم سعداء.

 

 

وشبَّ- صلى الله عليه وسلم- شبابًا لم يكن يبلغه غيره من الغلمان، وكان في طفولته مثال العدالة؛ يرضع ثديًا ويترك الآخر لقسيمه، ومثال النجابة والهمة؛ يؤدي من الأعمال ما لا يقوم به غيره، ويبادر إلى ذلك مبادرة الشاعر بالتبعة، المقدر للواجب، ومثال الهدوء والفضيلة؛ لا يصخب ولا يلعن ولا يشاجر ولا يغضب.

 

 

توفِّي أبوه وهو حمل، وتوفِّيَت أمه وهو في السادسة من عمره، وتوفي جده وهو في سن الثامنة، واستأثر الله بأهله الكرام ليختص بتأديبه وتربيته وتهذيب نفسه والعناية به؛ ولذلك كان- صلى الله عليه وسلم- يقول: "أدبني ربي فأحسن تأديبي", وقد كفله أبو طالب ففاض عنده الخير، وازداد في بيته البر، ولمس من بركته- صلى الله عليه وسلم- ويُمن نقيبته ما جعلَه يذود عنه، ويقف نفسه لمناصرته، ويقسم إن ابنه لسيد، وإنه لصادق، وإن له لنبأً عظيمًا.

 

 

ولما بلغ- صلى الله عليه وسلم- أشده كان زينة فتيان قريش، وسيد شباب العرب، ومثال الفضيلة في أروع مظاهرها وأظهر مجاليها, عرف فيهم بالعقل ورجحان الحلم، والأمانة والصدق، والذكاء والفطنة، والمروءة والهمة، فلقَّبوه بالصادق الأمين، وكانت خديجة تقول له لأول نبوته: "والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق".. وأخذ يأكل من عرق جبينه وعمل يداه؛ سنة الأنبياء من قبله، فرعى الغنم على قراريط لأهل مكة، وتاجر مع عمه، وفي مال خديجة، وتزوجها- صلى الله عليه وسلم- فكانت نعم الزوج الوفية، تجود بنفسها ومالها في تأييد النبي- صلى الله عليه وسلم- ونشر دعوته وحمايته وحياطته حتى توفيت على ذلك وهي أم المؤمنين وكريمة عقائل المسلمين، والمختصة من بينهم بمنة رب العالمين، فأفضتْ إلى رَوحٍ وريحانٍ ونعيم وإحسان، ورآها المصطفى- صلى الله عليه وسلم- في الجنة في بيتٍ من قصبٍ، لا نصب فيه ولا وصب.

 

 

وحينما بلغ الأربعين من عمره اختصه الله بالرسالة العُظمى والنبوَّة الكُبرى والدعوة العامة والشريعة الخالدة الشاملة, والقرآن المبين، والدين المتين، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فلق الصبح، ورأى من عوالم الملك والملكوت ما يهيئ نفسه لوطأة الوحي، وثقل الرسالة، فكان لا يمرُّ على حجر ولا شجر ولا مدر إلا سمع منه "السلام عليك يا رسول الله"، وحبِّب إليه الخلاءُ، فتحنَّث في غار حراء؛ حيث نزل عليه المَلَك بأول آية من كتاب الله تبارك وتعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1).

 

 

قام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بدعوة ربه بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وجهَل عليه أهلُ مكة، فهاجر في سبيل الله إلى المدينة؛ حيث وجد أنصارًا كرامًا، وأقوامًا فاضلين، أيَّدوا الدين بأنفسهم وأموالهم، حتى أظهره الله بجهادهم، وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين.

