الصفحة الرئيسة

وقفات مع تراث البنا

 

 

- الإمام البنا.. واضع نظريات العمل الإسلامي المعاصر (جديد)

- الإصلاح في فكر الإمام البنا

- البنا والقومية العربية.. عروبة في دائرة الإسلام

- البنا معلم الوطنية

 

 

البنا معلم الوطنية

 

الإمام البنا في مظاهرة في الأزهر

 

كتبت- أمل عز الدين

تعددت الدعوات والمذاهب الفكرية في عهد الإمام حسن البنا، ومن بينها دعوات الوطنية والقومية وغيرها من الدعوات التي فرقت القلوب وشتت العقول والأفكار.

 

وما كان البنا ليترك هذه الدعوات والقضايا الأساسية دون أن يقول فيها كلمته من توضيح لفكرتها ووزنها بميزان الإسلام الذي قامت عليه دعوة الإخوان المسلمين وبيان موقف الجماعة منها.

 

وقد أوضح البنا ذلك في رسالته (دعوتنا) حيث قال: (وموقفنا من الدعوات المختلفة التي طغت في هذا العصر ففرقت القلوب وبلبلت الأفكار أن نزنها بميزان دعوتنا فما وافقها فمرحبًا به وما خالفها فنحن براء منه ونحن مؤمنون بأن دعوتنا عامة محيطة لا تغادر جزءًا صالحًا من أية دعوة إلا ألمَّت به وأشارت إليه).

 

ومن بين هذه الدعوات التي افتتن الناس بها دعوة (الوطنية) فبدأ الإمام البنا يوجه التساؤلات لدعاة الوطنية عن مقاصدهم فأبلغ في إيجاز معاني الوطنية ثم أوضح موقف الإخوان من هذه الوطنية وكشف مواطن الخلاف الرئيسية بين مفهوم الوطنية لدى الإخوان المسلمين وبين مفهومها لدى دعاتها أو قل أدعياءها.

 

وفي السطور القادمة نحاول إلقاء الضوء على هذا المفهوم كما يراه الإمام الشهيد وكما طبقه الإخوان على أنفسهم فصاروا مثلاً يُحتذى في الوطنية بمعناها الأوسع والأشمل.

 

أولاً: الوطنية كما يراها دعاتها:

يؤكد البنا أن دعوة الوطنية قد ظهرت بين الشعوبِ العربية كردِّ فعلٍ للظلمِ الذي تعرَّضت له من قبل القوى الغربية من احتلال وسيطرة على مقاليد الأمور، وتمثَّلت هذه الوطنية في خطبِ الزعماء ومقالات الكتاب؛ حيث انبرت الأقلام والألسن في ثورةٍ حماسيةٍ تلهب مشاعر المواطنين.

 

ثانيًا: معاني الوطنية:

يرى الامام البنا أن الوطنية بمعناها الشامل تتسع لتشمل أكثر من معنى فهي:

 

- وطنية الحنين:

حيث يوجه البنا حديثه إلى دعاة الوطنية بأنهم إن كانوا يقصدون بالوطنية مشاعر الحب للأوطان فهذا أمر محمود ولا غبار عليه، بل إن الإسلامَ أمر به ويدلل على ذلك بأن بلالاً رضي الله عنه هتف وهو بالمدينة بأسمى آياتِ الحب والحنين لوطنه مكةَ ولم ينكر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك فكان ينشد:

 

ألا ليت شعري هل أَبِيتَنَّ ليلةً          بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليلُ

وهل أَرِدَنْ يومًا مياه مجنةٍ         وهل يَبْدُوَنْ لي شامةٌ وطفيلُ


بل إنَّ الرسولَ- صلى الله عليه وسلم- سمع وصف مكة من أصيل فجري دمعه حنينًا إليها وقال: "يا أصيل دع القلوب تقر".

 

- وطنية الحرية والعزة:

ومعناها بذل الجهد في تحريرِ الوطن من المغتصبين والسعي إلى استقلاله وتنمية حب الوطن والعزة والحرية في نفوس أبنائه، وهذا المعنى أيضًا لا يتعارض مع مبادئ الإسلام التي تؤكد عزة المسلمين وكرامتهم انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: من الآية 8).

 

- وطنية المجتمع:

أي تقوية الرابطة بين أفراد القطر الواحد وهذه أيضًا من مبادئ الإسلام فقد أمر الرسول المسلمين في حديثه بذلك فقال: "وكونوا عباد الله إخوانًا".

 

- وطنية الفتح:

أي فتح البلاد وسيادة الأرض، وهذا في الإسلام من أعظم الفتح وأكثره بركة ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (البقرة: من الآية 193).

