أيها الأحباب.. الإمام البنا داعية ترك بصمة على التاريخ

أيها الأحباب.. الإمام البنا داعية ترك بصمة على التاريخ

ليست هذه الكلمات ردًّا على أحد فلا يوجد ما يستحق الردُّ، لكنها تذكير بتاريخ الدعوة إلى الله في القرن الرابع عشر الهجري والذكرى تنفع المؤمنين، وليس بين الله وأحد من خلقه نسب، لكنه العمل والعمل الصالح وحده..

 

أين نحن من هذه الدعوة؟

في حياتنا مع أولادنا.. وبيوتنا.. وجيراننا.. وكل من تعرف في العمل وفي الحياة، والرجل الصالح لا بد أن يترك أثرًا صالحًا مع كل من تعامل معه، والله عزَّ وجلَّ يأمر نبيه المختار صلى الله عليه وسلم بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (١١٣)﴾ (هود).

 

لا بد من وقفة صادقة مع النفس، نعرف منها أين نحن من رسالة الإسلام، ومن الدستور القرآني الخالد، ومن نبي الإسلام، الرحمة المهداة والسراج المنير صلى الله عليه وسلم؟ أين ورد المحاسبة؟ "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم" ﴿كَفيٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ (الإسراء).

 

ولسنا في هذا بأفضل من سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه، فقد كان يحاسب نفسه كل يوم، ماذا فعل في هذا اليوم من خير؟ وماذا قدَّم من أعمال طيبة؟ فإن كان الجواب نعم حمد الله ونام، وإن كان غير ذلك استغفر وندم، وربما ضرب نفسه!.

 

أين نحن من قيام الليل؟ فقد اعتدنا عليه بفضل الله طوال شهر رمضان.. أفلا نداوم على هذا الخير؟ ونذكر من كانوا قبلنا، فقد وصفهم الحق تبارك وتعالى بقوله ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿١٧﴾ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿١٨﴾ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ (الذاريات)، ووصفهم سبحانه بقوله ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ (الفرقان).

 

دخلت أم عمر بن عبد العزَّيز عليه يومًا فوجدته يبكي، فقالت له: ما يبكيك يا عمر؟ هل بك من شيء؟ فقال لها: لا.. غير أني تذكَّرت الآخرة فبكيت، وكان رضي الله عنه يسجد على التراب تواضعًا لله عزَّ وجلَّ، هل نُرزق نحن مثل هذا الإيمان الذي يحرِّك المشاعر ويوقظ القلوب، ويحيي النفوس؟ هذا يحتاج إلى إيمان عميق، وفهم دقيق، ومداومة على العبادة والتلاوة والخشوع، وقد حدَّد الحق تبارك وتعالى أن المؤمنين بحق هم من وصفهم بقوله عزَّ وجلََّ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ۚ أُولَـٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ (الحجرات).

 

وقوله عزَّ وجلَّ ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣) أُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ (الأنفال).

 

أين نحن من ذلك كله حتى نستطيع أن نحمل دعوة، وأن نبلِّغ رسالةًً بالوسائل التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم؟، فرض في رقابنا وديْنٌ في ذمتنا نُسأل عنه يوم القيامة، وهو ديْن في رقاب المسلمين جميعًا، أنزل الله لنا كتابًا وبعث لنا رسولاً.. ماذا فعلنا بكتابه؟ وهل اقتدينا بنبيه؟ وهل آمنا بهذا الحق وصدَّقنا به؟ وسمَونَا بأنفسنا فوق الصغائر، وأكثرنا من عمل الحسنات واجتناب السيئات؟.

 

وهل وضعنا الدنيا- بما عليها- في دائرتها ونظرنا بحق إلى دار الخلود فتعلَّقت بها الأبصار والبصائر والقلوب؟ وهل استطعنا أن نجسِّد كل ما أعطانا الله من رزق، وما أسبغ علينا من نعم في طلب الآخرة؟، قال تعالى ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّـهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّـهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ (القصص).

