المرشد العام: رسالتي إلى الشباب عامة.. وإلى الطلاب خاصة

المرشد العام: رسالتي إلى الشباب عامة.. وإلى الطلاب خاصة

بقلم: أ. د/ محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وقائدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه وسلم وبعد..

 

أبنائي وأحبابي الشباب..

اعلموا أنكم أمل الأمم وسواعدها الفتية، وعقولها المنيرة، ومستقبلها الزاهر، وأملها الزاهي، وقوتها المذخورة، وأهم عوامل نهضتها وتقدمها ورقيها، هذا هو قدْركم وقدَركم، وتلك هي مسئوليتكم وأمانتكم أمام الله ثم أمام أمتكم وأنفسكم، فأنتم عُدَّةُ المستقبل، ومعقدُ الأمل في النهوضِ بأمتكم.

 

ونحن حين نقول هذا لا نجاملكم أو نحابيكم، بل نقرر واقعًا، ونعترف بحقيقة، ونعمل بوصية حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم: "استوصوا بالشباب خيرًا فإنهم أرق أفئدة"، ومن هنا وجب عليكم عدة واجبات تجاه جميع الدوائر المحيطة بكم والمتماسة معكم:

 

واجبكم تجاه أنفسكم:

فأنتم في أخصب فترات حياتكم وفي منتهى قوتكم ووجب عليكم أن تراعوا هذه القوة وأن تؤدوا حقها، وأعني بالقوة كل أنواع وعناصر القوة، مادية ومعنوية ونفسية وجسدية.. إلخ؛ فأنتم في فترة قوة بين ضعفين (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً) (الروم: من الآية 54) وستسألون يوم القيامة عن هذه الفترة؛ مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع.." ورغم أن الشباب فترة من العمر فإن الرسول صلى الله عليه وسلم خصه بسؤال خاص عن هذه الفترة لأهميتها في العمر كله "عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه".

 

ويلفت الحديث الشريف النظر إلى أن الشباب كالثوب نلبسه فترة ثم يبلى فنستغل فرصته أفضل استغلال؛ حيث إنه نعمة كبرى وهو من نعمتين مغبون فيهما كثير من الناس "الصحة والفراغ".

 

فلترتقوا بأنفسكم إيمانيًّا وروحيًّا وتعبديًّا وعلميًّا وثقافيًّا ورياضيًّا، وفي شتى المجالات لتكونوا نافعين لدينكم ووطنكم وأمتكم ولأنفسكم، فبقدر عظم وضخامة مسئوليتكم يكون استعدادكم للبذل والنهوض بتبعات هذه المسئولية، فكلما سمى الهدف سمى الجهد المبذول لتحقيقه وعظم الأجر بإذن الله.

 

ولتحسنوا علاقتكم بربكم في السر والعلن، ولا تفعلوا ما يغضبه منكم، ولتطلبوا منه العون والمدد، فهو نعم المولى ونعم النصير.

 

أبنائي وبناتي الأحبة:

لا تستصغروا أنفسكم ولا جهدكم ولا طاقتكم، فهذا ليس من الورع في شيء فأنهار الدنيا من قطرات المطر إذا تم تجميعها في مجرى واحد، وفي ذات الوقت، إياكم والغرور والكبر لأن مثقال الذرة من الكبر يحرم من دخول الجنة، فلتثقوا بأنفسكم وطاقاتكم وقدراتكم ولتتعلموا ممن سبقوكم فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.

 

وحققوا في أنفسكم الصفات العشر للفرد المسلم التي وضعها الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله، واجعلوا منها منهجًا عمليًّا لكم ما استطعتم  إلى ذلك سبيلاً، وهي: "قوي الجسم، متين الخُلُق، مثقف الفكر، قادر على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، مجاهد لنفسه، حريص على وقته، منظما في شئونه ، نافعا لغيره"، ففيها تكوين للشخصية المتكاملة التي تستطيع تحمل تبعات الطريق والتي عليها تبنى الأمم وتتقدم وتزدهر.

 

احرصوا أن تعطوا من أنفسكم القدوة الصالحة لمن حولكم ملتزمين وغير ملتزمين بل مسلمين وغير مسلمين، كما أوصيكم بالإحسان في كل المجالات، في التفوق الدراسي والأخلاقي والسلوكي، وبر الوالدين والدعوة إلى الله وخدمة الآخرين؛ طاعة لله وحبًّا لأوطانكم وأهليكم وذويكم ومواطنيكم.

 

ولتحرصوا على الإبداع والاختراع ولتطلقوا طاقاتكم الكامنة ولتوظفوها لخدمة أوطانكم لتباهي بكم العالم كله، وليكن منكم المتخصصون البارعون في كل المجالات وشتى التخصصات، وهذا لن يتحقق إلا بالعلم والعمل والصبر والمثابرة.

