الصفحة الرئيسة

من تراث البنا

 

 

 
المجموعة الكاملة لأحاديث الثلاثاء

- الجزء الخامس (جديد)

- الجزء الرابع

- الجزء الثالث

- الجزء الثاني

- الجزء الأول

 

 

 

 

الجزء الأول

[أ]- نظرات في القرآن الكريم:

[1]- وصيتي لكم أيها الإخوان

[2]- واجبنا نحو القرآن الكريم

[3]- الإنسان في القرآن

[4]- المرأة في القرآن الكريم

[5]- الكون في القرآن

 

 

[1] وصيتي لكم أيها الإخوان؟!

 

نحمد الله تبارك وتعالى.. ونصلي ونسلِّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم القيامة.
أيها الإخوان الفضلاء: أحييكم بتحية الإسلام من عند الله مباركة طيبة، فسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


قبل أن نجيل النظر في كتاب الله تبارك وتعالى.. أحب أن أذكِّر الإخوان بأننا حين نلقي بهذه النظرات، لا نقصد بها التناول العلمي، أو التحليل فني، وإنما نقصد بها التوجيه الروحي والعقلي للمعاني العامة والكلية التي ألمَّ بها كتاب الله تبارك وتعالى.. حين يكون لنا من هذا التوجيه مَعِينٌ على الفهم في القرآن الكريم، حين نتلوه، وحين نقرؤه، فنكون بذلك قد أخذنا بسنة التدبر والتذكر والادِّكار المذكور في كتاب الله تبارك وتعالى ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لْلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر:17) ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لَيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلْيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (ص:29).

 

نحن أيها الإخوان الأحباب لا نبغي من وراء هذه النظرات التي نُلقيها على الآيات الكريمة أن نُلِمَّ إلمامةً شاملةً كاملةً بالنَّوَاحِي العلمية أو الفنية في الموضوع الذي نتناوله، ولكننا نريد توجيهَ الأرواحِ والقلوبِ والأذهانِ إلى هذه المقاصدِ الساميةِ العاليةِ التي قَصَدَ إليها كتاب الله تبارك وتعالى، القرآن الكريم حين يتناول معنى من المعاني.. ثم أمامك يا أخي بعد هذا، وأمام الباحثين باب البحث والتحليل، أمامك أن تبحث كما تشاء، وأن تدقق كما تشاء، وإني أعتقد أيها الإخوة الأحباب أن مثل اللحظات التي نسعد فيها بالتلاقي لا تعطينا الفرصة الكاملة لهذا التحليل العلمي والفني الذي يتناول الموضوع من كل أطرافه.

 

أيها الأحباب: إن كل ما نقصد إليه من هذه النظرات أن نجيل النظر في كتاب الله تبارك وتعالى، فهو بحر زاخر بالدر، من أي النواحي تأتيه ظفرت منه بالخير الكثير، ولذا كان تجولنا في بعض المقاصد الكلية الإجمالية التي تناولتها آيات القرآن الكريم، نتعاون أيها الإخوة على استجلائها، فهي ولله الحمد جلية واضحة، رجاء أن نجد كل منا مفتاحاً للفقه في كتاب الله لتفهم آياته.. يستخدمه بينه وبين نفسه كلما وجد من نفسه فسحة من الوقت، وكلما أراد أن يستزيد من أنوار هذا الكتاب وفوائده وفوائده ومنافعه.

 

ولسنا ندعي أن هذه النظرات منتهى تنتهي إليه فكلما أجال المجيلون أنظارهم.. وكلما أدار المديرون أمصارهم في كتاب الله تبارك وتعالى فإن معانيه كأمواج البحر لا تنتهي ولا تتناهى فهو كلام العلى الكبير.

 

ووصيتي لكم أيها الإخوان أن تتصلوا بالقرآن في كل وقتٍ فإنكم على فائدة جديدة ما اتصلتم بكتاب الله.

اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك يا نعم المجيب.

[حسن البنا]

 

*********

 

[2] واجبنا نحو القرآن الكريم

 

نحمد الله تبارك وتعالى، ونُصلي ونسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه ومَن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
أيها الإخوة الأحباب.. أحييكم بتحية الإسلام تحيةً من عند الله مباركةً طيبةً، فسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

في الحقيقة إن الإنسان ليعجب من موقف الناس أمام كتاب الله تعالى: القرآن الكريم، وكما قلت للإخوان من قبل، إن موقف الناس من كتاب الله في هذه الأيام، مثلهم كمثل جماعة أحاط بهم الظلام من كل مكان، فهم يتخبطون فيه، ويصطدم بعضهم ببعض، ولا يزالون هكذا يخبطون خبطًا عشوائيًّا، ويسيرون في ظلامٍ دامس، مع أن بين أيديهم زرًّا كهربائيًّا لو وصلت إليه أصابعهم فإن حركةً يسيرةً يمكن أن توقد مصباحًا مشرقًا منيرًا.. فهذا أيها الإخوان هو مثل الناس الآن، ومثل كتاب الله وموقفهم من كتاب الله.

 

العالم بأسره يتخبط في دياجيرِ الظلام.. العالم كله يسير في مسالكه على غيرِ هدى، أفلست النظم وتحطم المجتمع، وتدهورت القوميات، وكلما وضع الناس لأنفسهم نظامًا، انقلب رأسًا على عقب، والناس لا يجدون الآن سبيلًا إلا الدعاء والحزن والبكاء، ومن الغريب أن بين أيديهم القرآن الكريم كتاب الله تبارك وتعالى:

 

العِيسِ في البيداءِ يقتلُها الظَّما والماءُ فوقَ ظهورِها مَحْمُولُ

 

لا يستطيعون سبيلًا إلى الهداية، وبين أيديهم النور الكامل ﴿وَلَكِنْ جَعْلَنْاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(52)﴾ (الشورى) ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(157)﴾ (الأعراف)
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(16)﴾ (المائدة) ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(8)﴾ (التغابن).

 

ثم نعود أيها الإخوان فتقول: لعله من المفهوم أن الكافرين الذين لم يفتح الله بصائرهم لهذا النور، ويسيرون في حياتهم على غير هدى، هذا معقول ومقبول، لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.. ولكن ما بال المؤمنين الذين آمنوا يخلو جيب من جيوبهم من نسخة من كتاب الله تعالى.. القرآن الكريم.

 

شأنهم أيها الإخوان أن أهل الكفر قد خدعوهم عن نورهم وأبعدوهم عن هديهم وضللوهم عن طريقهم وأبعدوا أيديهم عن هذا المصدر الكريم.. عن زر الكهرباء تارة بالسياسة وتارة بالعلم الدنيوي ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ(7))﴾ (الروم) وطورًا بالمال وأخرى بالشهوات وخامة بالخداع وتارة بالقوة والقهر والجبروت.

 

كل هذه الوسائل أيها الإخوة استخدمها أهل الكفر، وأبعدوا الناس، أبعدوا المسلمين عن هديهم، وسايرهم المسلمون حينًا من الدهر، وجروا وراء ضلالهم.. فكانت النتيجة أن نسي المسلمون مصدرَ هذا الهدى، واتبعوا الكافرين مع أن الله تبارك وتعالى قد حذَّرهم من ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ(150)﴾ (آل عمران).

 

أيها الإخوان.. ولما كان قد سبق في علم الله تعالى أن أهل الكفر يهدِّدون أهل الإيمان بما بين أيديهم من قوة وبأس، فأراد سبحانه أن يستأصلَ من قلوبِ المسلمين هذه الشبة فقال: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)﴾ (آل عمران) ثم يأتي الله سبحانه بحادثة تطبيقية لتكون مقرونةً بالدليل القاطع ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)﴾ (آل عمران).

 

هكذا أيها الإخوان يحذر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالقرآن، من أن ينهجوا نهج أهل الكفر أو أن ينخدعوا بحيلهم وبخدعهم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100)﴾ (آل عمران) ) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149)﴾ (آل عمران).

