السينما والمسرح في فكر الإمام البنا

السينما والمسرح في فكر الإمام البنا

 

بقلم: عصام تليمة

ربما يستغرب القارئ للوهلة الأولى من عنوان الموضوع، فما شأن الإمام البنا والفن؟ وهل فعلاً كانت له تجربة في الفن؟ وهل هذه التجربة ثرية لدرجة أن تستحق التناول، ويوجد فيها مادة تجعلها جديرة بالبحث؟!

 

هذه الأسئلة التي ربما يثيرها عقل القارئ أثارها عقلي عند دراستي للموضوع عند الإمام البنا رحمه الله، ولكني بعد أن انقدحَت محاور الموضوع في رأسي رأيت أنه بالفعل موضوع حريٌّ بأن يُبحَث، وأن يناقَش ويُثار، وهو من الموضوعات القلائل التي نأى الباحثون بأنفسهم وأقلامهم عن البحث فيها، إما لوضع نتائج مسبقة قبل البحث بأن علاقة البنا بالفن لن تتجاوز حدود إصدار فتوى، أو العروج من قريب أو بعيد بالفن من حيث الحل والحرمة لا أكثر.

 

وقد كنت نويت أن أجعل الحديث عن البنا وتجربة الفن بما للفن من مجالات رحبة، ومن حيث تقسيم الفن إلى فنون صوتية، وحركية، ويدوية (انظر في تقسيم الفنون: فلسفة الجمال والإبداع الفن للدكتور محمد علي أبو ريان/ الطبعة الخامسة- الإسكندرية: دار الجامعات العربية 1997م، وحكم العمل بالفن للدكتور صالح بن أحمد الغزالي ص 31- 34، طبعة دار الوطن السعودية)، وتناولت من الفنون الصوتية فن الغناء والإنشاد وفن النكتة، ومن الفنون الحركية فن التمثيل، ومن الفنون اليدوية فن التصوير والرسم الكاريكاتوري، ولكني وجدت أن صفحات البحث ستطول كثيرًا إذا أفردت لكل ألوان الفن عند الإمام وجماعة الإخوان المسلمين حديثًا مفصلاً، فاكتفيت بالحديث عن فن التمثيل ومسرح الإخوان.

 

مكانة الفن في دعوة الإخوان

لم يقف الإمام من الفن مجرد المنظر أو مبدي الرأي الفقهي، أو الداعي نظريَّا إلى تبني الفن، دون الولوج إلى ذلك عمليًّا، بل ربما سبق عنده جانب التطبيق الجانب التنظيري، وليس معنى ذلك أنه لم يكن معنيًّا بذلك بل لم يكن معنيًّا بالوقوف كثيرًا عند الإسهاب في التنظير، ما دام قد اقتنع بشرعية فعل الشيء، وهذا ما حدث معه رحمه الله، فقد جعل للفن مساحةً ليست بالصغيرة في دعوة الإخوان المسلمين، فأنشأ فرقةً مسرحيةً- بل أنشأ فرقًا مسرحيةً- لعل أبرزها وأشهرها فرقة القاهرة، فقد أنشأ الأستاذ البنَّا في معظم شعب الإخوان المسلمين فرقًا مسرحيةً، كشعبة السيدة عائشة، والتي قدمت عددًا من المسرحيات للناس، منها ما هو تاريخي، ومنها ما هو خلقي، ومعظمها كان من اللون الفكاهي النظيف الراقي (من لقاء على الإنترنت مع الدكتور صلاح عبد المتعال).

 

بل إن أول رسالة صدرت تهاجم الفن والتمثيل عند جماعة الإخوان المسلمين كانت بسبب مسرحية قامت بها شعبة طنطا، وقد نما إلى علم المؤلف أن هذه الفرقة المسرحية في شعبة طنطا قد قامت بتمثيل قصة (الذبيح إسماعيل عليه السلام) وأنهم جاؤوا على المسرح بكبش، ومثَّلوا شخصية إسماعيل عليه السلام (انظر: مقدمة إقامة الدليل على حرمة التمثيل لأبي الفيض أحمد بن الصديق الغماري/ دار مرهبان للطباعة)؛ مما حدا بالمؤلف أن يهاجم هذا الموقف، ويهاجم أن يكون في دعوة إسلامية فرقةٌ مسرحيةٌ من الأساس، اعتمادًا على أن التمثيل يرتكز بالأساس على الكذب، والكذب كبيرة من الكبائر، لا يجوز للمسلم أن يتخذَها سلوكًا ولا مهنةً، حتى وإن كانت من باب الترفيه!!

 

كما كان للأستاذ البنا نهجٌ في جريدة (الإخوان المسلمون) اليومية لم أرَه في أية صحيفة إسلامية أخرى في مثل هذا الوقت ولا فيما بعد، فقد كان يكتب في إحدى صفحات الجريدة اليومية برامج الإذاعة المصرية بدايةً بالقرآن الكريم، وكان يضع تحت عنوان الباب قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُوْلاً﴾ (الإسراء: 36).

 

مسرح الإخوان المسلمين

يُعتبر مسرح الإخوان المسلمين أولَ مسرح تُنشئه جماعةٌ إسلاميةٌ في مصر، فقد نشأ في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، وقد تولَّى هذا الأمر الأستاذ عبد الرحمن البنا- شقيق الأستاذ البنا- المعروف بميوله الأدبية، وصدرت له عدة مسرحيات ومؤلفات أدبية، وكانت أُولى مسرحيات مسرح الإخوان المسلمين مسرحية (جميل بثينة) وقد أَنتجت المسرحية لجنة تشجيع التمثيل التابعة لوزارة المعارف (التربية والتعليم)، وقرَّرت إخراجَها على نفقتها عام 1934م، وقد نجحت المسرحية الأولى للإخوان المسلمين نجاحًا باهرًا؛ مما حدا بأحد الباحثين وهو الدكتور شوقي قاسم في رسالته للدكتوراه (الإسلام والمسرح المصري) أن يقرر أن مسرحية (جميل بثينة) قد صارت موضعَ المقارنة مع درَّة أمير الشعراء (مجنون ليلى) (انظر: مسرح الإخوان المسلمين.. البداية رومانسية للأستاذ أحمد زين.. مقال منشور على موقع (إسلام أن لاين. نت) بتاريخ: 19/8/2003م).

 

هذا عن دلالة نجاح المسرحية من حيث التأليف، أما من حيث الحرفية المسرحية فيكفي أن نقف على أسماء النجوم المشاركين في المسرحية، فمنهم: جورج أبيض، وأحمد علاَّم، وعباس فارس، وحسن البارودي، وفتوح نشاطي، ومحمود المليجي، ومن العناصر النسائية: فاطمة رشدي، وعزيزة أمير (انظر: المرجع السابق).

