قدم محمد نجيب استقالته من منصب الرياسة في 22 فبراير 1954م اعتراضًا على انحراف ضباط الثورة.. وفي 25 فبراير أصدر مجلس القيادة بيان إقالـته، وحاول البيان الانتقاص من دور نجيب وتشويه صورته أمام الجماهير، اتخذ ضباط مجلس القيادة هذا القرار وكلهم ثقة في أنهم قد نجحوا في مخططهم بإزاحة نجيب، وحينما أذيع بيان إقالته على الملأ خرجت الجماهير تحتج عليه، وانهالت البرقيات على المجلس ودور الصحف ترفض الاستقالة، واندلعت المظاهرات التلقائية في القاهرة والأقاليم لمدة ثلاثة أيام تؤيد نجيب، وكانت الجماهير تهتف (محمد نجيب أو الثورة).

 

وفي السودان اندلعت مظاهرات جارفة تهتف (لا وحدة بلا نجيب)، وانقسم الجيش بين مؤيد لعودة اللواء محمد نجيب وإقرار الحياة النيابية وبين المناصرين لمجلس قيادة الثورة، وكان سلاح الفرسان أكثر أسلحة الجيش تعاطفًا مع نجيب، وأشرفت البلاد على حرب أهلية.

 

وتداركًا للموقف أصدر مجلس القيادة بيانًا الساعة السادسة من مساء 27 فبراير 1954م جاء فيه "حفاظًا على وحدة الأمة يعلن مجلس قيادة الثورة عودة اللواء أركان حرب محمد نجيب رئيسًا للجمهورية، وقد وافق سيادته على ذلك"... وهكذا عاد نجيب إلى الحكم على أكتاف الجماهير التي خرجت في مظاهرات شعبية لم تعرفها مصر من قبل.

 

وقامت مظاهرة الإخوان

وخلاصة رؤيتي الميدانية للمظاهرة التي قام بها الإخوان، وتجمعت داخل سور قصر عابدين وخارجه، وبلغ عدد المتظاهرين مائة وخمسين ألفًا تقريبًا في 28/2/1954م, وخطب فيهم محمد نجيب, وطلب منهم الانصراف فلم يستجيبوا للأمر, فاستعان بالأستاذ عبد القادر عودة, فصرف المظاهرة في دقيقة واحدة.

 

وإليكم التفصيل...

- تنفيذًا لأمر القيادة الإخوانية؛ تجمعنا في جامعة القاهرة في الصباح الباكر يوم 28/2/1954م، ثم تحركنا وانضم إلينا طلاب المدرسة السعيدية، وخرجنا من الجامعة قاصدين الانضمام إلى التجمع الرئيسي في عابدين، لم يكن كوبري الجامعة قد بُني بعد، فسرنا إلى كوبري قصر النيل سالكين شارع "مراد"، لم يكن هناك هتاف واحد للمظاهرة لضخامتها، فقد قُدر عدد المتظاهرين بستة وثلاثين ألفًا.. في "كراديس" أي مجموعات متجاورة بهتافات متعددة ذات مضمون أساسي واحد، ومنها: إلى الثكنات إلى الثكنات.. إلى الثكنات رجال الجيش"، "انتصر الشعب فجاء نجيب"، "الحرية.. الحرية يا أعداء الإنسانية، إسلامية قرآنية، لا شرقية ولا غربية"... إلخ, وكان للتجمع السوداني تميز واضح.

 

ووصلنا إلى كوبري قصر النيل وقطعناه إلى حيث يصب في ميدان التحرير، حتى ننطلق منه إلى قصر عابدين؛ حيث يوجد محمد نجيب وتجمعات الإخوان من جهات متعددة.

 

كنت في طليعة المظاهرة التي غص بها كوبري قصر النيل، وكان معي من المنزلة- مسقط رأسي- الإخوان: أمين منصور عميش، وأحمد عامر الزيني رحمهما الله، رأيتهما لدقائق، ثم ذابا في الجموع، وكان قائد الطليعة بهتافاته القوية الأخ حلمي حنفي (من المعادي)، نظرنا فرأينا الكوبري قد سُدَّ بالجنود موجهين "السونكيات" إلينا، ورأيت وراءهم عددًا آخر يرقدون على الأرض وأمامهم مدافع "البرن" وأصابعهم على "الزناد".. ترسانة حربية في وضع الاستعداد وكلهم في عدة كاملة.