 

فأهل الكفر مطبوعون على الخداع وعلى الكيد لأهل الإيمان.. ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ (البقرة: من الآية109)..﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (النساء: من الآية 89)..﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)﴾ (الممتحنة).. وبكل الوضوح أيها الإخوة فإنه لن تبرأ هذه الصدور من هذه المودة.. مودة أن يعود المؤمنون كفارًا، ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: من الآية 217).. فهذا تصوير صادق لعاطفة أهل الكفر نحو أهل الإيمان.. ومع كل هذا فقد استولت عليهم سماحة أهل الإيمان، ونسوا هذا التحذير ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)﴾ (النساء).. ورغم هذا التحذير، ورغم أن كتاب الله قد كشف عن أنفسهم هذا الكشف، بعد كل هذا نهوى بأنفسنا إلى الهاوية، ونسير في أذناب أهل الكفر، ونعمل كما أهل الكفر، وهم يخدعوننا عن هذا بكل وسيلة وبكل أسلوب، فإن كان هذا النور ليس له وجودٌ عند الكافرين، فقد أفلحوا بالعمل في أن يبعدونا عن هذا النور.

 

فما الموقف الآن أيها الإخوان؟؟ الموقف الآن هو أن أهل الكفر لا يؤمنون بهذا النور، وأهل الإيمان لا يعلمون به، وهذا موقف مؤلم، موقف كله عقوق للإنسانية، ومن هنا يجب على الذين اهتدوا بهدى القرآن أن يعملوا على أن ينقذوا أنفسهم وأن ينقذوا الناس..

 

فما واجبنا نحن الذين آمنَّا بالقرآن؟؟

واجبنا أيها الإخوان نحو القرآن الكريم أربعة:

أن نؤمن إيمانًا جازمًا لازمًا قويًّا لا ضعفَ فيه ولا وهنَ معه بأنه لا ينقذنا إلا منهاجٌ اجتماعيٌّ مستمدٌّ من كتاب الله تبارك وتعالى، منهاجٌ مأخوذٌ من كِتاب الله وصادرٌ عنه، وأن كل نظام اجتماعي حيوي لا يعتمد على القرآن ولا يستمد من القرآن الكريم في كل ناحية من نواحي الحياة منهاجٌ فاشل.

 

فمثلاً هم يعالجون الحالة الاقتصادية بترقيعات لا تُسمن ولا تغني من جوع، على حين أن القرآن الكريم:

- نظَّم الزكاة.

- حرَّم الربا.

- أوجب الكسب والعلم.

- منع الترف.

- أوجد التراحم بين الناس.

وبهذا تحل مشكلة الفقر، وبغير هذا لا يمكن أن يكون، وغير هذا لا يتعدَّى أن يكون مسكنات وقتية.
ومثلاً في مشكلة الصحة، وتجدون أيها الإخوان أن مثلهم كمثل من يفتح حنفية قطرها ثلاثة ملليمترات وتحتها بالوعة قطرها ثلاثة أمتار فيعملون مستشفيات متنقلة، ووحدات صحية، ولكن أصل الداء لم يُستأصل، مستوى المعيشة منحطٌّ، بينما الإسلام يأمر برفع هذا المستوى، المنكرات تُحطم وتهدم كما يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما ظهرت الفاحشة في قوم إلا كثرت فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم".

 

وهناك أيها الإخوة مثلٌ آخر وهو حالة محاربة الجريمة:

هل تضع السارق في السجن ليتخصص على أساتذة الإجرام؟؟ وكلما طالت مدة إقامته في السجن زاد تخصصه في الإجرام؟؟ وإذا كان الأخذ بهذا النص القرآني ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ (المائدة: من الآية33) قد أفادت البلادُ منه كثيرًا، فما بالك يا أخي لو طبق النظام جميعه.

 

الإسلام وحدة واحدة أيها الإخوان، لا يقبل الشركة، فيجب أن نؤمن بأن الإسلام هو الصالح لإنقاذ هذه الأمة من كل ناحية من نواحي حياتها.
وعلينا بعد ذلك- نحن المسلمين- نحو كتاب الله تبارك وتعالى أن نتخذَ منه أنيسًا وسميرًا ومعلمًا، نتلوه ونقرأه، وألا يمر بنا يوم من الأيام حتى تكون لنا صلة بالله تبارك وتعالى، فهكذا كان أسلافنا رضي الله عنهم، ما كانوا يشبعون من القرآن الكريم، وما كانوا يهجرونه، بل كانوا يتفانون في ذلك حتى تدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا، ونهاهم عن الغلو فيه، فلا أقل يا أخي من أن يكون لك ورد من القرآن ، مهما كان هينًا، ومهما كان يسيرًا، والسنة ألا تزيد على شهر للختمة، ولا تقل عن ثلاثة أيام، وقد كان سيدنا عمر بن عبد العزيز إذا شغل بمصلحة من مصالح المسلمين جاء بالمصحف وقرأ ولو آيتين أو ثلاثًا، ويقول "حتى لا أكونَ ممن اتخذوا هذا القرآنَ مهجورًا"، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ آيةً من كتاب الله فله بكل حرف عشر حسنات، ومن يستمع لها كانت له نورًا يوم القيامة".

 

أما من حَفِظَ القرآنَ ثم نَسِيَه، فقد ارتكب إثمًا عظيمًا، فيجب أيها الإخوة أن تكثروا من تلاوة القرآن الكريم، وأن تجعلوا لأنفسكم وردًا من كتاب الله تبارك وتعالى، وأن تواظبوا عليه اقتداء بسلف الأمة، واقتداء بأمر الله تبارك وتعالى، وانتفاعًا بما في كتابه سبحانه.

 

وعلينا بعد ذلك أن نلاحظ- حين نقرأ القرآن- آداب التلاوة، حين نسمع كتاب الله، آداب الاستماع، وأن نحاول ما استطعنا أن نتدبر وأن نتأثر، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن هذا القرآن نزل بحزن، فإن قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا".. ومعنى هذا يا أخي أنه إذا لم يكن قلبك حاضرًا بالدرجة التي تتأثر بها فحول أن تتأثر، ولا يصرفنك الشيطان عن جمال التدبير فلا تتأثر وواظب، حتى إذا لم يكن في القراءة إلا تحريك اللسان فاقرأ.. وليكن لك وقت للحفظ، ووقت للذكر، وحاول أن تتأثر بالقرآن تأثيرًا حقيقيًّا.. ذكروا أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذهب في ليلة يعس، فسمع قارئًا يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8)﴾ فحين سمع هذا قال: "قسم حق ورب الكعبة"، وَخَرَّ مغشيًّا عليه، فاحتمله صحابي يُدعى أسلم، وذهب به إلى بيته، وبقى هناك مريضًا ثلاثين يومًا يعوده الناس.

 

وكذلك يا أخي كان عمر بن عبد العزيز، جاء بعد العشاء فتوضأ، ووقف يصلي، وكان يقرأ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24)﴾ وما زال يكرر قوله تعالى ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24)﴾ (الصافات) حتى جاء المؤذن يؤذن لصلاة لصبح.

 

هكذا أيها الإخوان كان تأثرهم بكتاب الله تبارك وتعالى، وكانوا على أيام الإمام الشافعي إذا أرادوا في مكة أن يتأثروا بكتاب الله، أرسلوا إليه فيقرأ، ولا يرى إلا باكيًا في مثل هذا اليوم، ونحن أيضًا علينا أن نقرأ القرآن قراءةً مثمرةً.

 

وإذا كان القرآن يصل إلى قلوب الكافرين- وهم أبعد خلق الله عن التأثر بكتاب الله- فما بالنا هذا مثلاً عتبة بن ربيعة- وهو منهم- يقول حين سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو من كلام البشر"، وما كان من النجاشي وقومه حين سمعوا لجعفر وهو يتلو، ففاضت أعينهم من الدمع، فكيف يكون شأن المؤمن؟؟ إن شان المؤمن في تلاوة كتاب الله تبارك وتعالى يكون كما قال سبحانه ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)﴾ الزمر).