 

تبع هذا العمل عدة أعمال أخرى، وبدأ الأستاذ البنا في تعميم تجربة إنشاء الفرق المسرحية، من المحترفين أو الهواة على حدٍّ سواء، كانت الفرقة الأم الكبرى في القاهرة، وكانت هناك فرق أخرى عن طريق قسم الطلبة في الإخوان، وذلك بتمرين طلبة القسم الثانوي على الأداء المسرحي (مقابلة مع الأستاذ فهمي هويدي في إستانبول بتاريخ: 10/7/2006م)، وتم تعميم الفكرة على معظم شُعَب الإخوان في بقية المحافظات، لتكون بديلاً للريف المصري والمناطق النائية عن المسارح والسينمات، ولغرس أهداف وقيم تصل سريعًا عن طريق الفن أكثر من أي وسيلة أخرى، وقد ذكر الأستاذ محمود عبد الحليم تجربتَه الشخصيةَ في هذا المجال المسرحي؛ حيث يقول رحمه الله: "لم يكن بـ(فوة) في تلك الأيام أية مؤسسة من مؤسسات الترفيه، فلا سينما ولا مسرح، وقد رأيتها فرصةً سانحةً لنقل الأفكار الإسلامية إلى عقول الفلاحين وعقول الناشئة وأهليهم، فصُغْت من أحداث نفي مشركي قريش لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولبني هاشم في شعب من شعاب مكة مسرحيةً، وكنت قبل قد وضعت أحداث معركة القادسية في مسرحية طويلة، وكانت هاتان المسرحيتان باللغة الفصحى، فرأيت أن أضع بجانب ذلك مسرحيةً باللغة العامية لتخاطب عامة الناس، وجعلت هدفها معالجة ما درج عليه الفلاحون، وفي ذلك الوقت من الاستدانة بالربا من اليهود الذين أنشأوا مكاتب في المدن ويبعثون بمندوبهم إلى القرى والعِزَب للإيقاع بهؤلاء الفلاحين العوام، ولما كانت مسرحية القادسية طويلةً فقد اجتزأت فصلها الأخير.

 

وقد استغرقت وقتًا طويلاً في تدريب مجموعة من شباب الشعبة على التمثيل؛ حتى أتقن كلٌّ منهم الدور الذي أسند إليه تمام الإتقان (انظر: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ 1/288،289).

 

وقد أدت الفرقة التي كوَّنها الأستاذ محمود عبد الحليم في بداية الأربعينيات في ريف البحيرة أكثر من مسرحية، وكان من ثمرتها: أن عدلت من مسار كثير من الناس، وكانت سببًا في افتتاح شُعَبٍ كثيرة على حد قوله (انظر: المصدر السابق (1/289)).

 

 الصورة غير متاحة

الفنان محمد السبع

واستمر مسرح الإخوان المسلمين في تقديم أعماله، بل رأينا من بين فنانيه عددًا ليس بالقيل من عمالقة الفن المصري فيما بعد، مثل: عبد المنعم مدبولي، وإبراهيم الشامي، وسراج منير، ومحمود المليجي، ومحمد السبع، وعبد البديع العربي (انظر: مسرح الإخوان المسلمين لأحمد زين، والإخوان والفن لحسان تمام)، وشفيق نور الدين، وسعد أردش، والأخَوَيْن: حمدي غيث، وعبد الله غيث (مقابلة مع الدكتور صلاح عبد المتعال على الإنترنت، ومقابلة مع الدكتور سليمان صالح أستاذ الإعلام بجامعة قطر)، وإبراهيم سعفان (ذكر لي ذلك أستاذنا الشيخ القرضاوي، ثم سجله في مذكراته في الجزء الأول منها) وغيرهم.

 

علاقة البنا بالفنانين

كما كوَّن البنا علاقةً بالفنانين الذين تيسَّر له الوصول إليهم، فقد كان يتعامل مع الفنانين بروح أخرى غير ما كان يتعامل بها معظم إسلاميِّي عصره، من روح المقاطعة وعدم إقامة أي علاقة معهم، ولا حتى الحرص على السلام عليهم، بل السخرية أحيانًا والتنقُّص من امتهانهم للتمثيل، على عكس البنا رحمه الله، فقد أقام البنا علاقاتٍ مع الفنَّانين، تركت أثرًا طيبًا عن دعوة الإخوان في نفوسهم، سواءٌ كانت العلاقة بلقاءٍ عابرٍ لا يفوته فيه غرسُ معنًى من معاني الإسلام الحسنة، أو بإقامة علاقة توادّ وتودُّد معه، أو بظهور الدعوة أمامه بمظهر لا يدعوه للريبة من حملتها.. أذكر من هؤلاء الفنانين ثلاثة فقط، هو ما وصلتُ إليه من خلال بحثي وتنقيبي في هذا الأمر، إضافةً إلى أعضاء فرقة مسرح الإخوان المسلمين من الفنانين.

 

1- أنور وجدي

أما أولهم فهو الفنان أنور وجدي، الذي كان له صيتٌ ذائعٌ في فترة الأربعينيات من القرن العشرين، والذي كان يلقَّب بفتى الشاشة، وله جمهورُه المتابع لفنه، يقول الدكتور محمود عساف:

"في يوم من أيام صيف عام 1945م وكان الجوُّ صحوًا، ونسمة خفيفة تداعب الشجر في ميدان الحلمية الجديدة، ذهبت إلى الأستاذ الإمام كعادتي كل يوم أتلقَّى تعليماته فيما يتصل بالمعلومات، وكان في ذلك الوقت غير مشغول بضيوف أو أعمال لها صفة الاستعجال، قال لي: "قم بنا نذهب إلى البنك العربي لنفتح حسابًا للإخوان هناك"؛ إذ لم يكن للإخوان حساب بأي بنك حتى ذلك الوقت.

 

توجهنا إلى مكتب رئيس البنك وكان يتبع سياسة الباب المفتوح للعملاء، ويستطيع أي عميل أن يدخل إليه بغير استئذان، دخلنا وألقينا السلام، وجلسنا على أريكة مواجهة للمكتب، وكان هناك رجل جالس على مقعد مجاور للمكتب وظهره منحرف نحوَنا، وكان يتحدث مع شومان بك (رئيس البنك) وفي انتظارنا صامتين إلى أن تنتهي تلك المقابلة، فاجأنا شومان بك بقوله: "أهلاً وسهلاً" بصوتٍ عالٍ جعل الجالس إلى مكتبه ينظر نحوَنا، وإذ بذلك الجالس ينتفض واقفًا ويهتف: "حسن بك؟! أهلاً وسهلاً يا حسن بك، ثم تقدم نحوَنا مصافحًا الإمام ثم إياي، ثم جلس على مقعد مجاور للإمام وقال: "أنا أنور وجدي.. المشخصاتي.. يعني الممثل.. طبعًا أنتم تنظرون إلينا ككَفَرة نرتكب المعاصي كل يوم، في حين أني والله أقرأ القرآن وأصلي كلما كان ذلك مستطاعًا".