 

وكل هذه المعاني السابقة تؤكد أن الإسلام يتفق تمامًا مع الوطنية بما يمكن معه القول إنَّ الوطنيةَ لم تخرج عن أنها جزء من تعاليم الإسلام.

 

- الوطنية الزائفة:

ثمة نوع آخر من الوطنية، وهو ما أشار إليه بالوطنية الحزبية، وهذا النوع مذموم لأنه يعتمد على تقسيم الأمة إلى طوائف تتناحر وتتبادل التهم والمكائد وفق الأهواء والمصالح الشخصية.

 

- ثالثًا: بين البنا ودعاة الوطنية:

يرتكز الخلاف الأساسي بين البنا ودعاة الوطنية في أمرين أساسيين:

 

1- حدود الوطنية: حيث إنَّ الوطنيةَ لدى البنا لا تعترف بالحدودِ الجغرافية بل تستند إلى العقيدة باعتبار أن كل بقعة من بقاع الإسلام بمثابة وطن للمسلمين عليهم تقديسه وحبه والجهاد في سبيله، وباعتبار أن كل المسلمين إخوة في هذا الدين، ومن ثمرات هذه الأخوة اتساع مفهوم الوطنية ليشمل مبادئ سامية، بينما يرى دعاة الوطنية أن حدودَ الوطنية تقف عند الحدودِ الجغرافية فلا مانع من أن تقوى دولة ولو على حساب دولة مسلمة أخرى.

 

2- غاية الوطنية: حيث إن غاية دعاة الوطنية هي تحرير بلادهم من المستعمر ثم تقوية الدولة ماديًّا، بينما غاية الوطنية عند البنا هداية البشر بنور الله وهو يجعلها أمانةً في عنق المسلم يُضحي من أجلها دون أن ينتظر عرضًا من مالٍ أو جاهٍ أو سلطانٍ، وبالتالي يكون المسلم أعمق الناس وطنيةًُ، لأنَّ الذي فرض عليه ذلك هو رب العالمين.

 

رابعًا: مراتب الوطنية في فكر البنا:

يكثر البنا في رسائله من كلمةِ الوطن وهو يعني به وطن الإسلام بمفهومه الشامل والعام، حيث يرى أن هذا الوطن في عُرف الإسلام يتدرج على مراحل:

 

1 - القطر الخاص أولاً.

2 - ثم يمتد إلى الأقطار الإسلامية الأخرى فكلها للمسلم وطن ودار.

3 - ثم يرقى إلى الدولة الإسلامية الأولى التي شادها الأسلاف بدمائهم الغالية العزيزة فرفعوا عليها راية لا إله إلا الله، ولا تزال آثارهم فيها تنطق بما كان لهم من فضلٍ ومجدٍ، فكل هذه الأقاليم يُسأل المسلم بين يدي الله تبارك وتعالى لماذا لم يعمل على استعادتها.

4 - ثم يسمو وطن المسلم بعد ذلك كله حتى يشمل الدنيا جميعًا ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كله للهِ﴾ (البقرة: من الآية 193).

 

وبهذا يوفق الإسلام بين شعور الوطنية الخاصة والعامة بما فيه خير الإنسانية جمعاء.

لذا نجد البنا يُلقي باللوم على بعض رجال الدين الذين اتخذوا مسلك الغرب فمالأوا الغاصبين وتجنوا على الوطنيين، وينبه الناس ألا يتخذوا هؤلاء ذريعة لتحويل الأمة عن دينها باسم الوطنية المجردة.

 

خامسًا: دوافع العمل للوطنية عند البنا:

كان الإخوان أشد الناس حرصًا على خيرِ وطنهم وتفانيًّا في خدمته حتى إن شاعرًا من شعرائهم قال:

 

ولست أرى سوى الإسلام لي وطنًا       الشام فيها ووادي النيل سيان

وكلمـا ذكـر اسـم الله فـي بلدٍ         عددت أرجاءه من لُبِّ أوطاني

 

وقد دعا البنا الإخوان إلى الالتزام بهذه الوطنية، ففي حديثه عن مصر يقول في رسالته (دعوتنا في طور جديد):

(إننا نعتز بأننا مخلصون لهذا الوطن الحبيب، عاملون له، مجاهدون في سبيل خيره، وسنظل كذلك ما حيينا معتقدين أن هذه هي الحلقة الأولى في سلسلةِ النهضة المنشودة، وأنها جزء من الوطن العربي العام، وأننا حين نعمل لمصر نعمل للعروبة والشرق والإسلام).

 

أما دوافعه لذلك فقد تحددت فيما يلي:

1. نكوص الدول الكبرى بعد انتصارها في الحرب العالمية بالمواثيق والعهود.

2. انصراف الناس عن الهيئات السياسية نتيجة انشغالها بالخصام والتفرق.

