د. الواعي يكتب: سالم البهنساوي الفارس الذي ترجَّل

د. الواعي يكتب: سالم البهنساوي الفارس الذي ترجَّل

 

بعد أن صلى فجر الجمعة وفرغ من ختم الصلاة ودعا الله بما شاء له أن يدعو.. أسلم الروحَ لباريها، فهدأت النفس الذكية، وصَعَدت الروح الطاهرة، وتوقَّف القلب الصافي الرحيم، وسكنت العروق النابضة بالحياة المضيئة، وانطفأ وهْج العقل والفكر المنير، وارتعش القلم المجاهد ثم همَد همودَه الأخير، وارتاحت الحروف على صدور السطور المشوقة إلى البيان الذي ولَّى والعلم الذي توقف والنبع الذي غاض.

 

ما كان الأستاذ المستشار سالم البهنساوي رجلاً عاديًّا، وإنما كان إنسانًا ذا طبعٍ ملائكي النزعة، إذا خالطته خالطت رجلاً صافيًا كماء المُزن، رقيقًا كأوراق الزهر، تلمس فيه الحنان والرقة والحدب والحب، وتحس فيه الإخلاص والأبوَّة والودّ، وإذا ناقشته وجدت علمًا غزيرًا، وأدبًا جمًّا، وأُفُقًا واسعًا، ونظرًا ثاقبًا، ومعرفةً غامرةً، يحيط بزمانه، ويلمُّ بواقعه، يملك زمامَ نفسه، ويدري وقعَ خطوه، ويعرف كيف يسير وسط الأشواك في أيام نحسات، يتعدَّى المزالق، ويختار الدروب، ويوجِّه بدون إحراج، ويعلِّم بمنطق القدوة، ويربِّي بأساليب الحب، ويدعو ببصيرة وحنكة، ويردُّ بصبر وأناه، وفقه وحكمة، انضمَّ إلى جماعة الإخوان المسلمين مجاهدًا بقلمه وعلمه لإحياء رسالة الإسلام التي أُقصيت عن المجتمع ونُحِّيت عن الصدارة وعمل على إقصائها عليها شياطين الإنس والجن من غيرنا ومن بني جلدتنا.

 

ولقد أرَّقه كثيرًا تخلف الأمة، وتبديد هويتها، وخمود رجولتها، وترْك رسالتها، واندثار ثقافتها، وضياع عزتها، وموت إرادتها، واستسلام ريادتها، وهالَه بشدةٍ ضلالُ مثقفيها، وحِيرةُ موجِّهيها، وشرود شبابها ومعلميها، وآلَمَه وأقضَّ مضجعَه موجاتُ الغزو الثقافي، وعواصفُ التقليد الأعمى، واستبدالُ الذي هو أدنى بالذي هو خير، وتبنِّي الإعلام التائه دعوات التغريب والتسيُّب، وتقديمه سُمًّا زعافًا للعامة الغافلين والسكارى من المتعلمين على أنه حضارةٌ ومدنيةٌ وتقدمٌ وحريةٌ، وألَّف في ذلك كتابَه القيِّم "تهافت العلمانية في الصحافة العربية" الذي فضَح فيه التهافت العلماني الضالَّ في صحافة الأمة التي تُعتبر أداةَ التوجيه الكبيرة في الشعب، والتي يسيطر عليها للأسف الشديد الرءوس الداعية إلى نبذ عقائد الأمة وتبديل هويتها، فكان بحق نِدًّا قويًّا، ومحاورًا مقتدرًا عنيدًا.

 

ولأن الرجل كان موسوعيَّ الثقافة متمكنًا في العلم والبحث، فقد خاض لججًا كثيرةً وأَبحرَ في محيطات عميقة، وخرج منها بصيد كبير وفوزٍ عظيم، يُفرح المؤمنين، ويسرُّ المخلصين، وكان بعلمه بحرًا محيطًا في أحشائه الدرُّ كامنٌ، وغوَّاصًا ماهرًا يعرف كيف يقتنص اللآلئ ويصطاد الحيتان، فكان بحقٍّ شهابًا ساطعًا في سماء ملبَّدة بالغيوم، وصخرةً عاتيةً تتكسَّر على حوافِّها موجاتُ الضلال العاتية.

 

وخرجت مؤلفاتُ الرجل لتنير الطريق للداجين، وتَصُدَّ الدمار عن الآمنين، ولقد بلغت تلك المؤلفات حوالي العشرين، وكان من أشهرها:

1- قوانين الأسرة.               2- مكانة المرأة بين الإسلام والقوانين العالمية.

3- الغزو الفكري للتاريخ والسيرة.    4- تهافت العلمانية في الصحافة العربية.

5- شبهات حول الفكر الإسلامي المعاصر.  6- الحقائق الغائبة بين الشيعة والسنة.

7- الخلافة الراشدة بين الشورى والديمقراطية. 8- الشريعة المفترى عليها.

 

وكان كتابه القيم "الحكم وقضية تكفير المسلمين" المرجع الأول في العصر الحاضر في كشْف مناهج وأفكار التكفير مقارنةً بالحكم الشرعي من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الصحابة- رضوان الله عليهم- ولهذا وصف الباحثون هذا الكتاب بأنه أوسع وأشمل ما صَدَر من الكتب في كشف ودرءِ هذه الفتنة في عصرنا الحاضر، كما تميَّز بعلاج تلك المشاكل بالإنصاف والدقة.