 

كانت مفاجأةً لي، فلم نكن ننادي الإمام أو نشير إليه إلا بقولنا: فضيلة الأستاذ.. أما حسن بك، فقد كانت نشازًا.

 

قال له الإمام: يا أخ أنور أنتم لستم كفرة ولا عصاة بحكم عملكم، فالتمثيل ليس حرامًا في حد ذاته، ولكنه حرامٌ إذا كان موضوعه حرامًا، وأنت وإخوانك الممثّلون تستطيعون أن تقدموا خدمةً عظمى للإسلام إذا عملتم على إنتاج أفلام أو مسرحيات تدعو إلى مكارم الأخلاق، بل إنكم تكونون أكثر قدرةً على نشر الدعوة الإسلامية من كثير من الوعَّاظ وأئمة المساجد.

 

إني أرحِّب بك وآمل أن تحضر لزيارتنا بدار الإخوان المسلمين بالحلمية الجديدة لنَتَبَادَلَ الرأيَ حول ما يمكن أن تُسهموا به في نشر الفضيلة والدعوة إلى الله" (انظر: مع الإمام الشهيد حسن البنا للدكتور محمود عساف ص 39- 41) عندما سمع أنور وجدي هذا الردَّ الجميل من الإمام البنا بكى أنور وجدي وقبَّل يده ورأسه (انظر: حوار مع الحاج محمد نجيب عن ذكرياته عن البنا المنشورة على موقع (إخوان أون لاين. نت) بتاريخ 14/8/2006م..) بعدها رأينا لأنور وجدي (ليلى بنت الفقراء) (انظر: مع الإمام الشهيد حسن البنا ص 41).

 

2- حسين صدقي

والفنان الآخر هو حسين صدقي، الذي يشير بعض معاصري البنا إلى علاقة بينه وبين البنا في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، قبل وفاة البنا ببضعة شهور، وأكمل الأستاذ سيد قطب المشوار الدعوي معه؛ إذ كان يسكن بجواره الفنان حسين صدقي رحمه الله، وقد ذهب إليه يخبره أنه ينوي اعتزال التمثيل، وتركه نهائيًّا، فقال له سيد قطب: إنني أكتب عشرات المقالات، وأخطب عشرات الخطب، وبفيلم واحد تستطيع أن تُنهي على ما فعلته أنا أو تقوِّيه.. أنصحُكَ أن تستمرَّ ولكن بأفلام هادفة.

 

وبالفعل قدَّم حسين صدقي بعد ذلك فيملين: الأول ضاع عن ذهني اسمه، وقد مثَّل فيه معه حسن فايق وعزيزة حلمي وماجدة، وكان يدور حول علاقة الأب بأبنائه، وأسلوب التربية الخطأ، وقد دخل هذه الأسرة المفكّكة فأقام علاقةً جيدةً بالأولاد؛ مما كان سببًا في تحسين علاقتهم بأبيهم وربهم.

 

أما الفيلم الآخر فهو فيلم: (الشيخ حسن) ولم أرَه، ولا يعرضه التلفزيون المصري، فقد صادرته الرقابة آنذاك، ولكني رأيت إعلانَه في الجرائد القديمة، وقد رأيت صورة حسين صدقي يرتدي الزيَّ والعمامة الأزهرية، وشاركته في البطولة ليلى فوزي.

 

3- عمر الشريف
 
 الصورة غير متاحة

 عمر الشريف

أما الفنان الثالث الذي يبدو أن البنا والإخوان أقاموا معه علاقةً وتعاملاً، أو رأى منهم سلوكيات تشعره بموقفهم تجاه الفن؛ مما أثَّر في رأيه تجاه الإخوان بالإيجابية، فهو الفنان العالمي المصري المعروف عمر الشريف، الذي هاجت الدنيا بعد فوز الإخوان في انتخابات البرلمان المصري في نوفمبر 2005م، متخوفين من موقف الإخوان تجاه الفن والثقافة، فصرَّح عمر الشريف أكثر من مرة بأنه لا أساسَ لهذا الخوف من الإخوان، فهو يعرفهم من قديم، وهم ليسوا ضد الفن، ولا شكَّ أن هذه الصورة تكوَّنت لديه من نهاية الأربعينيات وبدايات الخمسينيات، كما ذكر في تصريحه، فقد غابوا بعد ذلك فترة طويلة وراء السجون، إلى منتصف السبعينات (انظر: موقع عشرينات بتاريخ 4/12/2005م).

 

البنا والفن اليدوي

أما عن البنا والفن اليدوي والمتمثل في التصوير الفوتوغرافي والرسم وغيره، فموقف البنا فيه موقف معروف، فلم يكن ضد التصوير الفوتوغرافي ولا ضد الرسوم الكاريكاتورية، فمن أول مجلة أنشأها الإمام استخدم فيها الصور، وهي مجلة (جريدة الإخوان المسلمين) ففي السنة الأولى منها فاجأ البنا الجميع بأمر لم يكن مألوفًا في المجلات الإسلامية، فقد أعلن عن إنشاء قسم الأخوات المسلمات في جماعة الإخوان المسلمين، فكتب تحت عنوان: إلى الأخوات المسلمات.. نداء من السيدة لبيبة هانم أحمد مسئولة قسم الأخوات المسلمات، تدعو فيه أخواتها المسلمات للتعاون معها في هذا القسم، ثم ثنَّى على ذلك البنا بتعقيب على ما كتبته السيدة لبيبة هانم أحمد بعنوان: مثال المرأة المسلمة الصالحة السيدة لبيبة هانم أحمد، وقدمها بما فيها من خلال وصفات، وقد وضع في رأس الصفحة صورة السيدة لبيبة هانم أحمد (نُشرت في جريدة (الإخوان المسلمون) الأسبوعية في العدد (30) من السنة الأولى الصادر في يوم الخميس الموافق 15 من ذي القعدة سنة 1352هـ)، ويُعتبر هذا أول مرة تجرؤ مجلة إسلامية على نشْر صورة امرأة في صدر صفحة من صفحاتها، أو في أي صفحة من صفحات مجلتها.

 

ثم اقترح أحد الإخوان على الأستاذ البنا أن ينشر صورَ أعضاء جمعية الإخوان المسلمين من باب التعارف، وذلك في السنة الثالثة من المجلة، فبادر الإمام البنا بتنفيذ الفكرة فنشر صورته، ثم بعد ذلك صور عدد من الإخوان، كلما أرسل عضو صورته نُشرت مع ذكر اسمه وذكر منطقته، ونفّذ نفس الفكرة في مجلة (الشهاب) آخر مجلات البنا إصدارًا، فقد كان يفرد في نهاية المجلة صفحةً أو صفحتين ينشر فيهما صورًا لعلماء ومفكرين ودعاة، معرِّفًا في صفحة أخرى أو أكثر بأصحاب الصور بما يليق بهم من تعريف، ويعطي القارئ نبذةً مختصرةً عنهم.

