كثيرًا ما يتباهى أصحاب الحضارة المادية بعلوم هذه الحضارة وفنونها وآدابها، ومصانعها واختراعاتها وعمرانها، وأنماط حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، ويتفاخرون بما أبدعه عقل الإنسان، وهذا لَوْن من ألوان تجميل وجْه هذه الحضارة، بالحديث عن مظاهرها، فالعلوم والفنون والآداب والصناعات والتخطيط والإدارة، بل والعادات والتقاليد ما هي إلا مظاهرٌ لهذه الحضارة، وقشرةٌ لهذا اللباب.

ولكننا إذا أردنا أن نتعرف على أية حضارة لابد أن ننظر إلى عناصرها التي تتكون منها، فلا تقوم هذه الحضارة بهذه المظاهر المادية، ولكن من خلال تكامل عناصرها المكونة لها، والتي من أهمها:
1- تصور هذه الحضارة لحياة البشرية.
2- منزلة الإنسان في هذه الحضارة.
3- علاقة الإنسان بالحياة في ظل تلك الحضارة.
4- قيمة هذه الحياة في ظلها.
5- ما يسود هذه الحضارة من معتقدات وأفكار ترتكز عليها وتنطلق منها إلى ممارسة الحياة، مع التأكيد على أثر هذه المعتقدات في مشاعر الإنسان، وفي سلوكه وفي آماله وأهدافه.
6- طريقة هذه الحضارة في تربية الإنسان وإعداده؛ ليشق طريقَه في الحياة في ظلّ قيم خاصة يلتزم بها، ويدعو إليها، ويضحِّي بماله ونفسه في سبيلها، مستهدفًا أن يجمع النَّاس عليها.
7- والعنصر الهام هو نظرة هذه الحضارة للعلاقة التي يجب أن تربط الإنسان بأخيه الإنسان.
والإجابة على هذه العناصر تبيّن قيمة هذه الحضارة الإنسانية جمعاء، ومنها يتبين سوادها من بياضها، وهذه العناصر- بتكاملها وتوازنها- هي الحضارة وجوهرها، فإذا قيِّمَت أيُّ حضارة ووُضع لها المقياس القيمي الذي تقاس به، وجَدّت الحضارة الإسلامية- بكل تلك العناصر- تتميز عن أية حضارة، قديمة أم حديثة، شرقية أم غربية، دينية أم وثنية، فرعونية أم رومانية، أو يونانية شرق أوسطية أم كانت هذه الحضارة التي يتفاخر بها القوم، خاصةً في هذه الأيام التي نرى فيها "المتغرّبين" أو "المتأمركين" بل والشيوعيين، أقول: إن الحضارة الإسلامية هي الحضارة الوحيدة التي صنِعت على عين الله سبحانه، فأوحى بكل معطياتها إلى خاتم النبيين محمد- صلى الله عليه وسلم-، وضمِنَ الله أن يحفظ أُسس هذه الحضارة على الأرض؛ حتى يقوم الناس لرب العالمين، لأنها مستمدة من كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حفِظه منزِّلُه من التبديل والتغيير زيادةً أو نقصًا...﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:9)، بل قال لرسولنا- صلى الله عليه وسلم-: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ* لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (الحاقة:44-47),بينما إذَا نظرنا إلى سائر الحضارات نجِدها من صُنْع البَشَر، وهم بحكم بشريتهم وفطرتهم قاصرون عاجزون...﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾(الروم:7)، وهم في نفس الوقت يخطئون ويصيبون، حتى الحضارات الدينية الباقية إلى الآن، كاليهودية والنصرانية، لا يمكن أن تقاس بجانب الحضارة الإسلامية، ولا ترقى إلى مستواها؛ لأن المولى من ناحية لم يُرِدْ بهما أو بأحدهما أن تكون الصورة المثلى، وإنما أرادَ لكلٍّ منهما أن يعالج من مشكلات البشرية ما كان سائدًا وذائعًا وضارًا بالناس في هذه الفترة من الزمان أو هذه البقعة من المكان، وإنَّما هي مرحلة من مراحل الحياة الدينية للبشر تعقبها المرحلة الأخيرة التامة الكاملة، وهي مرحلة الدين الخاتَم الذي جاء به محمد- صلى الله عليه وسلم-، والذي قال عنه منزّلُه جل شأنه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ﴾(المائدة: من الآية3).