 

زاد الضغط علينا من الخلف- وكنا في الصف الأول من المظاهرة- لأن الإخوان خلفنا لا يرون ما نراه.. حتى أصبحت السونكيات ملاصقة لصدورنا وبطوننا، كل ذلك رأيناه، ولآخر لحظة كنت أعتقد أن ذلك لن يتعدى التهديد النظري، إلى أن رأيت الضابط الكبير يصيح مشيرًا بيده لجنوده: "اضْرب".. وبدأت المجزرة: سقط من إخواننا شهيدان.. وجرح عشرات.. وتفرقت المظاهرة.. جرينا ناحية اليمين, ودخلنا دهليز فندق "سميراميس"، كنا قرابة عشرين من الإخوان، أذكر منهم الأخ عبد المنعم الشيخ (ابن دماص- ميت غمر محافظة الدقهلية، وزميلنا في دار العلوم).. وخشينا أن يتبعنا الجنود ويقضوا علينا... صعدنا إلى أعلى حيث المدخل الرئيسي واتفقنا على الخروج واحدًا.. واحدًا، واثنين اثنين...

 

خرجت أنا والأخ عبد المنعم.. وبقية المجموعة ورأينا أمام الكوبري بركة من الدم.. سرنا في الكوبري، ووقفنا في وسطه... كنا قرابة مائة من الإخوان،  وعلى دراجته البـخارية "الموتوسيكل" قبضنا على أحد جنود الشرطة العسكرية، ورأى بعض الإخوة أن نلقي بدراجته في النيل، ولكنا اكتفينا بتفريغها من البنـزين، وأخذ الجندي يجرها بيديه كالبهيمة إلى أن وصل إلى التجمع العسكري، فرأينا مصفحة تتجه إلينا.

 

فجرينا إلى شاطئ النيل أمام حديقة الأندلس، وركبنا "القوارب" إلى الشاطئ الآخر بعيدًا عن تجمع الجنود، وسرنا على الأقدام إلى قصر عابدين؛ حيث المظاهرة الكبرى, كان المتظاهرون قرابة مائة وخمسين ألفًا.. منهم عشرات ألوف يرفعون المصاحف، وقرابة عشرة يرفعون مناديل مضرجة بدماء ضحايا مجزرة كوبري قصر النيل، وسمعنا ضمن الهتافات "دماء الجامعة يا نجيب".. كان محمد نجيب يقف في الشرفة، وكان عبد القادر عودة- رحمه الله- يقف تحت الشرفة مع مجموعة من الإخوان، ولم يرفع منديلاً مضرجًا بالدم كما ذكر حسين الشافعي، بل كان الإخوة الذين يرفعون المناديل بعيدين عنه؛ لأنهم وصلوا متأخرين، وجاء مكان وقوفي خلف الشهيد عبد القادر عودة بقرابة خمسة أمتار، بعد أن بذلت جهدًا خارقًا للوصول إليه.

 

وخطب محمد نجيب، وكان بجانبه خالد محيي الدين أو شخص يشبهه بالحلة العسكرية (والكاذب الأحمر)، قال نجيب ضمن ما قال "أما الذين أساءوا إليَّ فقد عفوت عنهم، وستَتَكون جمعية تأسيسية لوضع دستور، وإقرار نظام نيابي حر".

 

وبعد أن انتهى من خطبته حاول صرف المتظاهرين، فلم يستجب أحد، فطلب من الأستاذ عودة أن يصعد إليه، فاستجاب، ووقف بجانبه، وألقى كلمة قصيرة جاء فيها "إن الإخوان المسلمين يؤيدون محمد نجيب، ويقفون في صف الحرية والديمقراطية، وعودة الحكم للشعب"، وبعدها رفع الأستاذ عودة يده، مشيرًا بها قائلاً: "والآن انصرفوا دون هتاف..".. سبحان الله.. إنهم جنود ملتزمون.. وهذا هو سر نجاح هذه الجماعة المباركة.. مهما تكالبت عليها المحن، دقائق تعد على أصابع اليد الواحدة.. وكأن الأرض قد ابتلعت هذه الكتل البشرية.

 

وغادرتُ ساحة عابدين وأنا أكاد أطير من الفرح، والتقيت وأنا منصرف بالأخ "حسن عبد الغفور" الذي كان يسبقنا بعام أو عامين في كلية دار العلوم.. وهو من أبناء "الدِّر" بأقصى جنوب مصر، وهالني أن أرى دموعًا في عينيه.

 

- ما هذا يا أخ حسن.. إنه يوم الفرحة الكبرى.. عاد محمد نجيب، وأثبت الأستاذ عبد القادر أن دعوتنا: قيادة وجندية، فعلام تبكي إذن؟!!