 

اللهم اجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، أولئك هم أولو الألباب.

 

نبذة تاريخية:

لا بد لنا قبل الدخول إلى الموضوع من معرفة بالأوضاع التي ظهر فيها الإمام البنا؛ كيف بدأ من الصفر؟.. إن التاريخ يقول لنا إن أعداء الإسلام في الشرق وهم التتار وأوروبا في الغرب لم يتمكن هؤلاء- بالرغم من الأهوال التي ارتكبوها في حق المسلمين، والمجازر التي تقشعر لهولها الأبدان، طوفان من هنا وهناك يدق بلاد المسلمين سواء في دار الخلافة من المغول، وحول بيت المقدس من الصليبيين- من ابتلاع بلاد المسلمين، وكل محاولاتهم وإجرامهم في حق الإنسانية باءت بالفشل، ورُدُّوا على أعقابهم خائبين، وبقيت راية الإسلام مرفوعةً والقرآن يُحتكم إليه، والمسلمون لا يرون له بديلاً.

 

وكتب الله لهذه الأمة الخلود والنصر في جميع معاركها؛ لأن الله عزَّ وجلَّ أراد ذلك، لكن العدو الماكر الخبيث غيَّر خطته، وبدأت قوافل التبشير تعمل للتشكيك في هذه الرسالة، والتهوين من أمر عقيدة التوحيد، ثم كان التآمر على دولة الخلافة من الصهيونية التي نسيت أن اليهود طوال حياتهم يعيشون في بلاد المسلمين آمنين، حقوقهم محفوظة، فالإسلام لا يعرف التفرقة، لكنه يعدل بين المواطنين جميعًا ما داموا يحافظون على كيان الأمة التي يعيشون فيها.

 

وفي هذا الجو الذي سقطت فيه الخلافة، ووصل الخط البياني إلى الصفر، بدأت حركات الإصلاح، ودعوات العودة إلى المنبع الصافي، ظهرت حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بلاد الحجاز، والسنوسية في ليبيا، والمهدية في السودان، وكلها حركات إسلامية صحيحة تنادي بالإسلام كدين ودولة وجهاد في سبيل الله؛ لاستخلاص الأمة من أيدي هؤلاء الشياطين الذين تسلَّطوا عليها.

 

ثم تبلور العمل الصحيح للإسلام كدين وحضارة، وقانون ونظام وجهاد؛ لإحقاق الحق وإبطال الباطل، جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها" رواه أبو داود، فكان الإمام البنا بحق هو المجدد وهو الداعية وهو المربي وهو الإمام، يقول رحمه الله: لقد آمنَّا إيمانًا لا جدال فيه، ولا شك معه، واعتقدنا عقيدةً أثبت من الرواسي، وأعمق من خفايا الضمائر، بأن ليس هناك إلا فكرة واحدة هي التي تنقذ الدنيا المعذبة، وترشد الإنسانية الحائرة، وتُهدي إلى سواء السبيل، وهي التي تستحق أن يُضحَى في سبيل إعلانها والتبشير بها، وحمل الناس عليها سواء بالأرواح والأموال، وكل رخيص وغالٍ، هذه الفكرة هي (الإسلام الحنيف) الذي لا عوج فيه ولا ضلال لمن اتبعه ﴿شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعزَّيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران) ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: من الآية3).

 

ففكرتنا لهذا إسلامية بحتة؛ على الإسلام ترتكز، ومنه تستمد، وله تجاهد، وفي سبيل إعلاء كلمته تعمل، لا تعدل بالإسلام نظامًا، ولا ترضى سواه إمامًا، ولا تطيع لغيره أحكامًا.

