"بجاحة".. هذا هو أقل وصف يمكن أن نطلقه على "فلول" نسوا أو تناسوا الثورة المصرية، وكأنهم لم يسمعوا من قبل هتاف "الشعب يريد إسقاط النظام"، ولم يروا شباب مصر الأطهار يتساقطون في الميادين بالرصاص الحي وقنابل الغاز أيام الثورة وبعدها.

 

هؤلاء هم الفلول الذين ظهروا مرةً واحدة، بدعم ملموس أو غير ملموس من المجلس العسكري، الذي سعى إلي تحويل مسار الثورة وأراد الانقضاض عليها لإعادة إنتاج النظام القديم مرةً أخرى.

 

أربعة مواقف حدثت معي يوم الخميس الماضي، تنبئ بالخطر على مستقبل ثورة قامت من أجل العزة والكرامة، وتكشف مدي هذا التبجح المريب من هؤلاء الفلول.

 

الموقف الأول، كان صباحًا عندما كنت أركب "الميكروباص" في طريقي للعمل، وفوجئت بأحد الركاب يتحدث مع صديقه حول أهمية دعم اللواء عمر سليمان في الانتخابات الرئاسية المقبلة، باعتباره هو الوحيد القادر على إعادة الاستقرار للبلاد، وهو ما استفزَّ مشاعر باقي الركاب الذين دخلوا معه في نقاشٍ طويل، معلنين عن رفضهم لأي فلولٍ في الانتخابات القادمة.

 

مثل هذه النقاشات كثيرًا ما أقابلها في المواصلات العامة والمترو، ولكنَّ الجديد في هذا الموقف، هو تطوره، فاستفزاز مؤيد نائب المخلوع دفع 3 من الركاب لضربه، وسبه، معتبرين أن تصرفهم هذا هو أقل ما يمكن حتى يعي لما يقول ويعود لرشده.

 

الموقف الثاني، عندما خرجتُ من نقابة الصحفيين، لأجد سيارة تعلق علي زجاجها الخلفي والجانبي "بوسترات" اللواء سليمان، وهو ما لاقى استنكار المارة، الذي أشاروا بأصابعهم إليه واتهموه بأنه لا يعي الطريق السليم نحو الثورة، ليخرج صاحب السيارة من الشباك قائلاً لهم: "فلول.. أيوه فلول.. وأفخر إني فلول"!.

 

أما الموقف الثالث، فحدث في شارع شريف بوسط القاهرة، عندما توقفت سيدة تحمل طفلتها على يدها، أمام "بوستر" مكتوب عليه "لا لترشيح عمر سليمان"، وتقوم بتمزيقه وبعثرة أوراقه.

 

ظن الناس في البداية أنه "بوستر" دعائي لسليمان، فحيوها على فعلتها، إلا أنهم سريعًا ما اكتشفوا أنه بوستر عدائي يُندد بسليمان وترشحه، خاصةً أنها كانت تردد جملة واحدة "حرام عليكم.. بتعادوه ليه.. لو عندكم حاجة ضده طلعوها"!.

 

تصرُّف السيدة دفع الكثيرين للالتفاف حولها، وكادوا أن يفتكوا بها، لولا أنها أنثى، وهو ما قاله أحد الشباب الذين هاجموها قائلاً: "إنتي لو راجل مكنتش سبتك".

 

أما الموقف الرابع والأخير وهو أثناء عودتي للمنزل، عندما وجدت السائق يتحدث في التليفون لزميله قائلاً: "وأنا هخسر أيه.. أدوني 20 "بوستر" وعلى كل "بوستر" هعلقه 20 جنيه"!.

 

أربعة مواقف قابلتها في يومٍ واحدٍ، تكشف مدى التبجح الذي وصل إليه فلول وأتباع النظام البائد، ومدى الدفعة المعنوية التي وصلوا إليها بمجرد إعلان سليمان عن ترشحه للانتخابات الرئاسية، ومدى الدعم الذي لاقاه من الجيش، وخاصةً الشرطة العسكرية أمام مقر اللجنة العليا للانتخابات.

 

أتذكر قبل أشهر قليلة، لم يكن يجرؤ أحد أن يعلن أنه من أبناء مبارك، أو يقول مباشرةً "أنا آسف يا ريس"، ولكن الحال للأسف تبدَّل، وأصبح الثوار يخشون أن يعلنوا عن بطولاتهم وصولاتهم وجولاتهم أيام الثورة؛ خوفًا من مجلسٍ عسكري يسير على نهج المخلوع ويعيد إنتاج النظام القديم مجددًا، فتبدَّل الحال تمامًا، ولكن كلي يقين أن القادم أفضل (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (الشعراء: من الآية 227).