- أبكي على الأستاذ عبد القادر عودة.. لقد حكم على نفسه بالإعدام من دقائق.

- يا رجل لا داعي للتشاؤم.. أنسيت هتافنا "الله معنا، عزت أواصرنا، طابت عناصرنا، الله ناصرنا، لا عبد يخزينا"؟!

وحاولت أن أغير مجرى الحديث (وكان له سنَّة مخلوعة في فكه العلوي)، فأخذت أداعبه:

- هيه خلينا في سنتك المخلوعة... لازم تركب واحدة جديدة، وإلا لن تكون عريسًا مقبولاً.

 

ولكنه لم يستجب لمداعبتي.

وصدق حدس الأخ الحبيب، فدبرت مسرحية المنشية ثم كانت المحاكمات الظالمة، وأعدم الأستاذ عبد القادر وثلة من الإخوان، وتعرضت الجماعة لمحنة عاتية.

**********

وبالنظر إلى هذه المظاهرة يأخذ الإعلامي المشهور أحمد منصور على الإخوان وقيادتهم ما يأتي:

1- أن هذه المظاهرة تأخرت في توقيتها، وكان يجب أن تقوم قبل ذلك، أو في البداية على حدِّ قوله.

2- أن المظاهرة- بهذا الحجم الضخم- كان يجب أن تخرج إلى شوارع القاهرة، فتنضم إليها آلاف أخرى، وبهذه الحركة السلمية يتحقق الحكم الشعبي الديمقراطي، وينسحب الضباط إلى الثكنات، ولن تحدث مصادمات، أو إراقة دم.

 

وأقول: يا أخ أحمد.. أنت تحكم على التاريخ "بالقطعة" المعزولة عن سياقها، وما يحيط بها من ظروف، وطبيعة النطاق الذي يمكن أن تتحرك فيه، فهذه المظاهرة كانت "ضرورة" في وقتها لأسباب لا يتسع المجال لشرحها، ولا يمكن أن تكون في بداية الثورة إذ كان الناس ينظرون للضباط كمنقذين للأمة من ظلم فاروق وفساد الحكم.

 

فعلى أي أساس يرى الأخ أحمد منصور أن المظاهرة كان يجب أن تواصل السير.. مؤكدًا أنها ستكون سلمية وستسلم من أي "خدش" يصيبها!.

 

وأقول: بل كانت ستحدث مذابح يروح ضحيتها الآلاف لا المئات، فقد كان عبد الناصر ما زال ممسكًا بكل المقاليد، والنفوذ الأول والأقوى له لا لنجيب، وكنت ستجد رجال عبد الناصر يحرقون سيارات ويدمرون محلات وسينمات، ويلصق ذلك بالإخوان، وتعمل المدافع الرشاشة، ويسقط ألوف القتلى، ويُعتقل عشرات الألوف، لأن الجيش سيعتبر المظاهرة تحديًا له، ومحاولة لتحجيمه.

**********

هذا وعملاً بالتوجيه المأثور "لا تجهزوا على جريح" كنت قد عزمت على ألا أواجه أحمد رائف بعد أن عرَّاه الدكتور جمال نصار في مقاله الموثق، لكني- للأسف- رأيت رائف يتمادى في التمادي، ففي مساء السبت 28/11/2009م في قناة (الجزيرة) قال أحمد رائف: "في عابدين في 22/2/1954م وقف عبد القادر عودة، وبشيء من البلاهة والسذاجة صرف الإخوان، وكان من المفروض أن ينطلق بهم في ثورة شعبية للقضاء على الحكم العسكري، وإعادة الحكم للشعب، وكان عدد المتظاهرين في عابدين مليونًا، من شعب لا يزيد على 18 مليونًا".

 

وهنا نرى السيد رائف يحصد آثامًا ثلاثة:

1- فقد أساء الأدب إذ وصف عبد القادر عودة بالبلاهة والسذاجة، وما أراه إلا من قبيل "الإسقاط".

2- وانسلخ من خلق المسلم الذي يوجب أخذ النفس بالقول المأثور "اذكروا محاسن موتاكم"، وخصوصًا مع رجل عاش مجاهدًا ومات شهيدًا.

3- وسقطته في "الأرقام" فاضحة؛ فعدد المتظاهرين لم يكن مليونًا كما ذكر، بل كان- على أعلى تقدير- لا يزيد على 150 ألف متظاهر.

أنار الله بصرك وبصيرتك... يا رائف.

-------------------

[email protected]