- موظفو الشباك هم سماسرة السوق السوداء

- قرارات الحكومة لم تقض على الأزمة المتواصلة

- معاملة الموظفين غير آدمية، ولا نعلم أين الاحتياطي؟

 

تحقيق: الزهراء عامر, يارا نجاتي

تكررت المعاناة الموسمية لأبناء الصعيد والأقاليم في مهمة الحصول على تذكرة الذهاب إلى محافظاتهم لقضاء عطلة العيد بين ذويهم وأهاليهم، ويبيت المئات أمام شبابيك التذاكر بالمحطات المختلفة أملاً في الحصول على تذكرة شرعية من الشباك تعفيهم من دفع أضعاف سعرها لبائعي السوق السوداء الذين يبيعونها علنًا أمام الجميع بعد استنفاذ التذاكر من الشباك.

 

وقد تعهد الدكتور جلال سعيد وزير النقل بحل جميع مشاكل السكة الحديد والقضاء على بيع التذاكر في السوق السوداء بقطارات الصعيد، وصرح بأنه سيطالب هيئة السكة الحديد بدراسة الموضوع ووضع حلول فورية لها، لما لها من أهمية كبرى خاصة بالنسبة لأبناء الصعيد، مع العمل على تسهيل عملية استقلال القطارات، وإتاحة التذاكر بشكل أسهل وأبسط.

 

 وعلى أثر تصريحات الوزير فقد أغلقت هيئة السكة الحديد جميع المنافذ لبيع التذاكر في فترة الأعياد وتقليص مدة الحجز من 15 يوم إلي 7 أيام، تفاديًّا لبيعها في السوق السوداء، وأكد المهندس مصطفي قناوي، رئيس مجلس إدارة هيئة السكة الحديد في تصريح صحفي أن الهيئة تأخرت في عرض التذاكر الإضافية لمنع تسريبها في السوق السوداء من خلال السماسرة، وتقرر طرحها بشكل تدريجي ليكون الحجز على القطارات الإضافية وعربات العلاوة في نفس اليوم الذي ستتحرك فيه من أجل إحكام الرقابة عليها، لافتًا إلى أن حجز التذاكر كان ببطاقة الرقم القومي، ولم يحجز الشخص أكثر من 4 تذاكر، وتم إضافة الرقم القومي على التذكرة حتى يتم التعرف بسهولة على صاحبها الأصلي، في حالة ضبطها في السوق السوداء، وإحالته إلى النيابة مع سحب جميع التذاكر منه دون إعادة قيمتها.

 

ويشير إلى أن الهيئة طرحت 48 ألف تذكرة يوميًّا على 98 قطارًا، مع إضافة 432 عربة مكيفة لمواجهة زحام الركاب في إجازات العيد، هذا بالإضافة إلى تشغيل الجدول اليومي الذي يشمل 1100 رحلة يومية، منها 885 بالقطارات العادية و215 بالقطارات المكيفة.

 

وفي جولتنا الميدانية داخل محطة رمسيس شاهدنا صور الحيرة والقلق والاستياء الشديد في وجوه المواطنين الذين فشلوا في الحصول على تذكرة واحدة بعدما قضوا أيامًا وليالي طلبًا للحجز منذ يوم 18 أكتوبر وحتى الآن.

 

لهفة المواطنين كانت بادية في إسراعهم نحو أي فرد يشعرون أنه من الممكن أن يكون معه تذكرة ينوي بيعها، وأعتقد البعض أننا سماسرة تذاكر، فمنهم من مشي خلفنا وانتقل معنا من شباك الدرجة الأولى إلى الثانية، وآخرون ظنوا أننا جئنا لنعيد تذاكر فالتفوا حولنا سؤالاً عن وجهتها المنيا، أسيوط أو سوهاج وغيرها.

 

وحين أبغناهم بهوياتنا توالوا في سرد معاناتهم، واتهموا الصرافين بتهريب التذاكر للسوق السوداء، معبرين عن غضبهم من توافدهم على الشبابيك كل يوم منذ بداية الحجز دون تمكنهم من الحصول على التذاكر، وطالبوا المسئولين بتوفير تذاكر لهم تمكنهم من قضاء العيد مع أسرهم.

 

الموظفون سماسرة

محمد عبد الحميد "محاسب" ويقول إنه شاهد عيان على تلاعب موظفي الشباك بتذاكر الحجز وادعاء نفاذها أمام الجمهور، ويقول: "أنا بتعامل مع شباك التذاكر مرتين في الشهر، وأعلم جيدًا أن العاملين فيه هما نفسهم السماسرة وتجار السوق السوداء، ولا يعملوا لحسابهم فقط بل لحساب المسئول عنهم في العمل، وبحوزتهم العديد من تذاكر الدرجة الأولى والثانية لا تخرج إلا لمن يدفع أكثر"، مبينًا أنه كان سيقوم بشراء تذكرة سفر لأسيوط بمبلغ 100 جنيه بدلاً من 62 جنيهًا من موظف الشباك؛ ولكنه توجس في نفسه خيفة فلم يشترها.

 

ويحكي أن لديه معلومات من مصادر موثقة أن كل موظف يحتفظ لنفسه بحوالي 20 تذكرة في كل قطارات الوجه القبلي وخاصة أسيوط وأسوان؛ لأنهم أكثر الخطوط إقبالاً، مبينًا أن هذه القصة تتكرر معه خلال حجزه إلى أسيوط أثناء العودة من القاهرة ويستطرد هناك موظف يدعى هاشم يحجز لنفسه تذاكر مع بداية الحجز ويضيف 50 جنيهًا على التذكرة خلال بيعها بالسوق السوداء، وتم ضبطه متلبسًا منذ أكثر من عام ونقل إلى الأقصر وعاد مرة أخرى إلى عمله في أسيوط، وهو من يحجز لي تذاكر العودة.