 

يقول الرئيس محمد نجيب رحمه الله عن الإمام البنا، وقد وقف على قبره في الإمام الشافعي "من الناس من يعيش لنفسه لا يفكر إلا فيها ولا يعمل إلا لها، فإذا مات لم يشعر به أحد ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ (٢٩)﴾ (الدخان)، ومن الناس من يعيش لأمته واهبًا لها حياته، وحاصرًا في نصرتها وعزَّتها كل آماله، مضحيًا في سبيلها بكل ما يملك، وهؤلاء إذا ماتوا خلت منهم العيون، وامتلأت بذكراهم القلوب، وإمامنا من هؤلاء؛ إنه معلم الجيل، وإمام العصر، ومجدد الدعوة في العصر الحديث، وإليه ترجع النهضة الإسلامية على مستوى العالم في القرن الرابع عشر الهجري، لقد انتشرت الدعوة على أيدي تلاميذه في كل أنحاء الدنيا، وكلها حلقات متصلة تنظِّمها سلسلة واحدة هي الإسلام".

 

لقد كان الإمام الشهيد صاحب عقيدة أخذت بزمام نفسه، وملكت عليه منافذ حسِّه، فعاش من أجلها أشق عيشة وأقساها، ومات في سبيلها أشرف ميتةً وأسماها، وكان يؤمن بأن الدين الإسلامي هو الكفيل بإيجاد الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم والحكومة المسلمة.

 

إن المبدأ الذي دعا إليه هو الإيمان اليقظ في نفوس المسلمين لا الإيمان المخدِّر النائم، وهو الإسلام بمعناه الشامل الذي ينظِّم شئون الحياة جميعًا، ويفتي في كل شأن منها، ويضع لها نظامًا محكمًا دقيقًا لا يقف مكتوفًا أمام المشكلات الحيوية، والنظم التي لا بد منها لإصلاح الناس، مستمدين ذلك من كتاب الله؛ فهو أساس الإسلام ودعامته وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

إن الإمام البنا- رحمه الله- يوجِّه في هذا الصدد كلمةً صريحةً قويةً، توقظ النائم، وتحرِّك القلوب، فيقول "إن أبيتم إلا التذبذب والاضطراب، والتردد بين الدعوات الحائرة، والمناهج الفاشلة، فإن كتيبة الله ستسير غير عابئة بقلة ولا بكثرة ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّـهِ﴾ (آل عمران: من الآية 126).

 

أما أسلوبه في العمل:

فقد سُئل رضي الله عنه: لماذا لم تؤلف كتبًا تضمنها هذه الأفكار السامية، والآراء السديدة التي تدعو إليها؟ فأجاب على الفور: ما أريد أن أؤلف كتبًا، بل أريد أن أؤلف رجالاً.

 

لقد أيقن- رحمه الله- بأن قيام الأمة الإسلامية لا يكون بالخطب والكلمات والكتب فحسب، بل لا بد من طبع النفوس على الفكرة الإسلامية، وتربية جيل على أخلاق الإيمان والبذل والفداء.

 

ولذلك وضع النظام التربوي الذي يربط المؤمنين بهذا الحق برباط أقوى من المادة، وأبقى من كل الأواصر، ويقوم على المعايشة عن قرب لتصحيح الخطأ، وعلاج النفوس والقلوب من الموجِّه لمن يربيه ويعلمه.

 

إن الإمام البنا وهو يضع هذه الأُسس الدقيقة للتربية، فقد اختار أولاً التأسيس: أي إعادة بناء الأمة من جديد ومن الأساس، وقد واجه الأمور بعد سقوط الخلافة، وتعطيل المنهج وتفريق الأمة، وهو شيء أكبر من الوعظ والإرشاد والتربية الإسلامية التي تصنع الفرد وتردَّه إلى الله عزَّ وجلَّ، لقد أصبح التجديد هنا هو إعادة البناء والتأسيس.

 

ثانيًا: الشمول: لقد استطاع أعداء الإسلام أن يجزِّئوا المنهج، فحاولوا إبطال الجهاد في سبيل الله، وأبعدوا السياسة عن الإسلام، كما جزَّءوا الشخصية الإسلامية، فقالوا هذا رجل دين لا يعرف في السياسة ولا علاقة له بها، وهذا رجل سياسة لا دخل له في الدين، وهذا دبلوماسي لا دخل له في الأمرين، المهم أن الإمام البنا- رضي الله عنه- أعاد ترتيب المنهج، وأعاد ترتيب الشخصية الإسلامية بما يتواءم ومنهاج الإسلام الشامل.