 

هذا الأمر يجعلنا نخرج بنتيجة، وهي أن الإمام البنا كان رأيه جواز التصوير الفوتوغرافي، وعدم ممانعته في ذلك، وإن لم يكن هناك أي فتوى للبنا في حكمه، ولكن رأينا له فعلاً عمليًّا في ذلك.

 

البنا وفن الكاريكاتير

كانت علاقة الإمام البنا بالجماعات العاملة في حقل الدعوة الإسلامي وطيدةً، يجمع بينهما الودّ والتعاون، وكذلك حاول مع بعض الأحزاب، إلا أن هناك أحزابًا ناصَبته العداء، وسخرت صحافتها للنَّيل منه، والتهكم عليه، وعلى دعوته، وكثيرًا ما كانوا يرسمونه في صورة كاريكاتورية تعبر عن سخريتهم من دعوة الإخوان، ومنه شخصيًّا، كما في تعمدهم دومًا عند الحديث عنه نعته بمدرس الخط، وكان البنا يرد على ذلك كله بالردِّ الجميل، وكان يرسل خطاباته للنحاس باشا رئيس وزراء مصر بهذا الأسلوب: من مدرس الخط إلى دولة رئيس الوزراء، وقد كان لصحف الوفد النصيب الأكبر في النقد والتهكُّم.

 

غير أن كثرة تجاوز الصحف التي سخَّرت أقلامها للنَّيل من البنا ودعوته دفعت بعض الإخوان إلى الردِّ عليهم بنفس الأسلوب، وقد قرَّر عضوان من الإخوان إصدار مجلة ساخرة كاريكاتورية، وأعلنوا مرارًا في جريدة (الإخوان المسلمون) اليومية عن مسابقة للبحث عن عنوان لمجلة لا حزبية، ثم استقر صاحبا المجلة على أن تَصدر باسم (الكشكول الجديد) وقد قرَّرا الاستقالة من تنظيم الإخوان حتى لا تُحسَب كتاباتهما عليه، على الرغم من حملهما أهداف الجماعة، ونَشَرا استقالتهما في المجلة، وطلَبا من الأستاذ البنا التعقيب على ذلك، ورأيه في المجلة نفسها، فردَّ عليهما الأستاذ البنا فكتب يبيِّن رأيَه في هذا الفن، وكيف يكون، والخطة التي يقترحها عليهما، فكتب رحمه الله قائلاً:

"تلقيت استقالتكما من الإخوان المسلمين، وقرأت ما كتبتماه عن ذلك في مجلة (الكشكول) في عددها وعرضتها على الهيئة التأسيسية للإخوان في اجتماعها الماضي فوافقت عليها شاكرةً لكما جهودكما الصادقة في خدمة الدعوة الكريمة سابقًا، وحسن استعدادكما لخدمتها لاحقًا، وجميل ثنائكما عليها واعترافكما بما تُقدِّم للشباب من خير وحسن توجيه، فأبلغكما ذلك سائلاً الله تبارك وتعالى أن يوفقنا جميعًا لخير دينه، والعمل على إعلاء كلمته، وإرشاد الناس إلى سبيله، آمين.

 

ولقد تابعت بعد ذلك ما يكتب في (الكشكول)، فأردت أن أتقدم لكما بمخلص النصيحة، نصيحة من لا يزال وسيظل يشعر لكما بعاطفة الأخوَّة الكاملة التي ربط الله بها قلوب عباده المؤمنين في محكم كتابه إذ يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُوْنَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية 10) ذلك أني وإن وافقتكما موافقةً تامةً في وجوب محاربة الحزبية والاستعمار ومقاومة المبادئ الهدَّامة الفاسدة كائنةً ما كانت، فإني لا زلت أخالفكما في الأسلوب على الصورة التي رأيتها في (الكشكول الجديد).

 

ولهذا أرجو أن تسلكوا به مسلكًا آخر نحو بناء جديد، حارِبوا الحزبية بصورتها البغيضة التي ظهرت بها في مصر، فأحرجت الصدور، وجرحت الأبرياء، ونفرت القلوب، وقززت النفوس، وأوهنت القوى، وأفسدت الأخلاق والضمائر، وفعلت بالمجتمع الأفاعيل.

 

وحارِبوا الاستعمار الغاشم الظالم الماكر الخادع الذي سلب حريتنا، وقيَّد استقلالنا، وتدخَّل في كل شئوننا، وحرمنا خيرات بلادنا، وتراث كدّنا وكفاحنا، واستأثر دوننا بكل شيء ومهّد في وطننا لكل دخيل، وكان في حياتنا الاجتماعية رأس كل خطيئة.

 

وحارِبوا المبادئ الهدَّامة التي لا تتكشَّف في حقائقها وأهدافها ومراميها إلا عن الإلحاد والكفران والإباحية والإثم والعصيان، والتمكين للمستعمر القديم، أو التمهيد للمتحفز الجديد، كأنما كُتب على هذه الأمة ألا تنقل من سيادة إلا إلى سيادة، وألا تتذوق طعم الحرية أبدًا على أيدي هؤلاء الخبثاء، ويأبى الله ذلك والمؤمنون.

 

حارِبوا كلَّ هذا واكشفوا عن مخازيه للناس، وحذِّروهم إياه، ولقد كان سفيان الثوري يقول لأصحابه إذا اجتمع إليهم: تعالوا نذمُّ ساعة في سبيل الله، لا تجالسوا فلانا فإنه كذّاب، ولا تأخذوا عن فلان فإنه يضع الحديث، ولا تثقوا بفلان فإنه متَّهَمٌ في دينه، أو رأيه وهكذا.. ولكن تحرَّوا في ذلك كلمة الحق الذي لا يفتري ولا يعتدي ولا يكذب، والجد الذي يحفظ على النفوس قوتها لا تتميع معه الأخلاق ولا تموت بكثرته القلوب، ولا يذهب برهبته العدوان، ولا يضعف مشاعر السخط وهي عدَّة المجاهدين، ولا ينافي ذلك ورود المزحة القاسية، والنكتة اللاذعة، ورُبَّ واحدة من هذه أبلغ من قول كثير، ثم خصِّصوا أبوابًا لهذا، واحرصوا على أن يظهر هذا اللون واضحًا.

 

وتجنَّبوا الانحياز إلى جهة فإنكم تحاربون مذاهب وآراءً وأعمالاً على يد كائن من كان، ولا تكشفوا عمَّا ستر الله من النقائص الشخصية، فإن الإذاعة عن ذلك في ذاتها إثمٌ من الآثام ما لم يتعلق بذلك حق للمجتمع، أو مصلحة تعود على الناس، والعفة عن الولوغ في الأعراض أدب الإسلام، ولا أجمل من التورُّع والاحتشام.

 

كونوا كذلك واطبعوا مجلتَكم بهذا الطبع وانهجوا به نهجًا جديدًا، و(نحو بناء جديد)، وأعتقد أنكم بذلك ستقدمون إلى الناس غذاءً شهيًّا سائغًا لا تعبَ معه، ولا ضرَرَ فيه إن شاء الله.

