تبذل بعض القوى السياسية وبعض من لم يوفق في الانتخابات الرئاسية الأخيرة كل جهودهم وطاقتهم وما يملكون؛ لاغتصاب السلطة بأي طريقة كانت ولو على جثث ودماء المصريين وإهدار مقدرات دولتهم وتعطيل عملية التحول الديمقراطي لمصر، وتشويه صورة الثورة وشعارهم الواضح للعيان: "ليذهب الجميع للجحيم وأظفر أنا وحدي بالسلطة".

 

هذه هي الحقيقة التي نحاول أن نجملها أو نلتف عليها أو حتى نتناساها من أجل سلامة الجبهة الداخلية ووحدة الصف في مواجهة بقايا النظام السابق وتحديات المرحلة وإعادة بناء الدولة، وغيرها من قيم نبيلة يتحلى بها البعض في زمن قل فيه من يتحلى بتلك القيم.

 

فمنذ إجراء استفتاء مارس 2011 وشعور البعض أنه لا وجود له إلا في وسائل الإعلام وأن وجوده على أرض الواقع مرتبط بحركته في الشارع وسعيه لحل مشاكله، وهو يبذل كل جهده لإفشال أي بناء لمؤسسات الدولة المنتخبة، وتلاقت في ذلك المصالح السياسية والاقتصادية والإعلامية مع المصالح غير المشروعة لبعض بقايا النظام السابق ورجال أمنه وإعلامه وقضائه وأعماله، وسعى الجميع لهدم ما يستطيع من مؤسسات منتخبة لإهدار الإرادة الشعبية، وإثبات أنهم بما يمتلكون من مال حرام وإعلام موجه وبلطجة منظمة أقوى من تلك الإرادة الشعبية.

 

وتجلت الصورة وتكشفت الملامح بوضوح أثناء تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع مشروع الدستور وأثناء عملها وفي أعقاب نجاح الدكتور محمد مرسي برئاسة الجمهورية، كان غاية جهدهم إفشال الرئيس وتشويه صورته بكل بقوة ومهما كان الثمن.

 

لقد عز على هؤلاء أن يكون لمصر رئيس ينتمي للتيار الإسلامي، فتسابقوا في وضع العراقيل واصطناع العقبات أمامه وتسخير آلتهم الإعلامية لتمرير ما يريدون، وإنفاق المليارات مجهولة المصدر والمنهوبة من دماء المصريين والتحالف الشيطاني مع بقايا النظام السابق ومجرميه من أجل ذلك.

 

 إن هذه المعادلة المريبة هي الخلطة الشيطانية لحرق مصر بكل أسف وتلك هي أبعاد المؤامرة الخبيثة التي تحاك ضد الشرعية وضد إرادة الشعب، بل وضد مصر وشعبها في الحقيقة.

 

لقد مارس هؤلاء الابتزاز السياسي في أوضح صورة مع القيادة السياسية في عدة مواقف لا تخفى على أحد، وعندما لم تفلح محاولاتهم لجئوا لسياسة الأرض المحروقة والإفشال والتعويق وقلب الحقائق وتشويهها، بل وصل الأمر لحد المزايدة على دماء الشهداء والرقص على أشلاءهم من أجل مصالحهم ومكاسبهم الشخصية بكل أسف.

 

وابتعد هؤلاء كل البعد عن أخلاقيات وقيم وشيم الثوار الحقيقيين، فهل الثوار يستخدمون المولوتوف والرصاص الحي؟ وهل يحرقون المقرات ويعتدون على الآمنين؟ وهل يسعون لمصالحهم الخاصة ويغلبوها على المصالح العامة؟ وهل يقبل الثوار بالاتحاد مع من قتل إخوانهم وشارك وحرض وانفق الملايين بل والمليارات في سبيل ذلك؟ وهل يمارس الثوار  سياسة الابتزاز وإشاعة الفوضى والترويع والإرهاب وإهدار إرادة الشعب والتشويه الممنهج للوطنين الشرفاء واحتكار الحق المطلق ولي عنق الحقائق للوصول لمآربهم الخاصة؟ وهل يقتل الثوار إخوانهم الثوار، أو إخوانهم المواطنين أو يحرضون على قتلهم؟

 

إن ما حدث أمام قصر الرئاسة من تجاوز في حق الرئيس المنتخب ومحاولة كسر هيبته وهيبة المكان، ثم في حق أنصاره من قتل وإصابات بالغة وتشويه إعلامي متعمد وقلب منظم للحقائق هو حلقة في سلسلة حرق مصر التي يسير البعض في طريقها الآن تحت دعوى المدنية والعلمانية واحترام القانون والدستور، وهي دعاوى زيف وباطل ويتستر وراءها البعض للوصول لكرسي الحكم وفقط.

 

إن استباحة دماء المصريين تحت أي دعوى هو قمة الفوضى والإجرام الذي لا يمكن القبول به والذي يقودنا إلى طريق صعب لا يمكن لأحد تصور نتيجة السير فيه، فعندما يتم تبرير القتل واستخدام الأسلحة النارية والمولوتوف ضد المتظاهرين السلميين والتحرض عليهم وطلب التصدي لهم فهذا إجرام في حق الشعب وفي حق البلد كله.

 

إن ما حدث في محيط قصر الرئاسة ليس بين الثوار والثوار، ولكنها مناوشات بين أنصار الثورة والحفاظ على الشرعية وبين أتباع الثورة المضادة الفوضويين الذين يمارسون بلطجة سياسية واضحة المعالم والأهداف التي تجلت بمناداة بعضهم بإقالة الرئيس الشرعي والمطالبة بمجلس رئاسي. وهذا هو هدفهم منذ بداية الثورة لوضع المشتاقين للسلطة على سدة الحكم عن طريق إشاعة الفوضى والقتل وليس عن طريق الإرادة الشعبية.

 

وبكل أسف فقد استطاع بعض أقطاب النظام السابق وحوارييه في التسلل لصفوف الثوار والمعارضة الحقيقية وتكلموا بلسانهم واندسوا بينهم وأغروهم بمالهم المشبوه وبإعلامهم الموجه لشق الصف الوطني ولمحاولة إعادة  انتاج النظام السابق لتكتوي البلاد بناره من جديد.

 

وتناسى هؤلاء جميعًا أن إرادة الشعب وقواه الحية أبقى وأقوى من كل تلك المحاولات اليائسة للقفز على الشرعية، وأن الشعوب لا تقبل بإراقة دماء أبناءها من أجل قلة استحوذ عليهم الشيطان، إن دماء الشهداء الأبرار نور ونار، نور يضيء الطريق للحرية والعزة والكرامة، ونار تحرق بلظاها القتلة والمجرمين والمحرضين والمتاجرين بدماء الشهداء الكرام، من أجل كرسي لن يصلوا إليه أبدًا باستباحة الدماء والمتاجرة بها والتحريض على سفكها.

 

الحذر كل الحذر من تلك المخطات المشبوه للوقيعة بين أبناء الشعب المصري بقتل أبنائه وقلب الحقائق وتشويه صورة الثوار الحقيقيين والانقلاب على الشرعية والتهديد باستخدام القوة والعنف وفرض الشروط والإملاءات لمحاولة جني مكاسب وهمية.

 

لقد حمى الله مصر من قبل في مواقف أصعب وأعتى من تلك التي نحياها وسيحفظها بإذنه ومشيئته من كل المحاولات اليائسة التي تحاول النيل منها ومن شعبها.

 

 حمى الله مصر وشعبها ورئيسها من كل مكروه وسوء.