مواقف الإخوان بين المرونة والتطويع

مواقف الإخوان بين المرونة والتطويع

كتب  د. محمد عبد الرحمن المرسى


فى كتابه (مفاهيم أساسية ) تحت عنوان:


(مفهوم المرونة ومنزلق التطويع)


•    إن مفهوم المرونة يكون فى التعامل مع الواقع وليس فى المبادئ والمفاهيم الأساسية، فالجماعة تقابل أى مرونة موجودة فى الواقع المحيط بها بمرونة مثلها، وهى لا تحاول الصدام مع الواقع السياسى، لكن تحاول التكيف معه والاستفادة منه، دون أن تقدم تنازلات فى مبادئها الأساسية.


•    لكن عندما يصبح الواقع حولها مغلقاً بالكامل، وتتعرض للتضييق والحصار الشديد، فإن الجماعة لا تركز على تقديم المرونة لأنها  لن تجد استجابة، وبالتالى لا يكون لتلك المرونة وظيفة، ولهذا تتجه الجماعة إلى عملية تأكيد ثوابتها ومنهجها، وتحدد الحدود الفاصلة بينها وبين المشاريع الأخرى، وبهذا تصبح مرحلة الحصار هى مرحلة التأكيد على الثوابت، ومهما طال أو قصر الحصار، فإن التمسك بالأهداف وعدم اهتزازها وتقوية البناء الداخلى يشكل حالة نجاح واضحة.


•    وعندما تأتى مرحلة الانفتاح بدرجاته المختلفة سواء بعوامل مباشرة أو غير مباشرة من الجماعة، أو من فعل الآخرين وتطور الأحداث، فإنها من المرونة والقدرة على استيعاب الواقع المتغير لتحقيق إنجاز التكيف مع الواقع ما دام به مساحة لقبول الحركة الإسلامية، وبالتالى فإن أسلوب الخطاب الصادر يتغير واتخاذ خطوات فى الحركة والمواقف تتناسب مع الواقع الجديد دون الخروج على المبادىء والأهداف أو إضعاف للصبغة والرسالة.


•    وهذا التناوب والتغير الدورى من التضييق والحصار إلى الانفتاح والهدوء وتكراره ليس شيئاً جديداً فى مسيرة الجماعة ولا تنزعج له، وإنما تحسن التعامل معه، ولا يؤثر على رؤيتها أو يحبط عزيمتها أو تتعلق بآمال وواقع متغير قد تفاجأ بعدم استمراره.


•    هناك فرق بين المرونة فى المواقف وردود الأفعال، وبين الخضوع لأسلوب التطويع والاحتواء، والذى يبدأ بتطويع الخطاب الدعوى تحت حجج ومبررات شتى منها التعلق بأوهام المكاسب الزائلة أو الاهتزاز من تهديد أو ضغط ما.


•    وهذه البداية لا تقف عند هذا الحد، بل تنزلق تدريجياً بنفس الحجج الواهية نحو تطويع المواقف والأعمال لتصل فى النهاية إلى تطويع المبادئ والأفكار.


•    وتشير الآيات القرآنية إلى جانب من هذا الأمر، عندما تنفيه عن المجاهدين الربانيين أتباع الأنبياء : وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ
[ آل عمران : 146]


فهى تنفى عنهم هذه المراحل المتدرجة التى تؤدى فى النهاية إلى الهزيمة، فالوهن يكون أولاً فى القلب، ثم يمتد ويظهر أثره فى الأعمال والجوارح ليحل بها الضعف والتباطؤ والتخاذل، ثم ينتهى الأمر إلى الاستكانة والاستسلام والتخلى عن المبادئ والأهداف.


•    وحول دعوى البعض أن المرونة تقتضى تغيير الأهداف،مادام المحيط الخارجى أو العوامل المؤثرة متغيرة، وبالتالى يجب مراجعة الرسالة وتعديلها بما يتلاءم مع الواقع،فإننانردعلى هذه الرؤية التى قد تصلح لحزب سياسى محدود أو دعوة أرضية: أن دعوة الإخوان دعوة إسلامية ربانية، وتحمل مشروعاً إسلامياً على منهاج رسول الله  وهو مشروع مستقل وليس رد فعل لأى مشروع أخر.


•    وليس لها أو لأى كائن أن يغير فى ثوابت ومبادئ وأهداف دعوة الإسلام وهدى القرآن، وإنما التطوير فى الوسائل والإجراءات، وبالتالى فإننا على مدار السنين نرى نفس الأهداف العملية من تربية الصف الربانى القدوة الملتف حول قيادته المتمثل فيه الصفات الإسلامية التربوية فى أعلى درجاتها، وكذلك فى حمله رسالة الإسلام للمجتمع وإرشاده وتربيته وإنهاض الأمة الإسلامية لتؤدى دورها ورسالتها فى إعلاء كلمة الله.


ولأن الجماعة صاحبة رسالة، تتعلق بها الأمة، فقد تأتى أحداث ومواقف أساسية تتطلب إعلان رأى الجماعة المستند لرأى الإسلام.


وقد يكلفها هذا الكثير من التضحيات أو يتسبب فى التضييق عليها.


وإذا جاز لغير الجماعة أن يسكت أو يخضع مكرهاً مضطراً، فإن ذلك لا يجوز للجماعة التى تحمل لواء الدعوة وتقود الجماهير بل تعلن رأى الإسلام وموقفها فى وضوح وحسم وفق الآداب والضوابط الإسلامية.


لقد طُلب من الإخوان أن تسكت على اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع العدو الصهيونى مقابل السماح لهم بالحركة، فرفض الإخوان ذلك، وأعلنوا موقفهم الرافض لها على أساسٍ شرعى، ونزلوا للجماهير لتوعيتها وتبيان مخاطرها ونالهم من ذلك أذيً كثيراً من اعتقال وتضييق ومطاردة حتى يومنا هذا ونتذكر فى هذا موقف الإمام أحمد بن حنبل فى مواجهة بدعة "خلق القرآن" حيث أنه كان عالماً يتبعه العامة وجمهور الناس.


•    كذلك فإن عوامل النجاح والفشل لمشروع الجماعة وفق الرؤية الإسلامية، يمتلكها الصف وتنبع من داخله، وأما المتغيرات الخارجية والضغوط والضربات مهما اشتدت فهى مجرد معوقات تؤثرعل ىسرعة الإنجاز أوترفع حجم التضحيات.


•    يقول فى ذلك القرآن الكريم: "لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ" [آلعمران:111]،  "وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ"[ الأنفال:64] ، وبالتالى فإن المخططات التى تواجهها الجماعة، وتصاعد المشروعات المعادية لها ولدعوتها، تواجه ذلك كله بالتمسك بعوامل النصر والثبات وتماسك وتقوية الصف والبناء التربوىالإيمانى والاستمرار فى حمل الدعوة وترسيخ أركان البيعة، واللجوء لله عز وجل أولاً وآخراً، فهذا هو طريق النصر ومعيار النجاح فىالتصدى لكل الضغوط والأزمات، ولا يعنى هذا ترك التدبير أو عدم استفراغ الجهد البشرى، فهذا واجب أساسى، لكن العامل الحاسم هو ما أشرنا إليه.


من كتاب "مفاهيم أساسية"
د محمد عبدالرحمن المرسى

 

التعليقات