header
[26-12-2010][16:18 مكة المكرمة] سجون مصر.. مدارس الجريمة!
 
         


 

- محمد المليجي: ليس لدينا برنامج إصلاح داخل السجون

- محمد زارع: تصنيف السجناء العام يزيد عدد المجرمين

- إمام حسين: السجن ليس وسيلة العقاب أو الإصلاح الوحيدة

 

تحقيق: الزهراء عامر

"تدريب وتهذيب وإصلاح".. عبارة تحرص وزارة الداخلية على وضعها في واجهة كافة السجون بمصر، إلا أن الواقع داخل تلك السجون لا ينفي تلك العبارة فقط، ولكن يناقضها ويفندها.

 

وبدلاً من أن تعمل فترة عقوبة الحبس لتهذيب المذنب وتخريجه إلى المجتمع وقد تخلَّص من سلوكياته ومعتقداته الخاطئة، أصبحت السجون المصرية مفرخةً للجريمة وللانحراف؛ حيث لا يتم تصنيف السجناء، ومن دخل في جنحة يخالط المسجون في جناية، فيخرج أكثر سوءًا وإجرامًا.

 

كما اختفى الأخصائي الاجتماعي من السجن واختفى معه دوره في دراسة سلوكيات السجين ومحاولة إصلاحها وتهذيبها، وإن وُجد فهو موظف من الدرجة الثالثة ليس له أية سلطة في اتخاذ أي قرار.

 

(إخوان أون لان) استعرض آراء الخبراء ليضع روشتةً بكيفية تطبيق برنامج الإصلاح والتأهيل داخل السجون.

 

مليون سجين

يقول محمد المليجي أخصائي الأمراض النفسية بمصلحة السجون: إن في مصر أكثر من مليون سجين، ويمكن تقسيمهم إلى ثلاثة؛ وهم: مجرم بالصدفة الذي ارتكب الجريمة دون الإعداد والتخطيط لها، والثاني: مجرم لأول مرة الذي خطط لارتكاب جريمته لأول مرة، أما الثالث: مجرم عتيد الإجرام.

 

ويضيف أن مصلحة السجون لا يوجد بها سوى برنامج إصلاحي واحد يتم تطبيقه على الثلاثة أنواع من السجناء، مؤكدًا أن هذا يعتبر خطأً فادحًا؛ لأنه لا يمكن أن يعمم البرنامج المُوحَّد للإعداد والتأهيل والتهذيب على جميع أنواع السجناء داخل السجون؛ لأنه يوجد أكثر من 35 مرضًا نفسيًّا يعاني منه السجناء، وبالتالي يختلف كل مسجونٍ عن الآخر.

 

ويشير إلى أن المجرم عتيد الإجرام يحتاج إلى برنامج متكامل في شكل مراحل تعليمية، ويتم تطبيقه على هيئة مواد دراسية مثل "دين، ثقافة، أخلاق، مهارات"، وهذا البرنامج لا يمكن أن يقوم به السجن بمفرده بل يحتاج إلى أكثر من مؤسسة تقوم بعمل ندوات وزيارات من أعضائها لهؤلاء السجناء لتغيير مفهومهم ونظرتهم للمجتمع، موضحًا أن الشخص الذي يرتكب جريمته يشعر حينها بإشباعٍ اجتماعي من نقص شيءٍ معين.

 

ويضيف أن الوضع الحالي للسجون ولبرنامج الإصلاح والتهذيب لا يمكن أن يعالج إلا مجرمَ الصدفة أو المجرم لأول مرة الذي لم يصبه مرض الإجرام.

 

ويكشف أن دور الطبيب النفسي غير مُفعَّل داخل السجون؛ لأن الأخصائي النفسي لا بد أن يقوم بالبحث والتنقيب عن المرضى النفسيين داخل الزنازين، فضلاً عن القيام ببعض الاختبارات الأولية لكل سجين، ولكن هذا لا يحدث بل ينتظر الطبيب حتى يأتي السجين إليه، أو يستدعي حل المشكلات التي يعاني منها المسجون.

 

ويشبه المليجي السجين عند دخوله للسجن بالطفل قليل الخبرة الذي يُشكَّل ويحتاج إلى تربيةٍ منذ بدايته، ولهذا يتطلب توفير قدرٍ كبيرٍ مثل الرعاية الاجتماعية والثقافية له ولذويه؛ لتغيير نظرته السلبية عن حياته وليدرك أن هناك قانونًا لا بد أن يُحترم، وأن الدولة على الرغم من أنه يوجد بها بعض العيوب فإن هناك مميزات، فضلاً عن حاجته إلى نوعٍ من الدفئ الاجتماعي.