 

وبعد أن نؤمنَ يا أخي بأن كتاب الله هو المنقذ الوحيد، بعد هذا يجب علينا أن نصلَ إلى العمل بأحكامه، وأحكام القرآن الكريم كما تظهر لنا، وكما نعلمها تنقسم قسمين:

- الأحكام الفردية التي تخص كل إنسان بنفسه، كالصلاة والصيام والزكاة والحج والتوبة والاستغفار، والأخلاق من صدق ووفاء ومن شهادة ومن أمانة.. فهذه الأحكام يا أخي تتعلق بالمجتمع العام، ويستطيع كل إنسان أن يؤديَها بنفسه، فحين نقرأ القرآن يجب أن نقف عند أحكامه وحدوده، فمن لم يكن يصلي، ويقرأ قوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فلا بد أن يصلي وحين تقرأ ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (الأعراف: من الآية85) إلى كل ذي حق حقه، ويجب ألا تحتاج إلى من يحملك على هذا، فالحلال بين والحرام بين.

 

- والقسم الثاني هو الأحكام التي تتصل بالمجتمع التي تتعلق بالحاكم، وهذه واجبات الدولة، مثل الحدود والجهاد، فالأمور التي هي من أعمال الدولة في الإسلام يجب على الدولة أن تنفذها، وإن لم تنفذها فهي مسئولةٌ بين يدي الله تبارك وتعالى، وواجب الشعب في هذه الحالة أن يطالبَ بتنفيذها، فإن الإسلام لا يُعفي الأمة من المسئولية.

والآن.. كيف تصل الأمة إلى هذا؟

 

على الأمة أولاً أن تتحد.. على الأمة أن تجمعَ كلمتها، وتطالب وتلحف في الطلب، وأن تتخذ في هذا كل سبيل.. خصوصًا إذا كان نظام الدولة كنظام في مصر.. فإذا كان ذلك كذلك، فلا عذر لأحد في عدم الجهر بهذا الأمر، والأمة غير معفية من مراقبة الدولة.

 

علينا أيها الإخوان أن نوحِّدَ صفَّنا، علينا أن نجمعَ كلمتَنا، حتى نكونَ قوةً يُحسب حسابُها، وتكون لها كلمتها، وتجد الدولة نفسها أمام الأمر الواقع، وبذلك نصل من قريب أو من بعيد إن شاء الله تبارك وتعالى.

 

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
 

*********

 

[3] الإنسان في القرآن

 

نحمد الله تبارك وتعالى ونُصلي ونُسلم على سيدنا محمد وآله ومَن دعا بدعوته إلى يوم الدين.. أيها الإخوة الأحباب تحيةً من عندِ الله مباركةً طيبةً فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته...

 

تذكرون أيها الأحباب أننا وعدنا أن يكون كلامنا في حديثِ هذه الليلة نظرات في كتاب الله تبارك وتعالى... ولستُ أقصد بهذه النظرات أن تكون إحصاءً لحقائق علمية ولا عرضًا لمذاهب خلافية أو لكثير من وجوه التفسير.. لم أقصد لهذا.. ولكني قصدت إلى أمرٍ واحدٍ أحبُّ أن أذكره لكم.. ذلك أنني أريدُ أن أمهد سبيل الفهم لكتابِ الله بين يدي مَن يقرؤه.. أريد أن أعرض للمعاني الكلية.. وأن أُفسح باب الفهمِ لكتاب الله تبارك وتعالى..

 

لعلكم تذكرون أيها الإخوة.. الحكمة التي تقول: (مَن عرف نفسه فقد عرف ربه).. فأنت يا أخي إذا عرفتَ نفسك حقَّ المعرفةِ وإذا أدركت الوضعَ الصحيحَ الذي وضعك الله فيه.. والمكانة والمنزلة التي أنزلك إياها.. استطعت أن تقوم بحقِّ نفسك.. وحقِّ ربك.. فتصل بذلك إلى معرفة الله تعالى ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (21)﴾ (الذاريات).. فنحن نريد يا أخي أن نستبصر لنرى.. أين هي مكانتنا كبشر؟.. وما هو واجبنا ونحن في هذه المكانة؟.. نريد أن نعلم الوضع الرباني الذي وضعنا الله فيه.. لنقوم بحقِّ أنفسنا.. ثم لنعلم تبعًا لذلك حق الله علينا..

 

 

وحينما نعرض يا أخي لهذا الموضوع من هذه الزاوية.. نجد أنه يدور حول محورٍ أساسي.. وهو قصة آدم عليه السلام.. وقد ذُكرت هذه القصة في مواضع كثيرة من القرآن.. في سورة البقرة.. في سورة الأعراف.. في سورة الحجر.. في سورةِ الإسراء.. في سورة طه.. في سورة ص.. في سورة الرحمن.. في هذه السور جميعًا إلمامة حق بخلقِ الإنسان.. فأنت ترى يا أخي أنَّ الله تبارك وتعالى ذكر الإنسان في كثيرٍ من سورِ القرآن.. في سورة البقرة ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)﴾.. وفي نفس السورة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (30)﴾.. هذه قصة الإنسان في القرآن كما صورتها سورة البقرة.

 

وفي سورة الأعراف يأتي هذا العرض بشيءٍ من التفصيل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنْ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25)﴾.. صدق الله العظيم.

 

هذه الآيات تناولت قصة آدم عليه السلام بشيء من التفصيل تناولت ما كان بين الحقِّ تبارك وتعالى وبين الشيطان.. وتناولت ما كان من الأسبابِ في ضلالةِ الشيطان.. وهو الكبر.. وما كان من أسبابِ زلة آدم.. وهو الاغترار به.

 

وأنت كذلك يا أخي ترى هذا المعنى في سورةِ الحجر.. بشيءٍ من التفصيل.. فتعرض الآيات خلق الله تبارك وتعالى للإنسان من صلصالٍ من حمأٍ مسنون.. كيف سواه ونفخ فيه من روحه؟.. ثم أمر الملائكة أن يسجدوا له.. لهذا السرِّ الإلهي وهذه اللطيفة الربانية.. فسجد الملائكة.. إلا إبليس.. الذي ادَّعى بأنه لم يكن ليسجد لبشرٍ من صلصالٍ من حمأ مسنون.. ذكر المادة فقط ونسي أنها لا تزن شيئًا قبل أن ينفخ الله فيها من روحه.. كان إبليس متكبرًا فأعماه الكبرُ عن إدراكِ السرِّ الذي من أجله وجب عليه السجود.. فوجبت عليه اللعنة ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنْ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ (42)﴾ (الحجر).

 

وهنا تجد يا أخي أن القصة قد عُرضت بتوافقٍ واشتراكٍ في المعاني الكلية.. وبتفصيلٍ في بعضِ المواقع.. ففيها أن إبليس قد اعترف بربوبيته تعالى.. وفيها يُبين الله عز وجل أن هناك فريقًا ليس لإبليس سلطان عليهم..

 

﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً (62) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا (64) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (65)﴾ (الإسراء).

 

وفي سورة (طه) تجد يا أخي إلمامًا بالصورةِ العامة للقصة، واشتراكًا في الوقائع والمعاني الكلية، ولكن إشارة إلى أن الإنسان ضعيف ما لم يُدركه الله بقوته، وأشار إلى أن الإنسان من طبائعه النسيان.. فنسى وطمع.. ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى (120) فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)﴾ (طه).. وقع هذا بعد أن كان الله قد عهد إلى آدم وأوصاه.. فنسي وضعف ولم يكن له من العزمِ ما يدفع به وساوس الشيطان.