3. قوة الشعور الوطني لدى الشباب والمثقفين.

4. رغبة العرب والمسلمين في تنسيق الجهود الوطنية.

 

ولأن الإخوان قد قضوا سبعة عشر عامًا في الإعداد وإفهام الناس أن حبَّ الأوطان من الإيمان؛ لذا فقد انحصرت الثقة في الإخوان دون غيرهم مما جعل الوطنية ليست خيارًا لهم، بل واجبًا لإرشاد الناس، وبالتالي فإنَّ الجهادَ الوطني فرض عين على كلِّ الأفراد والهيئات.

 

سادسًا: البنا أستاذ الوطنية:

اتسمت الوطنية في شخصية البنا بملامح خاصة تمثلت في حبِّ الأوطان حيث بدأت بوادر الوطنية لديه إبان ثورة 1919م حين كان تلميذًا لم يتعد ثلاث عشرة سنة حيث كان يرى المظاهرات التي كانت تجوب البلاد وكان كغيره من الطلاب يشترك في هذه المظاهرات، وبشعور فياض حتى إنه بعد أن سمع الأحاديث عن لجنة ملنر وإجماع الأمة على مقاطعتها نظم قصيدة طويلة لا يذكر منها إلا بيتين اثنين:

 

يا ملنر ارجع ثم سل      وفدًا بباريس أقام

وارجع لقومك قل لهم     لا تخدعوهم يا لئام

 

وهو في مذكراته تجده يعبِّر في مواضعَ كثيرةٍ عن بلده الحبيب مصر بكلمة الوطن فتتكرر هذه الكلمة بشكلٍ يُوحي بشعوره الوطني المتأجج.
كما كان يعتقد أن الخدمةَ الوطنيةَ جهاد مفروض لا مناصَ منه؛ لذا كان يقوم بدور وطني بارز بين زملائه.

 

واستفزه كما استفز غيره ما كان عليه مكتب إدارة شركة قناة السويس من فخامةٍ مع استخدامه المصريين ومعاملتهم كالاتباعِ المضطهدين، وتحدَّث عن هذه المشاعر في مذكراته والتي كان لها "أثر كبير في تكييف الدعوة والداعية" على حدِّ قوله.

 

كما تجده مثلاً حين يتحدث عن العَلَم يؤكد أنه في ذاته قطعة قماش لا قيمةَ لها ماديًّا ولكنه يرمز إلى كل معاني المجد والسمو التي يقترن بها الوطن، وأن المسلم يجب عليه أن يحمي هذا العلم ويُعظِّمه ويحترمه باعتباره رمزًا لوطنيته.

 

وفي رسالته (نحو النور) يضع بعض الخطواتِ الإصلاحية التي تنمي الحس الوطني وتعمل لصالح الوطن ومن بينها:

- أنه دعا إلى حسن اختيار ما يُذاع أو يعرض على الأمة من برامج ومحاضرات وأغانٍ في الإذاعةِ أو التليفزيون كوسائل للتربية الوطنية الخلقية الفاضلة.

- ورأى أن وضع سياسة ثابتة للتعليم تؤدي إلى نهوض الوطن وترفع مستواه وتقرب بين الثقافات المختلفة في الأمة بتربية الروح الوطني.

- كما طالب بالعنايةِ بالتاريخ الإسلامي والتاريخ الوطني والتربية الوطنية وتاريخ حضارة الإسلام.

 

وتتجلى أيضًا وطنية البنا في دعوته إلى تشجيع الصناعة الوطنية حيث يقول: (ولا تلبس ولا تأكل إلا من صنع وطنك الإسلامي)، وبدا ذلك واضحًا حين قام بتأسيس معهد حراء الإسلامي فوق مسجد الإخوان، حيث اشترط للتلاميذ زيًّا خاصًّا هو جلباب ومعطف من نسيجٍ وطني وطربوش أبيض من صناعةٍ وطنيةٍ وصندل من صناعةٍ وطنية؛ وذلك ليعود التلاميذ على التمسكِ بالصناعات الوطنية منذ بداية نشأتهم.

 

ونجده أيضًا قد استصدر مجلة النذير في مايو 1938م، وقد ظهر منها واضحًا اتجاه الإخوان الوطني وابتداء اشتراكهم في الكفاحِ السياسي في الداخل والخارج.

 

كان هذا غيضًا من فيض وطنية البنا التي كان من أجمل ثمارها نشأة جماعة الإخوان المسلمين و التي حملت راية الجهاد والكفاح الوطني عبر قرنٍ كاملٍ والتي استشهد البنا في سبيلها، وسالت دماؤه على أرض هذا الوطن الحبيب الذي ملأ هواه قلبه فعلمنا معنى حب الأوطان.