 

ويشير إلى أن الحياة داخل السجن لا تختلف كثيرًا عن الحياة خارج السجن؛ لأنها عبارة عن مجموعة التشكيلات "متعلمين، ومهنيين، وجماعات إسلامية..."، وكل مسجون ينجذب إلى المجموعة التي يتجاوب معها ويكون لها تأثير عليه، وغالبًا ما تُشكِّل شخصيته في أول ستة أشهر في الحبس.

 

ويُلقي جزءًا من المسئولية على الدولة في تخليص المذنب من إجرامه، بمسئوليتها في زيادة الجوانب الاجتماعية في حياته عن طريق توفير فرص عمل له بعد الإفراج عنه؛ لضمان عدم عودته مرةً أخرى للجريمة.

 

تغيير شكلي

 الصورة غير متاحة

 محمد زارع

ويؤكد محمد زارع مدير مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء أن السجون المصرية تفتقد وجود الكثير من المعايير التي تتبنى سياسات التأهيل والتهذيب في السجون؛ ليخرج المذنب إلى المجتمع شخصًا سويًّا، فضلاً عن افتقادها الفلسفة العقابية ومنهجية التعامل مع المذنب.

 

ويقول إن مصطلح "مسجل خطر" ذاع صيته في الفترات الأخيرة بسبب عودة السجناء مرةً أخرى إلى جرائمهم بعد انتهاء فترة العقوبة، وهذا يدل على أن هناك فشلاً في المجتمع، وعلى رأسه النظام الحاكم.

 

ويرى أن التغيرات والطفرات والتحسينات التي شهدتها مصلحة السجون خلال الفترة الماضية معظمها تحسينات شكلية تهتم بالشكل العام وتفتقد للمضمون، فإذا كان المسئولون يتحدثون عن الطفرات التي شهدها سجن المرج لاحتوائه على العديد من الورش والمصانع التي تُعلِّم السجناء بعض الحرف وتُمكِّنهم من الحصول على دخلٍ مادي؛ فإنه يوجد في مصر أكثر من 40 سجنًا آخر لا يوجد بها مصانع أو ورش، وهناك مؤسسات أحداث تحتاج إلى تطوير.

 

ويضيف زارع أن المسئولين يحاولون لفت الانتباه والظهور بحديثهم عن وجود تغيرات، والواقع العملي يخالف ذلك، والدليل على ذلك حديث المسئولين عن مصلحة السجون عن وجود كابينة للتليفون تعمل بنظام العملة المعدنية في كل سجن ليستطيع المسجون أن يتواصل مع المجتمع الخارجي، ولم يتم تنفيذ هذه الفكرة بالشكل المطلوب حتى الآن، مؤكدًا أنه لو كانت توجد تحسينات حقيقية فإن عمرها الافتراضي يكون قصيرًا للغاية ولا تستمر.

 

ويُدين تجميل بعض السجناء وتزييفهم للواقع أثناء حديثهم مع وسائل الإعلام وكأنهم يتحدثون عن شيء آخر غير السجن وما يجدونه من رعاية صحية ورفاهية غير معتادة، ويتمنى كلٌّ منهم أنه لو يبقى طول عمره داخل السجن ولا يخرج منه أبدًا، موضحًا أن هذا الكلام مبالغٌ فيه وغير واقعي؛ لأنه لا يوجد عاقلٌ يُفضِّل القيدَ على الحرية.

 

ويعدد زارع المشكلات التي تقف في وجه الإصلاح داخل السجون؛ منها التكدس الشديد والزحام الذي يؤدي إلى تفشي الأمراض وسوء التصرفات وسوء الخلق، بجانب عدم التصنيف بين السجناء ووضع مَن ارتكب جرائم صغيرة عن طريق الخطأ، مع مَن اعتاد الإجرام فيتحول السجن من مكانٍ لقضاء العقوبة إلى مكانٍ يتعرَّف فيه المجرمون على بعضهم البعض، ما يؤدي إلى وجود العديد من المشكلات في التأهيل؛ لأن الشخص الذي ارتكب جريمةً خطيرةً ربما يحتاج إلى معاملةٍ لا يحتاج لها الشخص المذنب عن طريق الخطأ.