 

وفي صورة (ص) يأتي العرض بتفسير أن الصلصال والحمأ المسنون كان طينًا.. ويتجلى تكريم الله تبارك وتعالى للإنسان فيها ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَاسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْعَالِينَ (75)﴾.. وفيها إقرار إبليس بعزةِ الله تبارك وتعالى، وأن اللعنة التي نزلت عليه لعنة ربانية.

 

وحينما نلقي نظرات على سورة (الرحمن) نجد أن القصة قد ألمَّت بعنصر الإنسان المادي ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14)﴾، وفيها إشارة إلى أن عنصرنا هو من طينةٍ من الأرض.. ومن جوهرها ومن معدنها.

 

وإذا نظرنا إلى القصة بظاهرها كما جاءت في هذه الآيات الكريمة من سور القرآن الكريم، نجدها تدل على شيء واضح وجلي، ولا يقبل التأويل، وهو أن الإنسان في شكله المادي قد خُلِقَ على غيرِ مثالٍ سابق عليه.. , ليس متسلسلاً من غيره كما يقول بعض علماء الحيوان.

 

ولكن هناك مذاهب مادية أيضًا تفند ما ذهب إليه القائلون بتسلسلِ الإنسان عن غيره، إذ اعترف دارون نفسه بأنه لم يستطيع أن يعرف سرَّ الحياة.. واعترف بأنه كلما تعمَّق في بحوثه هذه أدرك أن أصل الحياة هو الله تبارك وتعالى، وأما كيفية الخلق.. فلم يُفصلها القرآن الكريم، ولم تعرض لها السنة في آثار مفصلة ولكن ما نؤمن به هو أنك أيها الإنسان بمادتك فقط دون روحك جزء من الأرض التي أنت عليها، وأنك لست نوعًا من أنواع الحيوان يتغير حسب بيئته، وأن ما يتعلل به زعماء المادية وعلماؤها من شبهاتٍ في هذا الأمر.. إنما هو مجرد فروض افترضها علماء الحيوان ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36)﴾ (الإسراء)، هذا من ناحيةِ التكوين المادي للإنسان.. التكوين الطيني كما ذكره القرآن الكريم.
الإنسان من كائناتِ الملأ الأعلى
ثم نأتي للتكوين الروحي ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (ص: من الآية 72)، وهنا يتبين يا أخي أن الإنسان ليس عنصرًا واحدًا.. ليس مادة فقط.. ولا طينًا فحسب.. ولكنه طين قد نفخ فيه من روح الله تبارك وتعالى.

 

إنك يا أخي لست هذا الغلاف الطيني.. لست هذه الغلاف اللحمي.. ولكنك خلق من روح الله.. لم تكن قبله سوى قبضةً من الطين.. وأنت بعده صرت بشرًا سويًّا.. فأنت بذلك كائن من كائناتِ الملأ الأعلى؛ لأن إنسانيتك لم تتكون ولم تكن تتشكل إلا بعد أن نفخ الله فيك من روحه.. أما حقيقة هذه الروح وماهيتها وكنهها وسرها، فلا شأنَ بها.. وإنما يكفي أن تعلم يا أخي أن هذه الروح عنصر رباني، وأن كل ما يتصل بالله تبارك وتعالى فهو أكبر من تفكير الإنسان وفوق عقله وأبعد عن استنتاجه.

 

وهناك معنى ثالث تعرضه القصة.. هذا المعنى يتصل يا أخي بنسبك كإنسانٍ إلى الملائكة، ومكانتك من هذا الخلق الرباني النوراني.. أنت ترى أن الله تعالى قد أسجد لك الملائكة بعد أن أمدك بروح منه، فأنت بذلك أيها الإنسان أعظم عبد لله من الملائكة فلو أنك حققت إنسانيتك كنت أسمى من الملائكة، أما إذا ما نسيت فقد لحِقت بالشيطان، لو أديت حقوق هذه الإنسانية كما أرادها الله تبارك وتعالى، لخدمتك الملائكة، ولقد ثبت أن الملائكة كانوا يعودون المرضى من الصالحين ويوضح القرآن الكريم أنهم سيكونون في خدمتك يوم القيامة.. فالملائكة يا أخي ما هم إلا عباد الله.. وخلق من خلقه.. لا يعصون الله تعالى ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وأن التجلي الإلهي عليهم.. تجل من ناحية واحدة.. ناحية الطاعة.. أما تجليه سبحانه وتعالى عليك أيها الإنسان فهو أعظم؛ لأنه تجلي الاختيار.

 

والمعنى الرابع الذي تعرضه القصة.. يتعلق بصلتك بالشيطان ونجد يا أخي أن العرض قد أوضح هذه العلاقة.. في أن بينك وبين الشيطان عداوة وخصومة عنيفة ممتدة.. حتى إن الحياة في جوهرها ليست إلا صراعًا بينك وبينه.. وقد حذَّرك الله تعالى منه في أكثرِ من موضعٍ من القرآن الكريم ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (البقرة: من الآية 36).. ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)﴾.

 

 والمعنى الخامس الذي تتناوله القصة.. يتعلق بمكانك أيها الإنسان.. بمقرك وموطنك.. فلقد ذكرت القصة أنك مخلوق من الكائنات العلوية.. نشأت في الملأ الأعلى.. ثم أُهبطت على هذه الأرض اختيارًا.. ثم أنك إلى هذا المقر والمكان والموطن العلوي تعود إذا أنت عرفت طريق الرجوع ورحم الله القائل: حي على جنات عدن.

 

ثم لم يقف القرآن في تناوله لقصة الإنسان عند حدود.. فيأتي المعنى السادس الذي تناول فيه نسبة الإنسان إلى الكون كله، فإذا به كائن علوي بين الكائنات، وله الخلافة في هذه الدنيا.. ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.. فالأرض قد سُلِّمت للإنسان، ليعمرها لا ليخربها أو يدمرها.

 

ثم هو مسلط عليها، والكون كله مسخر له ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (لقمان: من الآية 20) فمنزلة الإنسان تتجلى في هذا القول:

 

قد رشحوك لأمر لو فظنت له       فاربأ بنفسك أن ترعي مع الهمل

 

فأنت أيها الإنسان الخليفة المنتدب لتعمير الأرض.. وسخَّر الله لكَ فيها كل شيء فيها حتى تؤدي مهمتك بإخلاص.. هذه يا أخي منزلك بين الكائنات.

 

ثم يأتي الحديث عن نسب الإنسان للإنسان.. أو المعنى السابع الذي لم يتركه القرآن الكريم.. فإذا به ينادي ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (آل عمران: من الآية 195).. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: من الآية 13).

 

لم يجعل الله تعالى الأمم والقبائل والشعوب لتتنافر أو لتتناحر بل جعلها سبحانه وتعالى لتتنافر وتتعاون.. ونسب الإنسان للإنسان في القرآن هي الأخوة.. الإنسان أخو الإنسان.. على أساس نسبته كإنسانٍ إلى الله تعالى التي أجملها في القرآن في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ (الذاريات).

