من قديم الزمان والناس يبحثون عن خاتم سليمان الذي يحل المشكلات ويُحيل الصحراء جنات، وتمنينا ونحن صغار أن نجد هذا الخاتم الجبار؛ لنحصل على الكثير من الحلوى والعصائر واللبان والفطائر، ولكن لما تقدمت بنا الأعمار تبخر حلمنا وطار.

 

فجأةً وبدون مقدمات أكد لنا الإعلامي عمرو أديب أن هناك من يملك خاتم سليمان؛ إذ ذكر أنه تلقَّى اتصالاً هاتفيًّا من اللواء عمر سليمان المرشح لرئاسة الجمهورية، قال له فيه: "الصندوق الأسود الكبير هينفتح قريب يا عمرو.. بس فيه صندوق أسود تاني مش هيتفتح".

 

غاب الأمان وظهر المستور وبان، فالصندوق الأسود الكبير أو الصندوق الثاني هو خاتم سليمان؛ الذي سيعيد السياسيين والإعلاميين والمتاجرين بالثورة من المتحولين إلى حظيرة مؤسسات السلطة والنفوذ مرةً أخرى، فلن يجرؤ أحد منهم على أن يرفع رأسه بعد اليوم.

 

لم يقل لنا عمرو أديب إن كان سليمان قد هدَّده بملفات له يخشى من فتحها، وإنما رأيناه وقد أصيب بالخرس التام، لم يصرخ أو يهلل أو يخلع ملابسه ليستنكر جريمة استغلال موظفين عموميين سابقين لنفوذ أجهزة الدولة الحساسة التي كانوا يعملون بها وتسخيرها لتوجيه ضربات للخصوم في معارك شخصية.. كل ما فعله أنه خلع بدلة المذيع والإعلامي وتحدث كمواطن حزين حيران.. ترى هل لمكالمة عمر سليمان علاقة بحزنه وحيرته؟!!

 

عمرو أديب وقف على الحياد الكاذب بين المرشحين؛ فساوى بين السجان المجرم والمسجون الضحية، بين شهداء الحرية في التحرير وبقية ميادين مصر وقاتليهم البلطجية، وتحولت سُبَّة أن يكون الشخص هو مرشح المجلس العسكري إلى فضيلة تمنح صاحبها الشعبية في رأي عمرو أديب ويغنِّي لها أغنية الاستقرار.

 

ويزيد عمرو العيار فيقول اسمعوا عمر سليمان، واقرءوا برنامجه، لماذا نخاف من عمر سليمان؟ علينا مواجهته حول حقيقة جنسية زوجته، وفات على عمرو أن هذه القضية إنما هي لإلهاء الناس؛ فكل من خدم بالقوات المسلحة يعلم أنه يحظر على الضباط، وبخاصةٍ في المناصب الحساسة الزواج من أجنبية، فلا يمكن أن يفوت ذلك على الجنرال.

 

لقد هلَّل الإعلام وأقام الدنيا- ومعه كثير من الحق- عندما كذب النائب أنور البلكيمي وأزعج السلطات، حتى رُفعت عنه الحصانة وأُحيل إلى النيابة، ولو هناك بقية مصداقية وعدم خوف من الملفات السوداء فلا بد أن يطالب بمحاكمة عاجلة لعمر سليمان؛ ليس فقط على جرائم التهديد باستغلال النفوذ، ونشر أكاذيب عن تعرضه لتهديدات بالقتل، وإنما أيضًا على مسئوليته عن قتل شهداء الثورة المصرية وجرحاها الأبطال، فقد كان نائبًا لرئيس الجمهورية في ذلك الوقت، ولا يُعقل أن يحاكم الرئيس والوزير ويُترك من بينهما.

 

يعجبني ذكاء الشعب المصري الذي يفهمها وهي طائرة، فلا يصدق كل ما يقال، ولا يسمع لكل ناعق، فالمصالح والملفات السوداء تحرك القلوب والعقول والألسنة والأقلام.