ومع هذا كله وجدنا بعض المسلمين أو "المتغرّبين" يقفون من الإسلام وحضارته هذا الموقف المهين، يُشيدون بحضارة الغرب، ويدعون الناس جميعًا أن يحذوا حذوها، ويسيروا في طريقها، ويصطبغوا بصبغتها، فيتصدَّى فريق من المسلمين لهم مدافعين عن حضارتنا، وكأنها في قفص الاتهام، فترى كلماتهم كأنها اعتذار، وسطورهم خجلى.. فأين العزة؟ وأين الخيرية التي نتميز بها؟!.
أليس لنا بعد هذا كله أن نلتقي بالحضارات، ونحن أشد اعتزازًا بحضارتنا، وأقوى إيمانًا بأن ما عندنا هو أكمل وأتم ما أعطاه الله للبشر، فمن أحقُّ بالاعتذار والخجل؟ نحن أم الذين يتهاونون في أمر الله تعالى ونهيه، فأحلوا الحرام، وحرموا الحلال؛ حتى فشت المعاصي على أيديهم، وانتشرت الآثام، وكثُر الخبَث؟ فهل نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير!!، ونسير وراء الذين قطعوا صلتهم بالله، واتبعوا الشهوات، وعاشوا فساد التصور والاعتقاد والحركة والعمل، إنها حضارة الشهوات، فالجنس غذاؤهم، واللهو حياتهم، إلا من رحم ربك.

إن التحلُّل الأخلاقي، والانهيار الاجتماعي الذي نشاهده اليوم، والذي نشأ من الأخذ بحضارة الغرب المادية، هو الذي أفسد على المجتمعات الإسلامية حياتها؛ لأن حضارتهم لا تلوم الناس على إلحادهم وباطلهم، ولا الانحلال والفسوق، فالإنسان حرٌّ، له أن يشرب الخمر، وأن يلعب الميسر، وأن يأكل الربا، وأن يفجر، حضارتهم تسمح بالشُّذوذ الجنسي وتُقنِّنه، ولا تقيم للأخلاق وزنًا، ومن أجل هذه الحضارة يندفع البعض- ممن لا أخلاق له- فيهاجِمون العفة والطهارة ويسمونها رجعية، فإذا لم نَسِر سيْرهم، ونطبق منهجهم فنحن جامدون غير متطورين، فبئس ما يقولون ويعتقدون!!.
و نقول لهؤلاء إن هداية الله التي جاءت على لسان محمد- صلى الله عليه وسلم- ورعايته، والتي تمثلت في كتابه الكريم (القرآن العظيم) أخذت بقلوب هؤلاء الحفاة العراة رعاة الشاه، الجهلة بل الأميون، فصاروا أهل الخير والرحمة، ورسلَ العدالة والسماحة، وأضاءت قلوبهم المظلمة بنور العقيدة، فانطلقوا كأشعة تُنير أركان العالم بأمرين:
أولاً: التصور الصحيح للحياة الدنيا، فلا انكباب عليها ولا حرمان مما أحل الله فيها...﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف:32).
في حين نجد- كما قلنا- الحضارات الأخرى ضلَّت الطريق في تصوُّر الحياة الدنيا، ولم تقبَل أن تَصِل إلى وسطية الإسلام...﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾(القصص: الآية 77).
ثانيًا: وضع الإنسان في وضعه الصحيح، وذلك من أبرز العوامل التي جعلت الحضارة الإسلامية أقدرَعلى توجيه الإنسان، وأجدرَ أن تمنحه الأمن والطمأنينة، فوضعته في مكانه الصحيح...﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾(الإسراء:70). ولم تقبل الحضارة الإسلامية من الإنسان أن يتكبَّر ويقول لهم ما قاله فِرْعَوْنُ: ﴿مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: من الآية29)، كما يفعل "بوش" و"شارون" ومن على شاكلتهم من الذين يريدون فرض مشروعهم.
ألا فلنحمد الله على نعمة الإسلام، وكفى بها نعمة، نعتزُّ به ونستمسك بطريقه، ونفخر بحضارته، فأين الثرى من الثريَّا؟!، وأين أصحاب الرسالات من أصحاب الشهوات؟! ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ (الطلاق: من الآية10)، وجعل لكم نورًا تمشون به، بينما غيرُكم في الظلمات ليس بخارج منها، فكيف يَخرج المسلمون من النور إلى الظلمات، والله أمرهم أن يُخرجوا الناسَ من الظلمات إلى النور... فكيف يحكمون؟!

----------------------------------
* عضو مكتب الإرشاد في جماعة (الإخوان المسلمين)