 

نتيجة عملية- الروح والنفس

وعند ذلك يا أخي نريد أن نتناول ناحيةً.. عرض لها القرآن الكريم بصفةٍ خاصةٍ وهي ناحية الروح الإنساني.. هذه الروح يا أخي في الواقع لب الإنسانية.. وهي لذلك تقع موقع القلب من بحثنا هذا.. وهي النتيجة العملية لهذا الحديث.. أنت تعلم يا أخي أن لك تكوينًا روحيًّا.. وأن الله تعالى قد نفخ فيك من روحه.. حقيقة هذه الروح لا تعنيك؛ لأن الله تبارك وتعالى قد أمر نبيه أن يُجيب السائلين عن أمرِ الروح بأنها من أمرِ الله.. ولا شك أنه عالم فوق المادة.. فوق هذه النواميس الأرضية.. عالم كله نور.. كله إشراقٌ.. كله صفاء.. ولكن عندما يذكر القرآن الكريم النفس الإنسانية فإنه يذكر صفاتها فيقول الله تبارك وتعالى ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)﴾ (البلد) ويقول ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾ (الشمس).. فالنفس المجردة يا أخي.. هي نفس مُخيرة تفعل الخير وتفعل الشر.. تقدر على الخير.. وتُقدم على الشر.. وقد وضع الله تعالى بين يديها الوسائل التي تستخدمها وتستعين بها إلى الخير.. إن اتجهت إليه.. وتستخدمها إلى الشر إن اتجهت إليه.. هذه اللطيفة الربانية هي التي تقدر.. وتتدبر تستطيع يا أخي أن تُدرك الخير والشر.. وتميز بينهما.. وهذه اللطيفة الربانية مستعدة دائمًا للترقي العلمي والعرفاني إلى أقصى الحدود الممكنة.. فلستُ يا أخي ملكًا.. كل اتجاهك إلى الخير.. كما أنك يا أخي لستُ شيطانًا كل اتجاهاتك إلى الشر.. ولكنك مهيأ بحكمةِ الله للاتجاهين نفسك الإنسانية واسعة الحدود.. مرنة الطبيعة.. تقبل الخير.. كما تقبل الشر.

 

هذا.. ونلاحظ يا أخي أنه مع التسامي بالنفسِ الإنسانية في القرآنِ الكريم.. ومع أن هذه النفس عالمة فاضلة.. مع أنها مشرقة مستنيرة.. فإن الإنسانَ لا يذكر في القرآن إلا ومعه الميل إلى الشر.. ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ (الأحزاب: من الآية 72).. ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)﴾ (العاديات).. ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾ (العصر).. ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)﴾ (المعارج).. وذلك يا أخي؛ لأن النفس الإنسانية حينما احتلت هذا الجسم.. وهي بوضعها الرباني.. نسيت وجهلت وتطبعت بطابع الإناء والوعاء الذي نزلت فيه.. تطبعت بميول المادة وبخصائصها.. ليس هذا فحسب.. بل إن الشيطان قد سُلط عليها.. وما زال يسيطر عليها ويُزين لها.

 

وإذا كانت النفس قد خُدعت بالشيطان وهي في أمرها الأول.. فما بالك يا أخي وقد نزلت إلى وطنها الثاني وإلى وعائها المادي.. مع علو الأصل.

 

والآن يا أخي.. ما الدواء؟ وما العلاج؟.. هل تهوى الإنسانية؟ أبدًا لن تهوى ﴿إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾.. ﴿إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإن مسه الخير منوعاً، إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون﴾ (المعارج).

 

إذن يا أخي.. فالعلاج لهذا الصدأ في المطهر لهذه الأدران.. هناك المدد من النور.. وذلك هو الجهاد الدائم المسمر.. لم يتركك الله سدى.. بل أرسل إليك الرسل ومعهم الكتب.. حتى يمكن حفظ الروح على طهرها، وحتى يدوم إقبالك على الله.. بفضله وهدايته.. ولقد أشار القرآن الكريم إلى أن للنفس في هذا الجهاد مراحل ودرجات.. فداوم يا أخي صلتك بالله.. وداوم ذكرك لله.. وطاعتك له.. وإقبالك على الله.. هذا هو الجلاء الذي يجلو نفسك كلما هبطت إلى مستوى المادة ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾.. ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وأن الله لمع المحسنين﴾. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
 

(4) المرأة في القرآن الكريم

 

نحمد الله تبارك وتعالى ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه ومَن دعا بدعوته إلى يوم الدين..
أيها الإخوان، أُحييكم بتحية الإسلام، تحيةً من عند الله مباركةً طيبةً، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.. موضوع حديث الليلة أيها الإخوة الأحباب عن المرأة في القرآن الكريم، وكنا قد بدأنا في سلسلة "نظرات في القرآن الكريم" كتاب الله تعالى، فطالت بنا هذه السلسلة، وأَولى بها أن تطول، فإن كتاب الله تعالى خيرٌ كله، والقارئ في كتاب الله تبارك وتعالى لَيَجد نفسه في رياض يانعات يقتطف منهن، ويعجبني أيها الإخوة في هذا المعنى قول سيدنا عبد الله بن مسعود: "إذا قرأت في "آل حم" نزلت من روضات يانعات".

 

إن كتاب الله تبارك وتعالى بما انفرد به من هذا الأسلوب العجيب مَزجٌ غريبٌ لا يمكن إلا أن يكونَ في كتاب الله، المنطق الدقيق في أروع صور الخطابيات يُعالج به أجفُّ الموضوعات، فإذا بالمرء أمام مجموعة من أقوى المجموعات المنطقية.

 

أيها الإخوان.. إن مَن يقرأ تاريخ الأمم يجد أن الناس قد اختلفت نظرتُهم إلى المرأة اختلافًا يدعو إلى العجب والدهشة، فيجد أن منهم مثلاً مَن كان يعتبرها رقيقًا، وأن منهم من كان يعتبرها مِن سقط المتاع، ومن الناس مَن لم يرَ من المرأة إلا ملهاةً وملعبةً، وينطبق ذلك حتى في نظرة الناس في الأمم الحديثة التي تدَّعي أن أعظم مفاخرها الرقيُّ بالمرأة والنهوض بالمرأة واستكمال حقوق المرأة، حتى في هذه الأمم نفسها لم تبلغ المرأةُ ومكانة المرأة الحدَّ الذي تنال بالفعل فيه حقها الصحيح.. أو تكون فيه في وضعها الصحيح.. وتعجبون أيها الإخوة أن المجتمعَ العربي كان خليطاً في نظره إلى المرأة، وفي حكمه على المرأة.. ففي الوقت الذي كانت فيه بعض قبائل العرب تعتبر أن المرأة إنسان له حق إنسانيته، فتأخذ برأيها في بعض الأحيان، وتستشيرها، وتدع لها حرية الاختيار في بعض الأحيان، وهناك أمثلة على ذلك.. فهذا شماس بن لأي.. شيخ قبيلة من قبائل العرب، وقد هجاه أحد الشعراء وأقذع في هجائه له.. وعندما وقع في يده هذا الشاعر.. أراد أن يقتله.. ودخل على أمه مستبشرًا.. فقالت له: لقد رأيت في وجهك علائم البشر، فقال لها: أجل يا أماه.. فلقد ظفرت بالشاعر الذي هجاني، فقالت: وماذا أنت فاعل به؟ فقال لها: لسوف أقتله طبعًا.. قالت له: وأين سداد رأيك ورجاحة عقلك يا ابن لأي؟ شاعر قال فيك ما قال وسار قوله في الناس، فمن ترى يمحو هذا الهجاء؟ قال: وماذا أفعل؟.. قالت: أكرمه يا شماس، أكرمه ودعه يمدحك، فهو الذي يمحو ما هجاك به وإلا فلا مَحْوَ لما لَصَقَ بك من هِجَائِه أَبَدَ الدهر.. وبالفعل نَفَّذَ شماس بن لأي وصيةَ أمه نزولاً على رأيها، وهي لم تكن سوى امرأة.

 

أيها الإخوان.. نقول في الوقت الذي كان للمرأة في بعض القبائل مثل هذا التصرف والرأي، كانت بعض القبائل تئد البنات.. وتحجز النساء في البيوت حجزاً قاسيًا وشديدًا، وكانت شرائع العرب في تصورها للمرأة ومكانتها شرائع مختلفة ومتباينة.

 

ولذلك فمن العجيب حقًّا أن يأتيَ القرآن الكريم بنظرةٍ هي غاية في السمو والرقي الاجتماعي.. لتضعَ الأمورَ في وضعِها الصحيح.. ولتعالجها بجرأة وبقوة.

