د. مصطفى الشكعة.. الثائر في سبيل العدل والاعتدال

د. مصطفى الشكعة.. الثائر في سبيل العدل والاعتدال

أجمع علماء الأمة على أن مصاب الأمة كبير في وفاة الدكتور مصطفى الشكعة، عضو مجمع البحوث الإسلامية والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، بعد حياةٍ حافلةٍ بالعطاء والدفاع عن الإسلام ضد مظاهر الغلوِّ والتفريط والهجمات الشرسة التي يتعرَّض لها، مؤكدين أهمية اقتفاء أثره والاهتمام بإنتاجه الفكري وإحياء ذكراه دائمًا، ومواقفه في مواجهة الاستبداد والباطل.

 

وقال د. عبد المنعم البري، رئيس جبهة علماء الأزهر السابق، لـ(إخوان أون لاين): إن الفقيد د. مصطفى الشكعة، رحمه الله تعالى، من الأعلام الذين لا يُنسى فضلهم في الجهاد والفكر الإسلامي؛ حيث يصدق فيه قول الله تعالى: (مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)) (الأحزاب).

 

وأوضح أن الفقيد عانى من الظلم الشديد عقب ثورة جمال عبد الناصر المزعومة؛ بسبب تبنيه لكلمة الحق في وجه الجور والاستبداد والفساد بكل أشكاله، وكان يطالب الشعوب بالتصدي للغزو والاحتلال الأمريكي والصهيوني للمنطقة العربية فكريًّا وثقافيًّا وإعلاميًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا.

 

وأشار إلى أن الفقيد كان دائم الدعوة للعلماء والدعاة والخطباء بالأزهر الشريف بتوعية وتربية الناس على جهاد النفس؛ حتى يتسنى لهم جهاد أعداء الأمة، وكان يحذرهم من التقاعس وصدأ القلوب وانسياقهم خلف الدنيا، مستشهدًا بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38)) (التوبة).

 

وشدد د. فرحات المنجي، عضو مجمع البحوث الإسلامية ومستشار شيخ الأزهر السابق، على أن الفقيد كان رجلاً عالمًا فذًّا امتاز في إسهاماته الفكرية بالوسطية والاعتدال والبساطة، موضحًا أنه كان عفَّ اللسان طوال حياته حتى في خلافاته مع شيخ الأزهر السابق وقرانه في العمل والحياة، وكان صاحب براهين قوية لم يسمع عنه أبدًا أنه تجرأ على أحد بالقول أو الفعل رحمه الله رحمةً واسعةً.

 

وأضاف أنه كان صاحب قولة حق يهدف بها إلى رفعة الإسلام؛ حيث كان يحب الإسلام حبًّا جمًّا، ويدافع عنه في كل محفل وكل مكان ويتصدَّى لمن يتشدقون باسم الأزهر الذين يوغرون صدور الناس بفظاظتهم وجلافتهم.

 

وقال: أذكر يوم أن تقلدت منصب المشرف العام على مدن البعوث الإسلامية التي يقطن بها الطلاب الوافدون من الخارج لتعلم وسطية واعتدال الإسلام فشدَّ على يدي، وقال لي جدِّد النية أنت في جهاد أرجو من الله سبحانه وتعالى لك السداد والتوفيق.

 

وأكد د. مدحت مراد، وكيل شئون الثقافة بوزارة الأوقاف، أن الفقيد رحمه الله تعالى كان ورعًا بسيطًا هادئًا عفَّ اللسان قويًّا في الحق، لا يخشى في الله لومة لائم؛ حيث اختلف كثيرًا مع الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر السابق، رحمه الله، في أمور أصولية، وكان صاحب حجة قوية في خلافه معه ومع الآخرين.