 

وإياكم وأمراض النفوس وأهواءها، واعلموا أن من قدر على نفسه فهو على غيرها أقدر، فأخلصوا التوجه لله وأطيعوه وأحسنوا العمل وابذلوا جهودكم ثم وحدوها، ترضوا ربكم وتتقدم أمتكم وتحققوا أهدافكم.

 

احرصوا على مصاحبة الأخيار ومن يعينكم على طاعة الله والتقدم في كلِّ المجالات الإيمانية والعلمية والعملية، واعلموا أن خير الأصحاب من إذا ذكرت الله أعانك وإذا نسيت ذكرك.

 

أبنائي وبناتي الأحبة:

لا تستقلوا أنفسكم وأعماركم فكم من شباب غيروا وجه التاريخ، وفي السيرة والتاريخ قديمًا وحديثًا ما يؤكد ذلك، فكونوا من هذا الصنف الذي تكتب سيرته بأحرف من نور وبمداد من ذهب.

 

فمسئوليتكم عظيمة وبخاصة بعد الثورات العربية العظيمة وما كان للشباب فيها من دور رائع في إنجاحها متعاونين مع جميع أطياف شعوبكم وقواكم الحية، ولتعلموا أن الثورات لم تنتهِ بعد حتى تحقق أهدافها كاملة، وهو ما يستوجب علينا جميعًا بذل المزيد والمزيد من الجهد والعطاء؛ حتى تنضج الثمرة وتكتمل الثورة لرفعة بلادنا ونهضتها.

 

واجبكم تجاه والديكم:

الله الله في والديكم فهم طريقكم إلى الجنة؛ فبروهم واحرصوا على طاعتهم والتقرب إليهم والسعي في قضاء حوائجهم والتذلل لهم، وإياكم وإغضابهم أو عصيانهم في طاعة أو معروف: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (الإسراء: من الآية 23).

 

قال بعض العلماء في تفسيرهم لقوله تعالى: (فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) أي اللين اللطيف المشتمل على العطف والاستمالة وموافقة مرادهما وميلهما ومطلوبهما ما أمكن لا سيما عند الكبر.

 

كما أسوق لكم جوامع الكلم في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "رضى الرب في رضى الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد"، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه"، قيل: من يا رسول الله؟ قال: "من أدرك أبويه عنده الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة". واعلموا أن أجدادكم هم جذر الشجرة وآباءكم وأمهاتكم هم الساق، وأنتم الأوراق والأزهار والثمار ولولاهم لما كنتم.

 

واجبكم تجاه أوطانكم:

إن أوطانكم في حاجة شديد إلى جميع الجهود المخلصة لكي تنهض، وخاصة بعد ما تعرضت له من نهب وظلم وإفساد متعمد للشخصية وللمقدرات والثروات الوطنية.. فلتتعاونوا مع كل الاتجاهات والتجمعات والائتلافات البناءة والهادفة إلى رفعة أوطانكم، فمساحة المشترك بيننا جميعًا كبيرة جدًّا وتسمح لنا بالتعاون لما فيه خير أوطاننا ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.

 

ولتحددوا أهدافكم بوضوح ودقة حتى لا تتشتت جهودكم ولا تخلطوا بين الهدف والوسيلة، فتعظموا الصغير وتصغروا الكبير وادرسوا فقه الأولويات والتدرج في الخطوات، ففي وضوح الهدف في أذهانكم إنارة للطريق واختصارٌ للجهد والمشقة وتحقيق سريع للمستهدفات، وغلبوا الجانب العملي على النظري ليرى الناس منكم أعمالاً عظيمة لا أقوالاً وحسب، فحال رجل في ألف رجل خير من مقال ألف رجل لرجل.

 

ولتعملوا جاهدين على توفير البدائل الجيدة التي تعينكم على الاستفادة من أوقاتكم ، وإياكم من الفراغ فهو من ألد أعدائكم، وهو ما يدفع الشباب إلى السقوط في الانحرافات الأخلاقية. كما عليكم بإخلاص النيات وتوظيف الطاقات وحسن استغلال الأوقات هما سر النجاح بإذن الله، وعليكم بالالتحاق بمراكز الشباب والهيئات الرياضية الحكومية والأهلية، والهيئات والأندية الاجتماعية، والجمعيات الخيرية والمؤسسات التطوعية، وارتقوا بها وطوروها ونظموا الدورات العلمية والمهنية النافعة، واشتركوا في المناشط العملية المختلفة، حتى تشعروا بقيمتكم ورسالتكم في الحياة وتفيدوا وطنكم.

 

وعليكم بالاهتمام بمجتمعكم وبقضاياه والتفاعل الإيجابي معها، وإعمال عقولكم في حل مشاكله والتسابق في الخيرات، وتقديم العون للمحتاجين والمعوزين والسعي الجاد في قضاء حوائجهم "إن لله عبادًا اختصهم بقضاء حوائج الناس حببهم في الخير وحبب الخير إليهم هم الآمنون يوم يفزع الناس" .