 

فالإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا، ولقد نبَّه القرآن الكريم إلى الإيمان الكامل بنظام الإسلام فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: من الآية85).

 

وبهذا الفهم تتجدد صلاحية هذا الدين لكل زمان ومكان وللمتعلم وغير المتعلم، للبدوي والحضري، وساكن المدينة وساكن القرى، وهكذا يجب أن يكون هدًى ورحمةً لكل من خلق المولى تبارك وتعالى من بني آدم.

 

ثالثًا: السلفية: وهي العودة إلى الله عزَّ وجلَّ بهذا الحق، وإلى حياة الذين طبَّقوه وأفلحوا في تطبيقه بتوازن في الحديث الصحيح "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضُّو عليها بالنواجز".

 

والمراد الحقيقي للسلفية عند المؤمنين استمداد الإسلام من أصوله دون تعصُّب، يقول الإمام البنا: "وتستطيع أن تقول ولا حرج عليك أن الإخوان المسلمين دعوة سلفية؛ لأنهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم".

 

كان الإمام على دراية بالحال الذي وصل إليها المسلمون والظروف التي يعيشونها، وبالمحاولات التي لا تكف عن إبعادهم عن دينهم ومصدر قوتهم.

 

ويضيف الإمام قوله: "إن رواسب القرون الماضية، ونتائج الحوادث الحالية لا يمكن أن تزول بأمنية تختلج في الصدور، أو كلمة تكتب في الصحف، أو خطب تُلقى على الجماهير، بل لا بد من طول الأناة ودوام المثابرة، وعظيم المصابرة، والدأب على العمل".

 

وهذا الفهم هو امتداد للحديث الصحيح "ليس الإيمان بالتمنِّي ولا بالتحلِّي، ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل، وإن قومًا غرَّتهم الأماني، وخرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم قالوا: نحسن الظن بالله، وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل" (مسند الفردوس).

 

خطر الفرقة:

كما ربَّى الإمام الإخوان على وحدة القلوب وتعانق الأرواح، وكان يقول: إن أكبر أمراض المسلمين الفرقة والخلاف، وأن أنجح دواء لهم (الوحدة الإسلامية)، واختار للجماعة أحب الأسماء إليه، وكان يقول: (إني أمقت الخلاف في جميع صوره وألوانه، فلا خير فيه أبدًا) فالأخوَّة أخت الإيمان، والتفرُّق أخو الكفر، وكان يقول: "لئن نجتمع على قليل من الخطأ خير من أن نفترق على كثير من الصواب"، وكان يقول: "إن الناس إذا رأوا رجلاً واحدًا انحرف عن الصف لا يقولون رجلاً انحرف بل يقولون (صفًّا أعوج)".

 

وهذا تطبيق لقوله تعالى؛ حيث يأمر المؤمنين، فيعلن في حزم وقوة ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ (آل عمران)، وينهانا في حزم وصراحة عن التفر ُّق، وينبِّهنا إلى النهاية المحزنة للذين يتفرقون شيعًا وأحزابًا وطوائف، فيقول جلَّ شأنه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّـهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ (آل عمران).

 

أين الذين يتفرقون ويصرون على التفرق؟ ويركبون رءوسهم، ويجرون وراء أهوائهم، هل قرءوا هذا الوحي العظيم؟ وهل تدبروه، وهل عقلوه وعادوا إلى ربهم؟.

 

أيها الأحباب.. هذه دعوتكم، ودعوة كل مسلم على ظهر الأرض، جاء بها سيد البشر، وحملها من بعده الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، إن من ملامح هذه الدعوة الأساسية كما تعلمنا من الإمام هي: البناء النافع بغير حدود، النافع للأفراد، والمفيد للأمة كلها، والذي يحفظ عليها كيانها وتَقَدُمها وحضارتها.