 

حينئذ يكون لمثلي على ضعفه وضيق وقته ألا يحرم نفسه المساهمة معكما في هذا الجهاد، والله أسأل لي ولكما كمال الهداية ودوام التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (نشر في مجلة (الكشكول الجديد) في العدد (17) من السنة الأولى، الصادر في غرة ربيع الأول سنة 1367هـ- 12 من يناير سنة 1948م).

 

في هذا النص يتبيَّن لنا بوضوح موقف البنا من هذا الفن (الكاريكاتير)، وهو الموافقة والتأييد، بل جعله جهادًا، ولكنه وضع شروطًا مهمة في كيفيته، وأخلاقيات على من يمارسه أن يتخلَّق بها، لا أرى فائدةً في إعادتها، فهي واضحة المعالم والعناصر في صلب مقال البنا.

 

البنا وفن النكتة

 كما كان البنا رحمه الله يستخدم لونًا من الفن اشتهر به المصريون، وهو فنّ النكتة، وهو يمتاز بهذا الفن تذوقًا وإنشاءً، ومن ذلك ما حكاه الشيخ الغزالي- رحمه الله- من قصة زواجه ودور البنا فيه، يقول الشيخ الغزالي رحمه الله:

"مع تسلمي للعمل الحكومي تم زواجي، وكان الأستاذ حسن البنا قد تدخَّل في المسألة التي بدأت معقَّدة، فإن والد الفتاة التي اخترتها كان يطمع في زوج أغنى مني.. إنه من قريتنا، وإن كان موظفًا بوزارة العدل في القاهرة، وعلم أن مرتبي ستة جنيهات، أُعطي أبي نصفها تقريبًا!! لكن الأستاذ المرشد أقنع الرجل بأني أفضل من غيري، والمستقبل بيد الله، وسيكون خيرًا.

 

وتزوجت وسألني الأستاذ المرشد: ماذا فعلت مع فلان- يعني صهري-؟! فقلت: دخلت بابنته، قال عاتبًا: لِمَ لم تدعني؟! وتمثل بقول الشاعر، وهو يبتسم:

وإذا تكون كريهة أُدعَى لها     وإذا يحاس الحيس يُدعى جندب

فقلت: لم تكن هناك وليمة، اكتفينا بأشربة حلوة، تناولها بعض الزملاء، وأوسع لي الرجل غرفة في بيته، والحمد لله، فدعا لنا بالبركة) (انظر: مذكرات الشيخ الغزالي (قصة حياة) غير مطبوعة).

 

 الصورة غير متاحة

د. جابر قميحة

ويحكي الدكتور جابر قميحة نكتة قصَّها عليه الحاج عبد الرزاق هويدي- والد الكاتب الإسلامي المعروف الأستاذ فهمي هويدي- خلاصتها: أنه ركب (حنطورًا) مع الإمام الشهيد ومعهما ثالث، قاصدين إحدى القرى المجاورة لـ(بنها) لا تقصدها السيارات لضيق الطريق، وكان الجو باردًا عاصفًا, فطلب الإمام رفع غطاء الحنطور إلى الخلف؛ لأن وضعه الحالي يزيد من مقاومة الحصان للهواء فيتعبه. قال الحاج عبد الرزاق: بل نتركه يا فضيلة المرشد لأن الجو بارد، ولا ضير فصاحب الحنطور من الإخوان، فصاح الإمام: سبحان الله يا أخي!! لكن الحصان مش من الإخوان (انظر مقال: لا تخافوا من الإخوان فإنهم يخافون الله للدكتور جابر قميحة المنشور في جريدة (آفاق عربية) المصرية العدد 680 الصادر في يوم الخميس الموافق 30 من شعبان سنة 1425هـ= 14 من أكتوبر سنة 2004م).

 

وكان الإمام البنا إضافة إلى أنه يمازح ويضاحك من حوله كان من هواة القفشات الضاحكة، كما حدث أن زار عمدة (رشيد) محمد بك طبق، وفي جلسة تعارف- كما هي عادة البنا- بدأ العمدة فقال: محمد طبق عمدة رشيد، ثم تلاه بجواره في التعارف قائلاً: محمد سمك رئيس مجلس بلدية رشيد، وقدم الذي يليه نفسه بقوله: زكي طبيخة طالب!! فقال الأستاذ البنا وهو يبتسم: سفرة دايمة، وضحك الجالسون جميعًا (انظر: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية ص23.).

 

البنا وفن الإنشاد والغناء

وقد استخدم البنا من أول دعوته فن الإنشاد وخاصةً الديني منه، الذي يغرس القيم، ويذكِّر بالماضي التليد، ولا غرو أن رأينا أكبر جماعة إسلامية لها رصيد هائل من الأناشيد هي جماعة الإخوان المسلمين، ولا يشاركها أو ينازعها في هذا الكم جماعة أخرى، فقد اختار البنا نشيدًا ليكون نشيد الإخوان، والذي ألَّفه شاعر الإخوان الأستاذ الشيخ أحمد حسن الباقوري، بعنون: (يا رسول الله هل يرضيك أنَّا).. ثم بعد ذلك توالت الأناشيد، كنشيد الكتائب الذي ألَّفه الأستاذ عبد الحكيم عابدين، وغيره من أناشيد الجوالة، وأناشيد الجهاد (انظر: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ للأستاذ محمود عبد الحليم).

 

إذاعة الإخوان المسلمين

كما أنشأ الأستاذ البنا إذاعةً خاصةً، وكان هذا الأمر في عهد الملكية المصرية قبل ثورة يوليو أمرًا ممكنًا، وقد سلَّمها للحكومة المصرية بعد قرار حلّ الإخوان الأول في عهد النقراشي، وكانت إذاعة الإخوان تبث وأحيانًا كانت جريدة الإخوان المسلمين اليومية تعيد كتابة ما تبثه من أحاديث الأستاذ البنا، كمقالَي: (صورٌ من الماضي) و(ثمن الحياة).

 

خصائص الفن عند البنا

لقد امتازت تجربة البنا والفن- والفن بوجه عام- عند البنا بعدة خصائص، تبين ملامح هذا المشروع الفني، وتبين الميزات التي امتاز بها، وهي بإجمال:

1- فن ملتزم

فقد امتاز الفن عند البنا بأنه فنٌّ ينطلق في دائرة الالتزام، ولا يحيد عنها، فله أخلاقيات ومبادئ يسير في إطارها، فلا يستدرج لمحرَّم حتى ولو كان مما يعجب الجمهور ويجذبه، كما في كثير من وسائل الفن غير المنضبط بضوابط الشرع؛ ولذلك لما هاجم أحد المتدينين مسرحية عن (الذبيح إسماعيل) عليه السلام، وأشاع أنهم أتوا محرمًا في ذلك، ومثلوا شخصية جبريل عليه السلام، ولم يكن البنا قد شاهد المسرحية، فأوقفها البنا إلى أن يتبيَّن من ذلك جيدًا، وقال: نتوقف سدًّا للذريعة.

