القاضي له أنْ يتكلم ويشارك بوصفه مواطنًا في المناقشات التي تسبق صدور النص الدستوري. ولكن بعد صدور النص الدستوري وجب على جميع المواطنين الانصياع للنص الدستوري واحترامه. ولا يجوز لأي سلطة كانت أنْ تهدر هذا النص. ووجب على جهات التشريع أنْ تحترم هذا النص الدستوري في سن وتشريع القوانين. وجب على القضاء والقضاة أنْ ينصاعوا لكل القوانين الصادرة من البرلمان وفقًا لهذا النص الدستوري سواء كانت تعجبهم أو لا تعجبهم. ويلاحظ هنا أنَّ النظام القضائي المصري يتيح للمحكمة الدستورية الاستدراك على القوانين فقط وليس النصوص الدستورية. ولا يوجد في نظامنا القضائي أي قانون أو نص دستوري يسمح للمحكمة الدستورية بأنْ تتصدى لنظر دعاوى حول منطقية نص دستوري من عدمه. نقول هذا الكلام بمناسبة اللغط الذي أثير حول الإعلان الدستوري الذي صدر يوم 21/11/12.

 

بعد صدور الإعلان الدستوري عقد نادي القضاة على الفور اجتماعًا اشترك فيه المحامون والفنانون والساسة والمعارضة والإعلام وغيرهم للتصدي للإعلان. وهذا الاشتراك للفئات غير القضائية في هذا الصخب بالنادي له معان مختلفة هي أنَّ النادي يثير ويحشد فئات الشعب ضد الإعلان الدستوري، وليس هذا فقط، بل اتخذ النادي قرارًا بمشاركة تلك الفئات بتعطيل المحاكم، بل رفع دعاوى تطعن في الإعلان الدستوري. وفتح النادي النار على هذا النص الدستوري متغافلاً ألف باء القانون وطبيعة عمل القضاء. تعليق المحاكم ورقة ضغط لفرض إرادتهم في موضوع هم أولى الناس باحترامه. مسلك النادي قدوة سيئة في عدم احترام القانون بتعطيل العمل في المحاكم. هل أصبح نادي القضاة حزبًا سياسيًّا في غفلة من الزمن؟. أم أنها المتاجرة بالقانون. إنَّ قيادة نادي القضاة لبعض فصائل النخب السياسية شأنَّ سياسي صرف يجب أنْ يتعفف عنه النادي احترامًا لقدسية القضاء. هذا هوى سياسي تمت ترجمته لأفعال تهدم المستقر من القانون. والغريب أنْ هذا الضرب بالقانون جاء تحت رداء مفضوح هو احترام القضاء. كيف نفهم ذلك؟. مشهد غير لائق لمهنة القضاء.

 

إنَّ هذه الحجج الباهتة من نادي القضاة مردود عليها. أين كانت كرامة القضاء وهيبة القضاء عندما سحل النظام البائد بعض القضاة الشرفاء ليس لأنهم ارتكبوا جرائم. لقد أهان ضباط أمن الدولة القضاة لأنهم تصدوا لتزوير إرادة الشعب. لم يجد هؤلاء الشرفاء من نادي القضاة ردًا يدافع عن كرامة القضاء. وجدوا وعودًا تسربت في الهواء. لم يجد هؤلاء الشرفاء من الزند وغيره من ينتفض لكرامة القاضي والقضاء. لم تكن كرامة القضاء والقضاة إذن هي الباعث الحقيقي في وقوف النادي ضد القانون والدستور، إنها ليست خالصة لوجه الله والوطن.

 

إنَّ القول باحترام النادي للقانون كان السبب في هذه الوقفة الصاخبة قول باهت، لأسباب متعددة منها أنَّ القضاء مهمته فقط هي الفصل في الخصومات القضائية التي تعرض أمامه بين الأفراد والهيئات والإدارة. وعندما يفصل في تلك القضايا إنما يطبق القانون فقط. أما الكلام عن مدى منطقية ووجاهة النص الدستوري من عدمه فهذا عمل سياسي صرف لا يجوز بحال للقضاة أنْ يفصلوا فيه. كما أنَّ القانون يجرم تعطيل العمل، والقضاة هم الذي يطبقون ذلك ويصدرون أحكامًا وفق القانون على من يعطل العمل. فإذا عطل القضاة العمل فمن الذي يتصدى لهم؟ إنه في هذه الحالة المجتمع والدولة هم الذين يتصدون لهذا الإهدار من القضاة للقانون.