 

ويبين أنه قد تقدم بمذكرة لرئيس الهيئة لحل مشكلة التذاكر السنوية عن طريق فتح خدمة الحجز عن طريق الإنترنت لمدة 24 ساعة فقط، برقم عملية بدلاً من كروت الائتمان يضاف عليها رقم البطاقة، حتى يتم منع تسريب التذاكر للسوق السوداء، مؤكدًا إمكانية تطبيقها سهل جدًا خاصة وأن هيئة السكة الحديد قامت بشراء نظام إلكتروني جديد للعمل به بمبلغ 2 مليون جنيه وما زال تحت التجريب ومن الممكن أن تضيف الشركة المصممة له هذا البرنامج، ويتابع: وهذا الأمر لن يكلف الهيئة كثير، ولكن مع الأسف الشديد رئيس الهيئة لم يلق بالاً ولم يستجيب.

 

ويؤكد حسن رمضان"أسوان" أن تذكرة الدرجة الثانية تم بيعها أمام عينه بـ120 جنيهًا وهي ثمنها في الأساس 55 يعني الضعف، مشيرًا إلى أن يوم الخميس الماضي حدثت اشتباكات بين المواطنين، وحالات إغماء بين النساء نتيجة الزحام والتكدس.

 

مافيا التذاكر

 وينقد إسماعيل جودة "سوهاج" إغلاق الهيئة جميع منافذ حجز وبيع التذاكر في محطات المترو، وتقليص وقت الحجز؛ ما أدى إلى الزحام الشديد داخل غرفة الحجز، فضلاً عن إعلان الموظفين بعد ساعتين من الحجز بأن التذاكر "نفذت".

 

ويستكمل أن هناك مافيا متشابكة تدير عملية التلاعب بتذاكر المواطنين، والسيطرة عليهم عملية شبه مستحيلة خاصة في المناسبات، مبينًا أنه استطاع أن يحصل على تذكرة ذهاب لسوهاج من إحدى المواطنات، ومنتظر أخرى ليسافر هو وأخته للبلد لقضاء العيد.

 

أزمة العودة

ويوضح جمال مصطفى من أبناء سوهاج أنه منذ يومين يأتي من الصباح حتى المساء للمحطة لحجز تذكرة ذهاب فقط لسوهاج، ولم يتمكن من ذلك سواء كان مرتجع أو حجز من الشباك، مشيرًا إلى أن رحلة العذاب لم تكن في الذهاب فقط، بل في العودة أيضًا لرفض موظفي الشباك حجز تذاكر ذهاب وعودة.

 

"كده العيد هيضيع علينا ومش هنعيد وسط لمة الأهل والأحباب" بهذه الكلمات بدأت تهاني محمود "المنيا" موضحة أنه لا يوجد حجز سوى لثاني أيام العيد، ومن المفترض أنه يوجد تذاكر احتياطي ولا نعلم أين ذهبت.

 

وتضيف أنه لو عرضت عليها تذكرة بـ 200 جنيه حالاً ستشتريها لتسافر إلى بلدها، منتقدة المعاملة غير الآدمية التي يتعامل بها العاملين بالهيئة مع المواطنين.

 

ركوب بلا تذكرة

ويشير حازم الطيب "طبيب، أسيوط" إلى أنهم اعتادوا أن تتم عملية الحجز في المناسبات قبل السفر بمدة لا تقل عن 15 يومًا؛ ولكن الهيئة هذا العام قلصت المدة لأسبوع واحد، تفاديًّا لبيع التذاكر في السوق السوداء، ومع هذا لم يستطيعوا الحصول عليها، موضحًا أنه بعد فشله في الحصول على تذكرة سيضطر للركوب في القطار بدون تذكرة ويدفع التذكرة وعليها غرامة مقدارها 6 جنيهات؛ ولكنه سيقف طوال الرحلة على قدميه.

 

"معاكم يا بنات، تذكرة لـ ملاوي بأي سعر" هذا السؤال سألته لنا مدام يسرا عندما وجدتنا نتحرك كثيرًا على رصيف الحجز، وعندما عرفت هويتنا قالت: "منذ أسبوع وأنا آتي يوميًّا لأحجز تذكرة للسفر إلى أهلي، وكل يوم يخبرنا العاملين بأن التذاكر نفذت"، مبينة أن الهيئة تبيع التذاكر للمواطنين بزيادة عن ثمنها الأصلي بحجة التبرع للصم والبكم وغيرها.

 

الدكتور محمد فؤاد عبد الله "من أسوان" ظل يقف ورائنا ونحن نستطلع آراء المواطنين بالدرجة الأولى وعندما ذهبنا إلى الدرجة الثانية مشي خلفنا، ظنًا منه أننا سماسرة تذاكر ومن الممكن أن يشتري منا تذكرة لأسوان...، ويقول إنه يعمل بمستشفى أسوان والعباسية معًا بالتناوب، ويقف في المحطة منذ الصباح ليحصل على تذكر ليسافر بها إلى المرضى، ولم يستطيع ذلك، مبينًا أن مستشفى أسوان حاليًّا ليس بها طبيب ويقوم بمتابعة الحالات بالتليفون وإخبار الممرضة بنوعية الأدوية التي تعطيها لكل حالة.

 

ويرى مصطفي محمد من أسيوط أن المواطن البسيط ذهب حقه، فلا يمكنه الحصول على تذكرة بالدرجة الأولى أو الثانية المكيفة في ظل وجود السوق السوداء، ولكي يحصل على تذكرة لابد أن يدفع على الأقل 15% إلى 25% زيادة عن قيمتها الحقيقية، في السوق السوداء.