 

2- فن منفتح

كما امتازت تجربة البنا في الفن بالانفتاح، سواءٌ في الانفتاح من حيث تكوين الفرقة، أو من حيث عرض الموضوعات، فلم يصرّ على أن يكون أعضاء الفرقة من تنظيم جماعة الإخوان فقط أو من المسلمين فقط، بل رأينا عددًا من فرقته ليست له علاقة تنظيمية بالإخوان، واستعان بالعنصر النسائي أيضًا (انظر: مسرح الإخوان المسلمين البداية رومانسية للأستاذ أحمد زين)، واستعان بغير المسلمين في العمل المسرحي والدعاية (انظر: الإخوان والفن من المفيد الهادف للممتع النظيف للأستاذ حسام تمام، مقال منشور في موقع (إسلام أون لاين. نت) بتاريخ: 5/7/2004م).

 

وكان منفتحًا في موضوعاته التي تناولها وأدَّاها، فلم يقف موقف التضييق من قضايا يجد فيها الإسلاميون اليوم حرجًا شديدًا في طرحها، بل إنكارًا، فرأينا أول مسرحية للإخوان يقدمونها على مسرحهم: (جميل بثينة) وهي مسرحية رومانسية، تتكلم عن الحب العذري العفيف (انظر: مجلة (جريدة الإخوان المسلمين) الأسبوعية).

 

3- فن واقعي

فهو فنٌّ لم يحلِّق بالناس في أجواء خيالية لا تمتُّ إلى واقعهم بصلة، فلم يأتِ لهم بقصص أو مسرحيات بعيدة عن واقعهم، وإن استلهم معظمه من التاريخ الإسلامي والعربي، فعالج قضايا الحب والعروبة والوطنية، من خلال المسرحيات التي قدَّمها مسرح الإخوان المسلمين.

 

4- فن يجمع بين الأصالة والمعاصرة

فهو يجمع بين أصالة الفكر والمنطلق، وبين معاصرة الوسائل والأدوات، لم يقف عند حدود القديم، مهملاً الحديثَ ومستجداته، فيكون بذلك خطابًا محنَّطًا، جُلب لزمان لا يصلح له.

 

عوامل نجاح تجربة البنا في الفن

لقد حالف النجاح تجربة البنا في الفن لعدة عوامل ساعدت على هذا النجاح، ينبغي دراستها، وهي:

1- اعتماده مبدأ إنسانية الفن

من أولى العوامل التي ساعدت على نجاح تجربة الإمام البنا في الفن أنه تبنَّى مبدأً مهمًّا في تناول الفن والتعامل معه، وهو مبدأ اعتماد إنسانية الفن في الحكم على الفن من حيث إسلاميته، وهو ما تبنَّاه نظريًّا وكتابةً فيما بعد الأستاذ محمد قطب حفظه الله ولكن في مجال الأدب، فتبنَّى مبدأ إنسانية الأدب (انظر: منهج الفن الإسلامي للأستاذ محمد قطب ص 177-180 طبعة دار القلم (الشروق فيما بعد))، وقد سبقه إلى ذلك الأستاذ البنا في الفن، فتبنَّى المبدأ عمليًّا، ويبدو أنه ساقَه إلى ذلك تنظير علمي، وإن لم يُترجَم إلى كتابة في كتابات الأستاذ البنا، فقد حاولتُ البحث في كل تراث الإمام البنا المجموع منه وغير المجموع كي أعثر على نص في هذا المقام فلم أجد، ولكني وجدته في تطبيقه العملي في تجربته، وأعني بأن الإمام البنا تبنَّى مبدأ إنسانية الفن، أي أنه وضع أهدافًا للفن الإسلامي، وأن هذا الهدف إذا تحقق- ولو على يد من لا يؤمنون بقضية الفن الإسلامي- أن نعتبر هذا الفن معبرًا عن الفن الإسلامي.

 

وقد تأملت في هذا التوجه عند الأستاذ البنا، فألفيته منهجًا إسلاميًّا بلا شكٍّ، فقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يحكم على المبادئ والمفاهيم والثقافات من حيث أهدافها ونفعها، ومن ذلك قوله- صلى الله عليه وسلم- عن شعر أمية بن أبي الصلت الشاعر الذي مات كافرًا: "آمن شعره، وكفر قلبه" (ذكره الفاكهي في أخبار مكة (3/203) برقم (1973) وابن حجر في الإصابة (1/251) و(8/51) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وابن عساكر في تاريخه عن سعيد بن المسيب مرسلا، انظر: فيض القدير (5/517))، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكاد أمية بن أبي الصلت أن يُسلم" (رواه البخاري (3628) ومسلم (2256) وابن أبي شيبة في مصنفه (5/272) برقم (26015) عن أبي هريرة رضي الله عنه).. قال الإمام المناوي: "وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم، أي: لكنه لم يوفق بالإسلام مع قرب مشربه" (انظر: فيض القدير (1/524)).

 

وعن الشريد بن سويد الثقفي- رضي الله عنه- قال: ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: "هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيئًا؟!" قلت: نعم، قال: هيه.. فأنشدته بيتًا، فقال: هيه، ثم أنشدته بيتًا فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت.. قال: إن كاد ليسلم" (رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (5/272) برقم (26012)).

 

قال الإمام النووي: "مقصود الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم استحسن شعر أمية واستزاد من إنشاده؛ لما فيه من الإقرار بالوحدانية والبعث، ففيه جواز إنشاد الشعر الذي لا فحش فيه وسماعه، سواء شعر الجاهلية وغيرهم" (انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (15/13)).. فالنبي- صلى الله عليه وسلم- حكم على شعره بالإسلام، وإن لم يؤمن قلبه، وكان يستنشد صحابته ويستزيدهم من شعره، رغم كفر الرجل، كما حكم النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامية مبدأ وهدف حلف الفضول الذي عُقد في بيت عبد الله بن جدعان، قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، وهو حلف لنصرة المظلوم، فقال عنه صلى الله عليه وسلم: "لقد شهدت مع عمومتي حلفًا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دُعيت به في الإسلام لأجبت" (رواه ابن إسحاق في السيرة كما في ابن هشام (1/92) وقال الشيخ الألباني في تخريجه: وهذا سند صحيح لولا أنه مرسل، ولكن له شواهد تقويه، فرواه الحميدي بإسناد آخر مرسلاً أيضًا كما في البداية (2/92) وأخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (1655) و(1676) من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعا دون قوله: "ولو دعيت به في الإسلام لأجبت" وسنده صحيح. انظر: فقه السيرة للشيخ الغزالي بتحقيق الشيخ الألباني ص 82. طبعة إدارة إحياء التراث الإسلامي بدولة قطر).