 

ولقد تصدى الأستاذ المستشار سالم البهنساوي- رحمة الله عليه- لأربع طبقات في الأمة:
الطبقة الأولى: طبقة الموجّهين من الاستعمار من العلمانية اللادينينة، وقد تولى الرد عليها وبيان زيف إدعاءاتها.

 

الطبقة الثانية: طبقة المخدوعين الذين لا يملكون إلا الإذعان، وهي طبقة المتدينين من الجماهير، وهولاء تولى تنويرهم وبسط الحقائق أمامهم حتى يستيقظوا وينهضوا.

 

الطبقة الثالثة: طبقة تنتسب إلى الدعوة الإسلامية وتقتات منها، ولا مانع عندها أن تداهن وتناقض على حساب دينها، حتى إن بعضهم أفتى بأن الشيوعية لا تتعارض مع الإسلام عام 1965، وقد وقف أمامهم وأبان زيفهم وإفكَهم للقاصي والداني.

 

الطبقة الرابعة: طبقة المغالين والمنحرفين عن النهج القويم والصراط المستقيم الذين كفَّروا المجتمع وأوغلوا في دماء المسلمين، وتولى كشف زيفهم وانحراف عقيدتهم وسوء صنيعهم بما لم يُسبق إليه.

 

وكان من سوء الطالع أن مثال هؤلاء المخلصين المجاهدين أُهينوا كما أهين الدِّين الجريح، ولم تكن لهم حظوةٌ لدى الشعوب المنحوسة، فلا يتقلدون المناصب العليا في الإعلام أو الثقافة، وإنما ينالهم الاضطهاد وتُفتح لهم أبواب السجون والمعتقلات، وقد اعتُقل الرجل سنة 1954 واعتُقل في سبتمبر سنة 1965 تنفيذًا لقرار جمال عبد الناصر 6/9/1965 الذي أعلنه من موسكو أثناء زيارته للاتحاد السوفيتي ضمن ثلاثين ألفًا من الإخوان المسلمين، وتنقل في السجون والمعتقلات، في أبو زعبل، والسجن الحربي، وسجن ليمان طرة، وناله من العذاب والعنَت الشيء الكثيرة وحُقِّق معه في انتقاده للشيوعية، وظلَّ في معتقله الأخير ست سنوات حتى مات جمال عبد الناصر وبدأت تصفية المعتقلات.

 

هذا وكان الأستاذ سالم البهنساوي- رحمه الله- ذا بصيرةٍ وفقهٍ عميقٍ، ظهر ذلك في مواقف عدة، منها فهمُه لما كتبه الأستاذ سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق"؛ حيث فصَّل ما كتبه الأستاذ سيد، وأبان جوانب الحق فيه، وفَهِم مرادَ الرجل السابق لعصره، وألَّف في ذلك كتابه "أضواء على معالم في الطريق".

 

ثم ألقى كذلك الضوءَ على تفسيره "في ظلال القرآن"، ذلك التفسير غير المسبوق في عصرنا الحاضر، وألَّف المرحوم البهنساوي كتابه الثاني "سيد قطب بين العاطفة والموضوعية" فأثلج الصدور، وأراح النفوس، وأضاء الحقائق، وذبَّ عن رجل مات شهيدًا في سبيل دينه وعقيدته رحمه الله.

 

وسيلتقي الصالحون في رياض الجنة إن شاء الله ويسلِّم الحبيب على حبيبه، وأظنُّ أن الأستاذ سيد سيكون إن شاء الله في استقبال حبيبه سالم البهنساوي ويكون الشوق والعناق في دار الخلد والبقاء، ولتجتمع وفود الدعاة والعاملين والحاملين للرسالة بمحمد وحزبه، فيزول العناء، وتنقشع سُحب البلاء عند مليك مقتدر.

 

فهنيئًا لك أيها المجاهد العظيم الذي أراد الله له أن يعيش في كنف دعوته، حاملاً لرسالته، مكافحا أبيًّا عظيمًا، وتأبى إرادةُ الله سبحانه إلا أن يفارق الأستاذ سالم الحياةَ واقفًا مكافحًا منافحًا عن دينه في مؤتمر إسلامي في أقاصي المعمورة، فوقع أجره على الله؛ لِيَعظُم الأجر ويكثر الثواب؛ وليكون مثلاً حيًّا لدعوته ولشباب أمته وشيوخها، ورائدًا في هذا الدرب، وقائدًا للمسيرة الخيِّرة.

 

أخي وحبيبي ورفيق دربي وصنو نفسي.. كم نعمنا بصحبتك، وسعدنا بمعاشرتك، وتمتعنا بأخوَّتك، ونِلنا ما نلنا من حنانِك وعطفِك وكرمِك، وهذا ما صعَّب علينا الفراق، وفطَّر منا القلب، وأسكب منا الدموع، وأذهل منا النفوس، ولكنها إرادة الله وقدَرُه، والكأس المورود الذي ليس منه مهرب أو محيد..

أي يوميَّ من الموت أفرّ            يوم لا قُدِّر أم يوم قُدِّر

يوم لا قُدِّر لا أرهبه                  ومِن المقدور لا ينجو الحذَر

 

سلام عليك أخي وحبيبي، سلام عليك في الأولين والآخرين، وأبلِغ سلامَنا للرسول وصحبه، وأهل الإيمان وحزبه، وإنا على الدرب سائرون، وعلى الطريق مجاهدون، وبالله مستعينون، وإنا لله وإنا إليه راجعون!!

التعليقات