 

 

تلك يا عباد الله كلمةٌ عَجلى في سيرة نبيكم، أرجو أن تكون نبراسًا لكم، وهدايةً لنفوسكم، وصقالاً لأرواحكم، فاتبعوا نبيَّكم- صلى الله عليه وسلم- وسيروا على نهجه القويم وصراطه المستقيم، تكونوا من الفائزين، واعلموا أن أفضل ما تقدمونه إليه وتعبِّرون به عن سرورِكم بمولده أن تدرسوا سيرته، وتُحيوا سنَّته، وتنصروا شريعته، فإن فعلتم ذلك فقد أرضيتم الله ورسوله، واللهُ ورسولُه أحقُّ أن ترضوه إن كنتم صادقين.

 

قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى"، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".
 

 

 

------------------

 

أول ما خطب به النبي صلى الله عليه وسلم

إعداد: عبد الله المغيني

 

إن ذكريات الإسلام تهل علينا بنفحاتها، فترسم في الآفاق أملاً تحيا به قلوب موات، وتقوى به نفوس ضعاف، وتزهو به أرواح المؤمنين.. وها قد أقبلت علينا بأريجها الفوَّاح، ونسيمها العطر، ذكرى مولد خير ولد آدم محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المعلِّم الأعظم، والرسول الأكرم، والنبي الأمي، صاحب اللسان العربي، الذي حباه ربه ورزَقَه جوامعَ الكلم والبيان والتبيان.

 

وإنه لحريٌّ بنا أن نقف عند نبعه؛ نستقي منه رِيَّ القلوب، ونرشف من معينه حياة الروح.. فلقد مدحه الحق سبحانه فقال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 3- 5)، وقال- صلوات ربي وسلامه عليه-: "أوتيت جوامع الكلم، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (مسند الإمام أحمد).

 

أول خطبة خطبها النبي- صلى الله عليه وسلم- بمكة

كانت أول خطبة له- صلى الله عليه وسلم- في مكة، حين دعا قومه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:"إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصةً وإلى الناس عامةً، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبُن بما تعملون، وإنها للجنة أبدًا أو النار أبدًا".

 

فقال أبو طالب‏:‏ ما أحب إلينا معاونتك، وإقبالنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك،‏ وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامضِ لما أمرت به‏،‏ فوالله.. لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.

 

فقال أبو لهب‏:‏ هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم.

فقال أبو طالب‏:‏ والله لنمنَّعه ما بقينا‏.. (فقه السيرة- ص 97).

 

أول خطبة خطبها بالمدينة

وفيها حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال- صلى الله عليه وسلم-:

"أما بعد: أيها الناس، فقدموا لأنفسكم.. تعلمنَّ والله ليُصعقنَّ أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه- ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه-: ألم يأتك رسولي فبلغك، وآتيتك مالاً، وأفضلت عليك، فما قدمت لنفسك؟ فينظر يمينًا وشمالاً فلا يرى شيئًا، ثم ينظر قدَّامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار- ولو بشق تمرة- فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزي الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام على رسول الله ورحمة الله وبركاته".. (البداية والنهاية: 3/261).

 

خطبته- صلى الله عليه وسلم- في أول جمعة جمعها بالمدينة

الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوٍّ من الساعة، وقرب من الأجل، من يطِع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالاً بعيدًا، وأوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلمُ المسلمَ أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرى، وإنه تقوى لمن عمل به على وجل ومخافة وعون صدق ما تبتغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمر السر والعلانية- لا ينوي بذلك إلا وجه الله- يكن له ذكرًا في عاجل أمره، وذخرًا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدًا بعيدًا، ويحذركم الله نفسه، والله رءوف بالعباد، والذي صدق قوله، وأنجز وعده، لا خلف لذلك؛ فإنه يقول تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (ق: 29).

 

واتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا، ومن يتق الله فقد فاز فوزًا عظيمًا، وإن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه، وإن تقوى الله تبيِّض الوجه وترضي الرب وترفع الدرجة، خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله؛ ليعلم الذين صدقوا، وليعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حيَّ عن بينة، ولا قوة إلا بالله، فأكثِروا ذكر الله، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله، يكفِه ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. (البداية والنهاية: 3/261).



------------------