 

واجبكم تجاه أمتكم:

اهتموا بأحوال أمتكم وقضاياها وتبنوها واسعوا لنصرتها، ولا تنعزلوا عنها، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، فبعدكم عن قضايا أمتكم بداية التشرذم والتفرق، وهو ما يؤدي للضياع وعدم الانتماء لأمتكم العربية والإسلامية، وفيكم وفي مثلكم يقول الشاعر:

 

قد رشحوك لأمر لو فطنت له          فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

 

أبنائي وبناتي الأحبة:

لقد حدد الإمام الشهيد حسن البنا يرحمه الله في رسالة "إلى الشباب" أركان النجاح في قوله "إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووُجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها"، ونجده حدد أركان النجاح الأربعة: الإيمان، والإخلاص، والحماسة، والعمل، وهي تشمل الجانب الروحي والعقائدي (الإيمان، والإخلاص) بجوار الجانب العملي والتطبيقي (الحماسة، العمل)، وهذا دمجٌ رائعٌ، حماسة الشباب وحُسن توجيهها وترسيخ مفهوم تقديم الجانب العقائدي على ما سواه.

 

كما قال في موضع آخر: "وسيجد كل عامل صادق منكم في ميدان الإسلام ما يُرضي همته ويستغرق نشاطه إذا كان من الصادقين"، فإذا كانت طبيعة الشباب الحماسة التي إن لم يضبطها، كما نصحنا الإمام البنا "ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول ، وأضيئوا نظرات العقول بلهب العواطف " قد تصل إلى حد التهوُّر، فنجد الإمام هنا يكبح جماحَها ويسوسها إلى الطريق السوي طريق الإيمان والإخلاص والصدق.

 

فالتزموا بهذه الأركان الأربعة وحققوها في أنفسكم وادعوا غيركم لها واعملوا بها وحولوها لواقع تتحركون به في كل مناحي حياتكم.

 

أبنائي وبناتي الأحبة:

كما تحدث الإمام الشهيد رحمه الله في رسالته إليكم عن أربعة من أهم ثوابت الجماعة وهي: الربانية والتدرج والتربية والشمولية فاجعلوا هذه الثوابت نصب أعينكم وتمسكوا بها واعملوا بمقتضاها ففيها بإذن الله نضمن سلامة الطريق وصحة الهدف وتحقق أفضل النتائج.

 

الربانية: في قوله "وإلى الهدف الذي وضعه الله لنا لا الذي وضعناه لأنفسنا، وسنصل بإذن الله وبمعونته، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولوكره الكافرون".

 

التدرج والتربية في قوله: "سنربي أنفسَنا ليكون منا الرجل المسلم، وسنربي بيوتَنا ليكون منها البيت المسلم، وسنربى شعبنا ليكون منه الشعب المسلم، وسنكون من بين هذا الشعب المسلم، وسنسير بخطوات ثابتة إلى تمام الشوط".

 

الشمول في قوله: "ولكنهم آمنوا به عقيدةً وعبادةً، ووطنًا وجنسيةً، وخلقًا ومادةً، وثقافةً وقانونًا، وسماحةً وقوةً، واعتقدوه نظامًا كاملاً يفرض نفسَه على كل مظاهر الحياة وينظم أمرَ الدنيا كما ينظم الآخرة.. اعتقدوه نظامًا عمليًّا وروحيًّا معًا فهو عندهم دين ودولة، ومصحف وسيف" (إنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْنَاهُمْ هُدًى، ورَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) (الكهف)

 

وفي الختام:

أنتم الأمل بإذن الله، ونحن نعلم أن فيكم الخير العظيم، فاستشعروا يا شبابنا دائمًا ما تعيشه أمتكم من واقعٍ مُبكٍ وحالٍ مُرٍّ لا يُرضي أحدًا، واستشعِروا أن بيدكم وبجهدكم تغيير حال أمتكم ونصرتها إذا حققتم في ذواتكم وواقعكم موجبات النصر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾ (محمد: 7).

 

فعليكم بحسن الإيمان بالله واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والعمل المتواصل والتجرد التام والبذل المستمر والتضحية العزيزة، والصدق مع الله ثم مع النفس والناس وإفراغ للوسع في العمل الجاد؛ لأن النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، فإذا تحقق هذا فسيتم تحقيق النصر الذي تحقق من قبل وليس هذا على الله بعزيز: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: من الآية 40)، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم، والله أكبر ولله الحمد.

 

مؤتمر طلاب الإخوان المسلمين الأول بعد الثورة

القاهرة في السبت 26 من شوال 1432هـ الموافق 24 سبتمبر 2011م

 

مؤتمر الطلاب في صور

التعليقات