 

الأسس النظرية

هذه القضية أيها الإخوان قضية إنسانية بالدرجة الأولى، عالجها القرآن الكريم علاجًا فيه الثقة والصراحة والجرأة والحق.
يقول الله تبارك وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:1) فهذه الآية الكريمة أيها الإخوة تقص علينا في وضوح بالغ أن أصل الجنس البشري كله واحد، هذا الجنس يعود إلى نفس واحدة, هذه النفس الواحدة قد خلق منها زوجها، فالرجال والنساء أصلهما نفس واحدة.. ومن هنا تجد يا أخي أن الإسلام قد وضع هذه القضية على أساس الوحدة.. فالمرأة والرجل من أصل واحد.. ومن معدن واحد ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ فالأساس في هذه القضية هو التسوية.

 

و في سورة "الشورى".. يقول الله تبارك تعالى ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعِلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾.. فتجد يا أخي أن الله تبارك وتعالى قد بدأ بالإناث، وجعلهن هبةً يهبهن من يشاء من خلقه، وجعل الذكور كذلك هبةً من عنده سبحانه، ويعطي ذكورًا وإناثًا لِمَنْ يشاء، فسواءٌ كان النسل إناثًا أو ذكورًا أو خليطًا من إناث وذكور فهو من فضل الله وهبة من الله، وإذا تأملنا في ترتيب ذكر الإناث والذكور نجد يا أخي أن البدء بالإناث قد جاء لإزالة شبهة الانتقاص.

 

و في آيةٍ ثالثة يقول الحق تبارك وتعالى ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.. ولا تقف التسوية عند هذا المعنى العام، بل تتعداه إلى التسوية في الأحكام العامة أيضًا.. فتجد يا أخي الآية الكريمة تقول ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (النساء:123) هنا تجد أن الحق تبارك وتعالى قد أثبت أن الأصل الذي يرجع إليه الرجل والمرأة أصلٌ واحد.. وأن القيمةَ العامة في المحاسبة وفي التكليف قيمةٌ واحدةٌُ، وفي موضع آخر من القرآن الكريم تسمع يا أخي قول الله تبارك وتعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: من الآية 21) وإذا تأملنا المعنى الكريم يا أخي سنجد أن هذا الكون بين الرجل والمرأة مقرر في موضع آخر، فأنت تقرأ في سورة الأعراف..﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلْيَهَا﴾ (الأعراف: من الآية 189) والسكون فيه معنى الاستقرار والهدوء والسترة.. ومادة "سكن" هذه مادة امتزاج، وهي في نفس الوقت خفيفة الحروف.. فهي أنسب ما يعبِّر عما بين الرجل والمرأة من الصلة، فالمرأة يا أخي تحتمي بزوجها قوةً ومعاشًا، والرجل يحتمي بها حبًّا ومعاشًا، والقرآن الكريم يقرِّر هذا بأسمى ما يمكن أن يحملَه تعبير، ويقرر أن هذا من آيات الله ومن نعمه تعالى ومن فضله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.

 

وبهذه الأسس النظرية نجد أن القرآن الكريم قد قضى على أوهام الأمم السابقة من أن المرأة ليست من طينة الرجل، وأنها ليست من جنسه.. قضى القرآن على هذه الأوهام ونسفها نسفًا تامًّا.

 

التطبيق العملي

أما من ناحية التطبيق العملى يا أخي.. فالرجل كائن.. والمرأة كائن.. وللرجل مهمته.. وللمرأة مهمتها، ونحن نجد أن الله تبارك وتعالى قد قرَّر في شأن تكوين الأسرة ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلِّرجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (البقرة: 228) فقرر أن الأسرة دولة بينهما، وأنها تتكون منهما، وإنما تكون القوامة للرجل ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَّ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء: من الآية 34) ذلك يا أخي لأنه لا بد من الهيمنة.. والسؤال هنا مَن أحق بالقوامة.. الرجل أم المرأة؟ الرجل الجلد الحازم الذي يعيش بعقله أم المرأة اللينة التي تعيش بعاطفتها وقلبها وإحساسها؟

 

لا شكَّ أن الرجل هو الذي تسند إليه هذه المسئولية وهذا العبء وهذه المهمة.. وهذا يا أخي هو الفارق بين الإسلام والمدنية الغربية.. في هذه القضية يا أخي نجد أن الإسلام قد نَزَلَ على حكم الطبيعة والمنطق، فالإدارة فيه تحفظ للرجل؛ لأنه أقدر على القيام بها، وليس معنى ذلك الاستبداد أو الطغيان والظلم.. ويحضرني هنا أيها الأحباب من طرائف سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن "نافعًا" رآه يقصقص من ذقنه ما زاد على القبضة فقال له: الله الله يا ابن عباس!! إن الناس يضربون إليك أكباد الإبل من أطراف الجزيرة يسألونك عن الدين والقرآن وتفعل ذلك؟؟ فقال ابن عباس: وحيك يا نافع!! إني أفعل ما يأمرني الله به فأتزين لامرأتي كما تتزين لي، فقال نافع: لتأتيني من كتاب الله، فقال له: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.. وبهذه المناسبة، لعلنا ندرك من المعنى أن الإغراق في الزينة ممقوت شرعًا.

 

والواقع يا أخي أن القرآن الكريم حين حَفَظَ للرجل حق القوامة على المرأة، لم يفعل ذلك انتقاصًا لحقِّ المرأة ولا ومحاباة للرجل.. ولكن جاء هذا الحق لوضع الأمور في نصابها..

 

وجعل القرآن الكريم شهادة المرأة نصف شهادة الرجل.. فقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيْدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإْنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا، فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾.

 

وفي هذا الحكم المُقرَّر يا أخي جاء القرآن مطابقًا لحكم تكوين المرأة، وما تتميز به كأنثى تعيش بعاطفتها وبقلبها وبإحساسها الرقيق الذي يقبل التأثر بشدة، فالمرأة تتأثَّر بأسرع مما يتأثر الرجل، وتنسى أيضًا بأسرع مما ينسى الرجل، وفي محاكم الغرب يقولون: إن المحلفين حين يكون فيهم سيدات، وتأتي قضية مؤثرة، تترك المحلفات قاعة الجلسة، ويجلسن يبكين من ظروف القضية المطروحة أمامهن، والتي يطلب منهن إصدار حكم فيها، وهذا البكاء يعني أنهن قد أصدرن الحكم بالفعل حتى قبل أن تكتمل الإجراءات القانونية..

 

فسرعة التأثر يا أخي طبيعة واقعة ومطلوبة في المرأة، ولذلك وضع الحق تبارك وتعالى، وأمر الرجل كذلك: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور) فالحق تبارك وتعالى كما أوصى المؤمنين بهذه الوصية، أوصى النساء بنفس الوصية، ولما كانت المرأة موضع الرقة والمتعة والتزين، فقد أمرها بالاحتجاب، ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾.

 

ثم يقول القرآن الكريم بعد ذلك ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)﴾ فالإسلام يا أخي قد أمر المرأة أن تستتر بزينتها إلا عن هؤلاء المحارم على وجه التحديد كما هو واضح في الآيات الكريمة من كتاب الله تبارك وتعالى.

 

نتيجة عملية

القاعدة يا أخي.. أن بين المرأة والرجل سكونًا وراءه ما وراءه من حكمة الحق تبارك وتعالى: أن يوجد به المولد، وأن تعمر به الدنيا، وأن من يخرج عن هذه الحكمة يكون فاسدًا في الأرض، إذا لا بد من الفصل بين المرأة والرجل، فمن يحجز ومن يطلق.. الحجز للرفيق اللين الذي لا يتحمل، والإطلاق للقوى الجلد الذي ركب تركيبًا يعينه على الكفاح والنضال.. فالإسلام لم يظلم، ولكن حفظ للمرأة كرامتها وعفتها وحقوقها، ونظَّم الاستقرار بين المرأة والرجل.