 

وأشار إلى أنه عاش طوال حياته محاربًا للتشدد والغلو والتطرف والسياسات الظالمة للنظام البائد والسياسات العنصرية للاحتلال الصهيوني والأمريكي في المنطقة العربية والإسلامية، وتعرض بسببها للفصل من منصبه عدة مرات، لكنه كان صبورًا جلدًا لم يتنازل عن مواقفه تمامًا، ولذلك قدر الله تعالى أن يتم تكريمه في أول جلسة لمجمع البحوث الإسلامية بعد تولي د. أحمد الطيب منصب شيخ الجامع الأزهر تقديرًا لمواقفه البطولية.

 

وأوضح د. حسام الدين مصطفى الشكعة، نجل الفقيد رحمه الله، أن د. الشكعة كان مع أسرته أبًا مثاليًّا يتسم بالحنان في كل مواقفه؛ حيث رعانا وتفقدنا في صغرنا وفي كبرنا، وكان شديد الحرص على مصلحتنا ومستقبلنا، وكان يقوِّم أخطاءنا بالرحمة والإقناع والمزاح الجميل، وكان يحثني- رحمه الله- أنا وإخوتي على صلة الرحم والارتباط ببعضنا في الصغر والكبر، وخاصة بعد زواجنا.

 

وأشار إلى أنه رحمه الله كان مثال الزوج الرقيق والحنون مع زوجته؛ حيث كانت مواقفه في جميع أحواله تتمتع بالعطف والحنان واللطف والهدوء، وكان يشعر بمن حوله، ويتفقد أحوالهم ويفرح في أفراحهم ويواسيهم في أطراحهم وأحزانهم، وعلمني وإخوتي تقديم الصدقات للفقراء والمساكين في الأعياد والمناسبات، وكان يقول لنا لا تنسوا إخوانكم الفقراء في أعيادكم؛ فالأعياد خلقت لكي نفرج جميعًا، ومن يفرح وحده لا يقتدي بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

 

وأكد أن الفقيد كان يلجأ إلى الله تعالى في كل أزماته وشدائده ويبسطها ويقول: "من توكل على الله فهو حسبه، ومن لا يثق برحمة الله لا يستحق عفوه"، وكان متفائلاً دائمًا لا تفارق البسمة وجهه؛ حيث تعرض لحادث سيارة في السبعينيات، وأصيبت أعضاؤه بكسور شديدة أدت إلى بقائه في المستشفى زمنًا طويلاً إلا أنه كان مؤمنًا واثقًا مسرورًا بقدر الله ويقول: "الله يحبني فابتلاني".

 

وأشار إلى أن الفقيد كان دائمًا يذكر الشيخ جاد الحق، شيخ الأزهر الأسبق، بالخير، ويقول عنه إنه أثر فيه كثيرًا، وغرس فيه الصفات الطيبة، موضحًا أن الفقيد كانت آراؤه كلها تهدف إلى رفع شأن الإسلام وتطبيقه بشموليته، وكان ينزعج شديدًا إذا حدث إخلال في قواعد تطبيق الإسلام في أي مكان، وكان يذهب لمن أخطؤوا ويخبرهم بخطئهم بالكلمة الطيبة والبسمة الهادئة؛ ما كان ذلك له الأثر الأكبر في زيادة إعداد من يحبونه ويودونه بالزيارات.

 

وأكد أن الفقيد نشأ وتربى وترعرع في ظل جماعة الإخوان المسلمين، وكانت علاقته قويةً بفضيلة الإمام الشهيد الأستاذ حسن البنا، مؤسس الجماعة، وقال: أذكر أن والدي الفقيد ذكر لي أن الإمام الشهيد رغب في الاستقرار بالقاهرة، وحضر إليه لكي يوفر له شقة في حي من أحياء القاهرة القديمة لتأسيس مقر للجماعة، وبالفعل وفرها له وكان يفخر دائمًا في حديث مع أي أحد بقوله: "أنا من وفرت أول شقة للإخوان المسلمين الصادقين في القاهرة"، وكان يقول دائمًا إن جماعة الإخوان تعبِّر عن الإسلام الصحيح الشامل".

التعليقات