 

ففي الإسلام طريق الدنيا هو طريق الآخرة بلا اختلاف ولا افتراق، فليس هناك طريق للآخرة اسمه العبادة وطريق للدنيا اسمه العمل، وليس هناك رجال دين ورجال دنيا، وإنما هو طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة.

 

إن العمل الجاد النافع النابع من عقيدة سليمة وإيمان عميق هو استمرار العمل والجهاد والسعي والتعلُّم والتعليم مستمرًا إلى آخر لحظة من لحظات العمر.

 

شُوهد أحد الصحابة وقد تقدَّم به العمر مع المجاهدين في ميدان الجهاد، فقالوا له: ماذا تصنع وأنت قد أدَّيت ما عليك؟ فقال: أكثِّر عدد المسلمين أمام الأعداء، وأدواي الجرحى.

 

إن توكيد قيمة العمل والحض عليه، فكرة واضحة شديدة الوضوح في مفهوم الإسلام، روي في المنتخب بإسناد حسن عن أنس يقول صلى الله عليه وسلم "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها فله بذلك أجر".

 

مقتضى هذا الحديث: كل مسلم ومسلمة يجب عليهما ألا يفرطا في أي لحظة من حياتهما في العمل المستمر الجاد، وقد شُوهد أحد الصحابة يغرس شجرة، فقالوا له: قد تقدَّم بك العمر، وهذه الشجرة ثمارها تتأخر، فنظر إليهم وقال: غرس من قبلنا فأكلنا، ونحن نغرس إلى مَن بعدنا.

 

أرأيت إلى هذه النظرة تقول: إن ديننا هو دين النفع العام، والعطاء الدائم المستمر، والأفق المضيء الذي ينظر حتى إلى الأجيال التي لم تأت بعد.

 

والدعاة إلى الله في كل جيل هم أحوج الناس إلى هذا الدرس الغالي العظيم، هم أحوج الناس أن يأخذوا من نبيهم صلى الله عليه وسلم هذا التوجيه، فيعملون لدينهم ولدنياهم ولآخرتهم ويُعلمون غيرهم، ويكونون قدوة صالحة، وهنا يُطرد اليأس من النفوس، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا بالرجاء والأمل الواسع.

 

والدعاة هم أحق الناس بالتدبر العميق في سيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم، لقد كان يغرس ويربِّي في دار الأرقم، ويُبايَع عند العقبة ويطوف في مواسم الحج يعرض نفسه على القبائل، فيكون الرد ردًّا منكرًا فيه استهزاء، وفيه غلظة الجاهلية، فما يزيده ذلك إلا إصرارًا على ما يقول، كان يفعل كل ذلك وهو لا يدري، فقد تأتمر به قريش، وقد يموت هو وأصحابه في شِعب أبي طالب، ومع ذلك فهو صلى الله عليه وسلم يؤدِّي واجبه على أكمل وجه، ويترك الباقي لله عزَّ وجلَّ.

 

إن صاحب الدعوة يجب عليه شرعًا أن يبلِّغها إلى الناس بالكلمة الطيبة وبالموعظة الحسنة، ولا يسأل نفسه: كيف يُستجاب لها ومن حولها الأعاصير والدعايات الباطلة والتشويه المتعمد والشر من كل جانب؟ لا يسأل نفسه، بل لا يفكر فيه، فليس ذلك من شأنه إنما هو من شأن صاحب الأمر، فليدع ذلك لله صاحب الدعوة، بيده الأرواح وفي قبضته السماوات والأرض، والمهم أن يكون على بصيرة مما يدعو إليه، وعلى فقه بما يقول، وصدق الله العظيم ﴿قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّـهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّـهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ (يوسف).

 

نفعنا الله بما نسمع وبما نقول وغفر لنا ذنوبنا، وتقبل منَّا أعمالنا، إنه سميع مجيب.. اللهم آمين.

---------

* من علماء الأزهر الشريف

التعليقات