 

المستقر والعرف والقانون المصري لا يسمح للقاضي بأنْ يتعدي النقاش بالرأي والحجة البريئة إلى عراك سياسي. لا يجوز له أنْ يضغط على المجتمع كله من أجل الضغط على الدولة للأخذ برأيه في النقاش حول نص دستوري مقترح وأقول هنا نص مقترح. عليه فقط أنْ يعطي للمجتمع خلاصة رأيه بوصفه مواطنًا مصريًّا في مشروع الدستور، ولا يتعدي ذلك إلى فرض رأيه على الدولة. إنَّ تعدي التعبير عن الرأي بالامتناع عن نظر الدعاوى القضائية ابتزاز فاضح لا يليق بالقاضي ولا غيره. هذا شطط وعَضْل لمصالح الأمة.

 

بعد صدور النص الدستوري لا يجوز للقاضي أنْ يستدرك على النص. والغريب أنَّ يستدرك رجال قضاء على الإعلان الدستوري، مع أنهم لم يستدركوا من قبل على جمال عبد الناصر أو المجلس العسكري. هذا الاستدراك إهانة للقضاء نفسه وانحراف به عن جادة الصواب. والغريب أنَّ تهاني الجبالي كانت سَاعِد الزند في هذه المعركة السياسية بامتياز وفي قرار الامتناع عن نظر الدعاوى القضائية اعتراضًا على الإعلان الدستوري، لم تجد غضاضة في عقد جلسات المحكمة الدستورية الخاصة ببعض ما جاء في الإعلان الدستوري. هذا موقف غريب يبين أنْ هذه المقترحات من النادي سياسية، كيف تبارك تعليق قضايا المواطنين الغلابة ثم تبارك عقد المحكمة الدستورية للنظر في التأسيسية. إنَّ هذا موقف يبين أنَّ العملية تقسيم أدوار، إنَّ تعطيل قضايا المواطنين تعبير سياسي للضغط على مصالح الناس، وفي الوقت نفسه لا تتعطل المحكمة الدستورية في موضوع الساعة التي كان الأولى بها أنَّ تناقش فيها مع باقي أعضاء المحكمة في تعطيل النظر بها خصوصًا أنه يمتنع عليها ذلك بموجب الإعلان الدستوري. تعطيل هنا وتنشيط هناك، تقسيم الأدوار بين الزند وتهاني.

 

الغريب أنَّ تهاني وغيرها ممن وقفوا بالدعوة لإضراب القضاة عن العمل لا يجدون غضاضة لعقد المحكمة الدستورية الخاصة بقضية التأسيسية الذي لا يجيزه النص الدستوري. إنَّ هذه الجرأة ضد الإعلان والمشروعية؛ لأنَّ الثورة لم يكن لها شوكة تردع، ولا جزرة تغري من ضاعت مصالحه بعد الثورة.

 

ما هذه السرعة يا مستشارة تهاني في الفصل في موضوعات حل مجلس الشعب والشورى والتأسيسية؟. هذا النشاط لم نجده في القضايا التي كانت مرفوعة في دستورية المحاكمات العسكرية أيام المخلوع، لقد ظلت تلك القضايا في أدراج المحكمة الدستورية سنين عددا. لو تم النظر في قضية التأسيسية فإنكم تنظرون في قضية تمتنع عليكم بحكم الدستور والشرعية والقانون. لماذا هذا النوم أيام المخلوع والنشاط الزائد الآن؟، لماذا لم نسمع لكم صوتًا شجاعًا يا قضاة الدستورية في البت في دستورية المحاكم العسكرية لقضايا الرأي أيام المخلوع؟. نسأل الله أنَّ يلحقكم به في المخاليع.

 

وبعيدًا عن مضمون الإعلان الدستوري وعدم مشروعية إهداره بأي شكل كان، فإنَّ هناك وجهًا آخر يتمثل في أنَّ معظم القضاة مثل تهاني الجبالي أبدوا رأيًا متمردًا عليه. فوجب استشعار الحرج يا قضاة الدستورية.

 

-------------------

 الأستاذ بكلية التربية جامعة سوهاج