 

لا تجد يا أخي شريعةً أفسحت للمرأة من صدرها إلا الشريعة الإسلامية، حتى القانون الفرنسي لا يعتبر للمرأة الأهلية الكاملة في التصرف في مالها إلا بإذن زوجها، ولكن الإسلام منحها الأهلية الكاملة للتصرف في مالها.

 

وإذا ما جاء الإسلام بهذا القرار ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ فذلك يا أخي لأن هناك حكمةً عاليةً جعل الله تبارك وتعالى بموجبها المرأة مكفولة النفقة، والرجل مطالب بالنفقة، ولكن لأن لها قرابة، فيجب أن ترث، وتطبيقًا للعدالة التامة تأخذ نصف نصيب الرجل.

 

وتلخيصًا لما تناولنا في هذه القضية أيها الإخوان أقول: إن الإسلام قد جَعَلَ المرأة قرينة الرجل في أصلها وفي وجودها وفي حقوقها العامة، وأقر الإسلام ما بينها وبين الرجل من رابطة، ثم وَضَعَ الحقوق العلمية ووضع التشريعات الواجبة التنفيذية للمرأة، على أساس يحفظ كرامتها، ويضفي عليها خصائصها النسوية الأنثوية، ثم أدبها الإسلام أكمل الأدب، وجعل نساء النبي صلى الله عليه وسلم القدوة الكاملة ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا (32)﴾ (الأحزاب)

 

ثم إن الله تبارك وتعالى قد ألحق نساء المؤمنين بنساء النبي ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾.
وأنت تجد يا أخي أن الحق تبارك وتعالى قد جعل مضرب المثل للمؤمنين والكافرين من النساء ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)﴾.. بعد هذا ترى يا أخي هذا الجمع الظريف ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)﴾ (الأحزاب)

 

الواقع يا أخي.. أن الإسلام ما اعتدى ولا طغى.. ولكن ساير طبيعة البشر وظروف الحياة.. كما خلقها رب الناس والحياة.. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

 

************

 

 

(5) الكون في القرآن

 

نحمدُ الله تبارك وتعالى، ونُصلي ونُسلم على سيدنا محمد وآله ومَن دَعَا بدعوته إلى يوم الدين..
أيها الإخوة، تحيةً مِن عند الله مباركةً طبيةً، فسلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

تناولنا أيُّها الإخوة في المحاضرة السابقة الإنسانَ في القرآن، وهو الحلقة الأولى من سلسلة النظرات في كتاب الله تبارك وتعالى، وقدَّمنا أن الغاية منها ليس التعمق في البحوث العلمية ولا استيعاب الحقائق التفصيلية، ولكنَّ الغاية أن نفتح باب الفهم لأنفسنا في كتاب الله، وأن نتلمَّس أسلوب هذا الفهم، وأن نلمَّ ببعضِ الوسائل التي تفتحه، بعد ذلك يفيض الله تعالى على قلب عباده ما يشاء من معانٍ في كتابه الكريم.

 

وفي التفاسير والموسوعات متسَعٌ لمَن أراد أن يتوسع، ولكننا يا أخي نريد أن نفتح البصائر على بعض آيات الله تبارك وتعالى.
بدأنا الحديث أول مرة عن الإنسان في القرآن، وقلنا: إن القرآن تناول الإنسان من حيث تكوينه المادي، فبين كيف خلقه الله تبارك وتعالى من طين، ثم بيَّنا كيف أنه- تبارك وتعالى- تناول تكوين الإنسان الروحي، فأبانَ أنه خُلق من أمر الله، وأن الله قد نفخ فيه من روحه ﴿وَيَسْأَلُوْنَكَ عَنِ الرُّوْحِ قُلِ الرُّوْحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّيْ وَمَا أُوْتِيْتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيْلاً﴾ (الإسراء: 85)، ثم كيف أنه بحكم هذه النشأة الروحية قد سَمَا عن العوالم، حتى إن الله- تبارك وتعالى- قد أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم، وقد خلقه سبحانه وعلمه ما لم يعلمهم ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِيْ بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِيْنَ* قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيْمُ الْحَكِيْمُ﴾ (البقرة: 31، 32) ثم كيف يا أخي أن الله- تبارك وتعالى- قد رشَّحه بهذا الفيض الرباني ليكون خليفةَ الله في أرضه، ثم بيَّنا أن الإنسانَ- وهذا حالُه- يجب عليه أن يتسامَى بنفسه على الشهوات الدنيا والماديات الوضيعة، وأن يسموَ بروحه إلى الملأ الأعلى..

 

قد رشَّحوك لأمرٍ لو فَطِنتَ له     فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

 

أنت أيها الإنسان قد نفخ الله فيك من روحه، وخلقك بيديه، ورفع مرتبتك، وجعلك من أمره، وأمرك بالعلم والعرفان والنور والبيان.. فاحرص يا أخي أن تكون دائمًا على هذه المنزلة، وقد ائتمنك الله- سبحانه وتعالى- على كونه، فحافظ على هذا الكون.

 

أيها الإخوة الأحباب.. الكون المادي في كتاب الله تبارك وتعالى يَظهر حين نقرأ القرآن الكريم، وتمر في ساحته مع آياته، فترى آياتٍ تتناول هذا الكون الظاهر، فالحق- تبارك وتعالى- يخاطب الكافرين بقوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ(9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ(10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ(11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(12)﴾ (فصلت).

 

ثم أنت يا أخي تقرأ قوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6)﴾ (ق)، ثم تقرأ قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(3) وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(4)﴾ (الرعد).

 

وهكذا لا تكاد يا أخي تقرأ سورةً حتى تمر فيها بذكر الكون وعجائبه وغرائبه وما يتصل به وما يتعلق بتكوينه وبعجيب صنع الله فيه، ومن هنا نعلم يقينًا أن القرآن الكريم قد عرض لهذا الحقائق الكونية.

 

والآن يا أخي نتساءل: لماذا عرض القرآن الكريم لهذه الحقائق الكونية؟! هل عرَض لَها ليتناولَ دقائقَها وتفاصيلَها فيكون كتاب فلك؟ أو هو حين عرض للنباتات وأحوالها وتطوراتها ونموها قد عرَض لها ليكون علم نبات؟!

 

بديهيٌّ أن القرآن الكريم لم ينزل مِن عند الله ليتناول هذه العلوم الكونية تناولَ كتاب هيئة، وهو لم يتناولها ليحلِّلها تحليلاً علميًّا يوضح فيه أصولها وفصولها وإنما عرض لها القرآن الكريم ليتخذ منها دليلاً واضحًا لا يقبل شكًّا ولا ريبًا على عظمة الله سبحانه وتعالى الذي خلقها وكوَّنها وسوَّاها؛ ولذلك فأنت ترى يا أخي أن سردَها كثيرًا ما يأتي بعد صفة ﴿قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ(59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ(60) أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ(61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ(62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(64)﴾ (النمل).

 

فأنت ترى أيها الأخ الحبيب أن القرآن الكريم إنما عرض لهذه الآيات الكونية لا ليُخبر عن كيفية تكوين الأرض، وإنما جاء بها ليَلفت النظر إلى أن هذه الأرض وهذا الكون الدقيق الصنع هو مِن صنعه وإبداعه وتكوينه تبارك وتعالى، وأن الذي خلق هذه الأرض بعجائبها وغرائبها، وتفرَّد بعلمه وعظمته وألوهيته لا يصح أن يُعبد معه أحدٌ سواه.

 

وأنت يا أخي تقرأ في سورة البقرة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(22)﴾ (البقرة) فيعرض القرآن الكريم هذه الآيات، هذه المعاني القرآنية في مساقِ وحدانية الله تبارك وتعالى وتفرُّدِهِ بالعظمة.

 

فليس الأمر على هذا النحو قاصرًا على الاستقصاء، ولكن لنتخذ من صفات الله تبارك وتعالى دليلاً على قدرة الله تعالى، فتسعد النفوس وتصلح كما يريد القرآن، ويدعوهم.. يدعو كل الناس في الدنيا ليبحثوا عن الحقيقة.