 

2- تبنِّيه فقه التيسير

كما ساعد الإمام البنا في تجربته الفنية أنه تبنَّى فقه التيسير في قضايا الفن، فإن فقه التيسير كفيلٌ باستمرارية الفن، أما فقه التشدُّد فلا يمكن أن ينشأ فنٌّ في ظلاله أبدًا، وأحب أن أوضح أمرًا مهمًّا هنا حتى لا نفهم قضية التيسير عند البنا خطأً، وهو: أن ما أعنيه بالتيسير هنا عند البنا ليس التهاون أو التفريط، أو التساهل والتجاوز لأوامر الله ونصوص شريعته، فما يُعقل أن يفعل ذلك البنا ولا عالم يخشى الله سبحانه وتعالى، وإنما الذي أعنيه بالتيسير: هو المَيل في الفتاوى والآراء إلى الأيسر، وذلك يكون إذا كانت المسألة محلَّ رأي واجتهاد واختلاف، أو كان فيها نصٌّ محتمَلٌ، وإذا تساوت أدلة الجواز والمنع، وهو في ذلك لا يخالف الشريعة، بل هو ملتزمٌ بروحها ونصّها ومقاصدها، وهو ما أمر به النبي- صلى الله عليه وسلم- أصحابه والمسلمين جميعًا، فقال: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" (رواه أحمد (3/131) والبخاري (69) ومسلم (1734) عن أنس بن مالك رضي الله عنه)، وهو منهج النبي صلى الله عليه وسلم الذي "ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا" (رواه أحمد (6/181) والبخاري (6404) ومسلم (2327) عن عائشة رضي الله عنها).

 

كما يعضد ذلك أيضًا عدة أحاديث منها: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب أن تُؤتَى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" (رواه أحمد والبيهقي في السنن عن ابن عمر، والطبراني في الكبير عن ابن عباس وابن مسعود. انظر: وصححه  الشيخ الألباني في: صحيح الجامع الصغير برقم (1881))، وقوله: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته" (رواه أحمد وابن حبان والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر. وصححه الشيخ الألباني في: صحيح الجامع الصغير برقم (1882)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب أن تقبل رخصه، كما يحب أن تؤتى فريضته" (رواه ابن أبي شيبة عن محمد بن المنكدر برقم (6528) انظر: المصنف لابن أبي شيبة (9/60)).

 

وسار الصحابة والتابعون على هذا النهج النبوي، يقول ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما: إن الله يحب أن تؤتى مياسره، كما يحب أن تؤتى عزائمه، وقال إبراهيم التيمي: إن الله يحب أن تؤتى مياسره، كما يحب أن تطاع عزائمه، وقال عطاء: إذا تنازعك أمران فاحمل المسلمين على أيسرهما (انظر: المصنف لابن أبي شيبة (9/60،59). وقال الشعبي: ما خُيِّر رجل بين أمرين فاختار أيسرهما، إلا كان ذلك أحبهما إلى الله تعالى.

 

فالبنا لم يكن بِدْعًا إذن أن تبنَّى فقه التيسير في قضية الفن، وذلك لتسيير عجلة الفن، فلو أن البنا مثلاً وقف عند قضايا الفن متبنيًا الرأي الأشد في القضية المطروحة لما أنشأ فنًّا ولما اقترب منه، سواءٌ منشئًا أو حتى مشاهدًا له، فلو استعرضنا القضايا المثارة فقهيًّا في مسألة الفن، وتبنَّينا فيها قضية التشديد بديلاً عن التيسير، فلكم أن تتخيَّلوا أنه لا فنَّ أساسًا، وهذه بعض القضايا المثارة في الفن من حيث وسائله: استخدام الآلات الموسيقية، فسنرى فتاوى تبرز عندئذ بحكم استخدام الآلات الموسيقية، وأنها محرمة، ثم إذا كانت هذه الآلات حلالاً، أو كان منها ما هو حلالٌ شرعًا، فمن يستخدم هذه الآلات؟ إنهم لا يجيزون ذلك إلا للمرأة.

 

ثم يتفرع عن ذلك قضية أخرى: لمن تضرب المرأة بالدف أو آلة الموسيقى التي تباح عندهم؟ إنها لا بد من استخدامها ذلك لسيدها، أو لزوجها ومحارمها فقط؛ حيث إنهم لا يجيزون للرجل استخدام ضرب الدف، فضلاً عن الآلات التي يحرمون استخدامها بدايةً.

 

ثم الانتقال إلى قضية ثانية، وهي: من يعمل بالفن ما حكمه؟! إن العمل بالفن- عند الرأي المتشدد- فيه حرجٌ شرعيٌّ، وهو أنه خارم للمروءة، وبذا تسقط شهادة من يعمل بالفن، وتجرح في عدالة شخصيته.

 

ثم تأتي قضية شرعية ثالثة تثار، حتى لو أجاز القائلون بالنهي عن استخدام الآلات، والعمل بالفن، فهم يثيرون قضيةً أخرى، وهي: لو كان العمل بالفن جائزًا فلا يجوز أن يكون الفن مهنةً، يأخذ عليه الإنسان أجرًا.

 

ثم إن اشتراك المرأة في الفن لا يجوز؛ لأنه اختلاط، والاختلاط مذموم ومحرَّم شرعًا، غير مفرقين بين ما هو من باب الاشتراك الجائز وبين ما هو محرم لما يجلبه من مفاسد خلقية، وكذلك فإن صوت المرأة عورة، فلا ينبغي لها أن تبرز صوتها، فضلاً أن تمثل أو تغني.

 

وهكذا عدة قضايا فقهية تُثار، لو أن البنا وقف عند هذا الجدل الطويل الذي لا يقتنع فريق برأي الفريق الآخر لَمَا تحرك تجاه العمل، ولما ظهرت لعمله ثمرة، بل إن الإمام البنا رحمه الله تخطَّى كل هذا بتبنِّيه فقهَ التيسير في الفن، والأخذ بأيسر الآراء في ذلك.

 

3- عامل بيئي

والحق أن أهم عامل ساعد البنا في ذلك هو طبيعة المجتمع المصري آنذاك، ولم يكن في عهده من يشوِّش على مسيرته الفنية تشويشًا يعيقه بصورة شديدة كما هو الآن، فأكبر الأمور التي من الممكن أن تحدث وقتها أن يهاجمه كاتب في مقال وينتهي عند هذا الحد، وليس كما نرى الآن تجهز ترسانة علمية من الكتب والمقالات والمجلات والمنشورات والفضائيات ضد من يخالف بعض التوجهات في رأي فقهي، فلو قارنا ذلك- مثلاً- في حياة البنا الدعوية بفتوى واحدة للشيخ يوسف القرضاوي الذي قامت الدنيا وما قعدت لرأيٍ ذكَرَه يُجيز فيه عمل المرأة بالتمثيل الذي وضع له شروطًا تضبط الأمر، كأن يكون اشتراكها ضروريًّا، وأن تظهر بلباس الإسلام، ولا تضع المساحيق، وأن يراعي المخرج والمصوِّر عدم إبراز مفاتنها والتركيز عليها في التصوير، فقام عدد من الشيوخ والكتَّاب بمخالفته ومهاجمته كتابة (انظر مجلة (المجتمع) الكويتية العدد (1319) الصادر في 9من جمادى الآخرة سنة 1419هـ= 29من سبتمبر سنة 1998م. وما بعده من أعداد).