 

وينتقد سياسة التعامل بالقسوة وعدم مغفرة أخطاء المذنبين داخل السجن وخارجه ومعاملتهم معاملةً غير آدمية، بإجراءاتها التعسفية التي تقف حائلاً في وجه محاولتهم العيش بشكلٍ شريفٍ بمطالبتهم تقديم "فيش وتشبيه" كشرطٍ لتعيينه في وظيفة، وإن كان عاملاً وتضيع عليهم هذه الفرصة، ولم يقتصر الأمر على الحكومة فقط، بل انتقلت هذه الأفكار إلى رجال الأعمال.

 

ومن وجهه نظره يرى أنه للقضاء على هذه المشكلة لا بد أن تقوم الدولة بإنشاء مؤسسات صناعية يعمل بها المساجين خلال أداء فترة عقوبتهم، ويستمر العمل فيها بعد أن ينفذ قرار الإفراج عنه، لمساعدة هؤلاء السجناء ليعيشوا حياةً كريمةً، بجانب استخدامهم في استصلاح بعض الأراضي الزراعية ومَن يزرع وينتج تعطيه الدولة الأرض كنوعٍ من التحفيز، موضحًا أنه إن لم تغير الحكومة أسلوب تعاملها مع هؤلاء الفئة فستظل الأمور كما هي.

 

تغيرات نسبية

ويؤكد د. إمام حسين أستاذ القانون الجنائي بالمركز القومي للبحوث الجنائية أن إصلاح الشخص وتأهيله داخل السجون يتوقف على مدى رغبة الإنسان في التغيير وتحسين أوضاعه، وبذلك مهما وجدت برامج إصلاحية لا يمكن أن تغير مَن لا رغبةَ له في التغيير.

 

ويشدد على ضرورة التفريق بين المجرم العارض الذي دفعته الظروف لارتكاب جريمته ومحترفي الجرائم مثل جرائم القتل والمخدرات الذين لا يهتمون بالتغيير، وهذا يحدث في جميع دول العالم.

 

ويرى أن السجون المصرية خلال الفترة الماضية شهدت تطورًا ملموسًا إذا ما قُورنت بالسجون في الأعوام السابقة، وأبرز هذه التغيرات إقامة مصلحة السجون "منتدى ثقافي" استمر ثلاثة أيام داخل سجن المرج، موضحًا أن هذه التغيرات لا تعني أن السجون في مصر وصلت إلى درجةٍ من الكمال.

 

ويشير إلى أنه لا يعقل أن تتوفر في السجون كل مظاهر الرفاهية، وكل ما يحرم منه الإنسان خارج السجن؛ لأنه لا بد أن يحقق السجن نوعًا من التخويف، أو القهر النسبي لمرتكبي الجريمة، ولو وصلت السجون إلى منتجعاتٍ فسنجد أن كل مَن تصادفه أزمةً يرتكب جريمةً ليدخل السجن.

 

ويؤكد أن برنامج الإصلاح والتأهيل والتهذيب لا يقتصر على فترة العقوبة بجعل السجين يعمل ويحقق مكاسب مادية ليصرف على أسرته فحسب، بل لا بد أن تتم إعادة تأهيله بعد الإفراج عنه لمساعدته في تغيير نظرة الناس إليه.

 

ويوضح أنه لا تتحسن أحوال السجون إلا ببناء سجون جديدة للتناسب مع عدد المسجونين، وتقلل من الزحام الموجود، وكل مسجون يأخذ حقَّه، بجانب مراعاة الإشرافات الصحية من تهويةٍ وتغيير، فضلاً عن الاهتمام بالعاملين في السجون من ضباط وأخصائيين اجتماعيين ونفسيين، وسجان، وتدريبهم على كيفية التعامل مع هذه الفئة من المجتمع.

 

ويؤكد أن العقاب ليس الوسيلة الوحيدة لعلاج الشخص فلا بد من اتباع الأساليب الأولية لتقليل معدل الجريمة والقضاء على المشكلات التي تؤرق المواطنين مثل البطالة والفقر، ويرى أن أهم العوامل التي تؤدي إلى عودة المخطئ مرةً أخرى إلى ارتكاب الجرائم هو نظرة المجتمع إلى الشخص المُفرَج عنه على أنه شخصٌ خارجٌ على القانون، وبالتالي يرفضون التعامل معه.


جميع الحقوق محفوظة لإخوان أون لاين 2002-2011