 

وحقيقة الحقائق أيها الإخوة هي الله، ذلك أن الله- تبارك وتعالى- هو فطرة في نفوسهم، فهو الذي خلقهم، وهو الذي خلق كل الأديان التي جاءت بها الرسل ليعرف الناس الله ﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ(101)﴾ (يونس).

 

فالقرآن يا أخي حين تناول مظاهر الكون العامة.. من الشمس والقمر والنبات والمطر.. لم يتناولها ليعطينا قواعدَ علميةً عن هذه الأشياء، ولكن ليَلفت النظرَ إلى الدليل النظري الذي يدل على عظمة الله جلَّ شأنه.

 

ولكن أيها الإخوة الأحباب لماذا لَم يتناول القرآن الكريم هذه النواحي تناولاً علميًّا بحتًا؟! لماذا لم يُفِضْ في هذه النواحي العلمية الصرفة؟!
ذلك أيها الإخوة لأن الغاية من القرآن أن يكون توجيهًا روحيًّا يصل الناس بالملأ الأعلى ويعرِّفهم بالله تبارك وتعالى؛ ولأن القرآن الكريم لو استوعب هذه النواحي لما انتهى أمره، ذلك لأن العقل الإنساني يترقَّى ويكتشف حقائق الكون بالتدريج، فيعرف الإنسان أولاً حقيقةً، ثم هو باستمرار يعرف حقائقَ جديدةً، ومع هذا كله فإن القرآن الكريم قد تناولَ بعضَ الحقائق العلمية بأسلوب غاية في الروعة والبلاغة؛ حتى يقنع العلماء بأن هذا التناول فوق مستوى عقولهم، وحتى يشعر العامة باللذة في أثناء تلاوته، فيفهم منه العامة على قدر عقولهم، ويفهم منه العلماء الحقائق العلمية التي تفوق قدر عقولهم.

 

القرآن والحقائق العلمية

إن القرآن الكريم أيها الإخوة مع أنه لم ينزل ليكون كتابًا يتناول الحقائق الكونية كما تتناوله الكتب الاختصاصية فإنه قد أتى بنواميس علمية تجعل الإنسان يعجب ويدهش، خصوصًا إذا سمعها من نبي عربي أمِّي، أتى بهذا الكتاب المعجِز في عصورِ الجهلِ والظلامِ، فيطلع بها على الناس نورًا.. جاء بها بأسلوب فطري رقيق.. بحيث يلمس فائدتها العامة، وهذا معنى فريد لم يسبق فيه كتاب.

 

وإن القرآن الكريم حين تناول هذه الكونيات، تناولها في بدء خلقها، وتناولها في بعض عوارضها، وتناولها في نهاية أمرها، أشار إلى بدء خلق السموات والأرض، وإلى عوارض الشمس والقمر ونهاية هذا العالم، والقرآن الكريم حين تناول هذه الأمور لم يصطدم بها وصل إليه العقل الإنساني من الحقائق العلمية الثابتة التي كشفها العلماء الكونيون بمحض وسائلهم المادية التجريبية، هذه الوسائل التي لا تتصل بوحي.

 

ومثال ذلك أيضًا قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ(50)﴾ (الذاريات) وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ(11)﴾ (فصلت).

 

وهذا يتفق مع نظرية السالب والموجب، ومنها يتكون كل شيء، إذًا لا بد من السلب والإيجاب في كل شيء، وعلى هذه النظرية يقوم تكوين الخلق كله، وهكذا نرى أن القرآن الكريم قد أتى بأساس الكون كله، وقوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (30)﴾ (الأنبياء).

 

وهذا يا أخي لا يتعارض مع الرأي العلمي القائل بأن السموات والأرض من أصلٍ واحدٍ، والقرآن لا يعطي إلا القواعد العامة التي يسلم بها العقل في كل أدواره، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ(30)﴾ (الأنبياء).. هذه حقيقةٌ علميةٌ لا يعترض عليها أحد، وقال في بدء خلق الإنسان ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ(12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ(13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(14)﴾ (المؤمنون)، وهذا كلامٌ يدخل في علم الطب، الذي شاهدَه ورصدَه العلماء ولا يمكن أن يعترض عليه أحد.

 

وفي عوارض الخلق ما قرره القرآن الكريم وتناوله، مثال تكوين المطر؛ إذ ينشأ من حرارة الشمس، ثم تسوقه الرياح، وهذا لا يتعارض مع ما جاء في القرآن الكريم ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ(43)﴾ (النور) ومثال ذلك قوله ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (النبأ) وقوله تعالى ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(15)﴾ فإن كون الجبال أوتادًا في الأرض تمنع الأرض أن تميد بالناس، فتضطرب ويطغى ماؤها على سهلها.

 

نهاية الخلق

أخي الحبيب.. يقول القرآن الكريم في نهاية الخلق ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ(48)﴾ (إبراهيم) ويقول: ﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3) إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجًّا(4) وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسًّا(5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا(6)﴾ ويقول ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ(1) وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ(2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ(3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ(4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ(5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ(6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ(7)﴾ (التكوير).. فمعنى هذا يا أخي أن نهاية الكون سوف يكون بحادثة، وأن الساعة لا تأتيكم إلا بغتة، في الوقت الذي أراده الله وقدَّره سبحانه، فيختلط الكون بعضه ببعض، ويقول العلم بهذا أيضًا.

 

معنى هذا أيها الإخوة أن القرآن الكريم حين تناول الكون لم يصطدم بالعلم في حقيقةٍ من الحقائق، ولم يقف بالعقل الإنساني عند هذا الحد، بل أمره بأن يَجُول في هذا الكون ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..(20)﴾ (العنكبوت) ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً(85)﴾ (الإسراء) ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(114)﴾ (طه).

 

نتيجة عملية

والنتيجة العملية أيها الأحباب أن نعلم أن كتاب الله تعالى بحث على النظر في الكون، وأن هذا النظر أصلٌ من أصول الإيمان، فقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قلت لعائشة رضي الله عنها أخبريني بأعجب ما رأيتِ من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت وأطالت، ثم قالت كل أمره عجبٌ.. أتاني ليلةً فدخل لِحَافي حتى التصق جلدُه بجلدي ثم قال يا عائشة: هل لك أن تأذني الليلة في عبادة ربي.. فقلت يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك، وقد أذنت لك.. فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ.. ولم يُكثر من صبِّ الماء.. ثم قام يصلي فقرأ القرآن.. وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقويه، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه، وجعل يبكي، ثم رفع يديه فجعل يبكي، حتى رأيت دموعه قد بلَّت الأرض، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة، فرآه يبكي، فقال يا رسول الله: أتبكي وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال يا بلال: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟! ثم قال: ومالي لا أبكي وقد أنزل الله عليَّ في هذه الليلة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ(190)﴾؟!.. ثم قال: "ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها!!".

 

ونحن يا أخي مأمورون..

أولاً: أن نتدبر في آيات الكون الواردة في كتاب الله تبارك وتعالى.

 

ثانيًا: لا نحاول أن نحمل القرآن على تأويلات هذه العلوم أو نحمِّله ما لم يعرض له من نتائج هذه البحوث، وعلينا أن نعلم أنه لم يصطدم بحقيقة علمية ثابتة.

 

ثالثًا: ما وصل إليه علماء الكون قليل من كثير، ولا زالت أمامهم مراحل علمية واسعة يقطعونها؛ حتى يعرفوا بعض حقائقه لا كله، فليس لنا أن نعترض بما وصلوا إليه على ما جاء في القرآن.

 

رابعًا: أن القرآن فارَقَ غيره من الكتب بأن جعل النظر في الكون مصدرًا من مصادر الإيمان، وأعطى النظر حريةً واسعةً في البحث والتأمل والنظر.. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.