 

 الصورة غير متاحة

 أ. سيد قطب

فالبيئة العلمية والدعوية في عهد الأستاذ البنا نراها قد سبقت سبقًا مهمًّا في التطور الفكري بدأ هذا التطور في الانحسار فيما بعد، فمثلاً مما تستهجنه الساحة العلمية والدعوية الكتابة عن الأحياء، والإشادة بجهودهم، ومدحهم والثناء عليهم بما يستحقون، ولكن على عهد البنا كانت البيئة تسمح بذلك وتتقبَّله، كما رأينا من كتابات كُتبت عن البنا في حياته، ككتاب (روح وريحان) للأستاذ أحمد أنس الحجاجي، وكتابة الأستاذ محب الدين الخطيب عن البنا في مجلة (الفتح) مقالاً كاملاً عنه بمناسبة مرور عشرين عامًا على دعوة الإخوان، وكتابته كذلك يشيد بالكاتبَين الشابَّين: الشيخ محمد الغزالي والأستاذ سيد قطب.

 

هذا نموذج أردت أن أضربه لأبيِّن للقارئ كيف كانت بيئة البنا ومناخه العلمي آنذاك من العوامل المساعدة لذلك، وهو ما انتفى عن طبيعة المناخ العلمي والدعوي فيما بعد.

 

كما أن الزمن وقتها كان يسمح بالفن الملتزم، ولا يرى حرجًا من ذلك، كما رأينا من وضع البنا برنامجًا لأي ضيف يأتي مصر من الخارج أن يصحب الضيف إلى الأوبرا، وقد حكى ذلك عنه أحد سكرتاريته الحاج محمود أبو ريَّة، وقد ذكر أنهم ذهبوا مرةً بأحد الضيوف، ولم يجدوا عددًا من التذاكر يكفي لدخول الجميع، فطلب منهم الأستاذ البنا أن يدخلوا ويصحبوا معهم الضيف، وانتظرهم في مكان آخر إلى نهاية العرض (نقل لي ذلك: الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عن الحاج محمود أبو رية رحمه الله).

 

كما كان يذهب للأوبرا في هذا الوقت أيضًا عدد من علماء الأزهر المبجَّلين، وكانوا يقيمون علاقات بالفنانين من أصحاب الفن المحتشم، كالشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر الذي ذهب إلى الأوبرا وحضر فيها بعض الاحتفاليات، والغريب أن الشيخ المراغي ذهب للأوبرا في الثلاثينيات من القرن الماضي، ولم ينتقد هذا الصنيع أحدٌ من علماء عصره، ثم جاءت مرحلة الثمانينيات لتكتب مجلة (التوحيد) التي تصدر عن جماعة أنصار السنة بمصر لتنبش في ماضي الرجل، كاتبةً هجومًا حادًّا عليه، جاعلةً عنوان المقال: (عمائم في الأوبرا)؛ مما اضطّرَّ ابنه الدكتور إسماعيل المراغي أن يكتب توضيحًا في الفَرق بين أوبرا الماضي وأوبرا الحاضر، وأن أوبرا الماضي كانت تراعي البيئة والالتزام فيها، فكانت تقدم فنًّا غير مسفٍّ.

 

وهناك أيضًا الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الأزهر، المعروف بعلاقته بالفنانين، وعلى رأسهم: محمد عبد الوهاب وأم كلثوم (انظر: كتاب الدكتورة نعمات أحمد فؤاد عن أم كلثوم).

 

كما كان بين الفنانين مَن يحمل لقب شيخ، ويباهي بذلك، ولا يجد حرجًا فيه، ولا تستنكف الطبقة الفنية من ذلك، ولا تلفظه وترفضه، كالشيخ سلامة حجازي، والشيخ زكريا أحمد، والشيخ إمام عيسى، إلى آخر مطرب من طبقة المشايخ الشيخ سيد مكاوي (انظر: كتاب (طلائع المسرح العربي) للأستاذ محمود تيمور).

هذه البيئة وهذا المناخ لا شكَّ كان له عامل كبير في نجاح تجربة البنا رحمه الله في الفن.

 

3- اعتماده على المختصين

وقد ساعد البنا في نجاح تجربته الفنية أنه ارتكز بشكل أساسي على المختصين في هذا الفن، فقد اعتمد على مختصين في كل شقٍّ فني، بدايةً بالكتابة المسرحية، فلم يأت بأي كاتب هاوٍ للكتابة الأدبية، بل كتب معظم مسرحيات مسرح الإخوان آنذاك الأستاذ عبد الرحمن البنا شقيق الأستاذ البنا، وهو أديب مطبوع، وكاتب مسرحي معروف بهذا التوجه (صدرت رسالة ماجستير عن (المسرح عند عبد الرحمن البنا) من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر)، كما اعتمد البنا على مختصين في أداء المسرحيات الفنية، فقد رأينا أعضاء فرقته- فيما بعد- من عمالقة الفن العربي، وقد ذكرنا عددًا كبيرًا من أسمائهم من قبل.

 

بل حتى في دعايته للمسرحيات، كان الأستاذ البنا يعتمد في ذلك على المختصين، ويقوم بالدعاية الكافية لذلك، التي تجلب الجمهور لمشاهدة فن فرقته.

 

4- تبني قضية الفن جماعيًّا

ومن عوامل نجاح تجربة البنا فنيًّا أنه تبنَّى قضية الفن، وجعل منها قضيةً أَولاها اهتمامًا ورعايةً وعنايةً، فقد كان الأستاذ البنا رغم أنه أوكل إدارة أمر الفرقة المسرحية لأخيه الأستاذ عبد الرحمن البنا، إلا إنه دعا لإنشاء فِرَق في معظم شعب الإخوان، وتمرين طلاب الثانوية والجامعة على التمثيل المسرحي (من مقابلة مع الأستاذ فهمي هويدي في إستانبول بتاريخ 10 من يوليو سنة 2006م)، بل كان البنا يحضر بنفسه البروفات والإعداد للمسرحيات (من لقاء على الإنترنت مع الدكتور صلاح عبد المتعال)، ويولي ذلك اهتمامًا كبيرًا، وكان العمل الفني عند البنا أشبه ما يكون بالعمل المؤسسي والمختص، لا من باب الهواية، أو على هامش الحياة، وهذا هو الفارق بين مسرح البنا، ومسرح الإسلاميين بعد البنا.

التعليقات