تمَّ إقرار مشروع الدستور وفشلت التجربة الأتاتوركية في تحويل مصر المسلمة إلى دولة علمانية بفضل الله أولاً وأخيرًا ثم بفضل الشعب المصري المؤمن الواعي لما يحاك ضده من مؤامرات داخلية وخارجية.

 

والمتتبع لسلوكيات العلمانيين وشركاهم بعد نجاح ثورة 25 يناير في الهجوم الإعلامي المستمر على الإسلاميين وعلى رأسهم جماعة الإخوان يدرك تمامًا أن الهدف من وراء هذه السلوكيات هو تشويه صورة الإسلام بتشويه حاملي فكرته والمنادين بها؛ ليحال بينهم وبين الوصول إلى الحكم أو ليحال بين الإسلام المعبر عن الشعب والوصول إلى الحكم بواسطة الإخوان والتيارات الإسلامية المصاحبة له.

 

ومحاولات هؤلاء إسقاط الإسلام بشتى الصور عبر إسقاط كل مؤسسة ينجح فيها الإسلاميون بأغلبية ناهيك عن محاولة تشويه هذه المؤسسات حال عملها بما في ذلك مجلس الشعب والتأسيسية وصولاً إلى محاولة إسقاط مؤسسة الرئاسة وانتهاء بالاتهامات المثارة الآن ضد مجلس الشورى، وضد الدستور الذي يعمل الآن بنو علمان والليبراليون وشركاهم على إسقاطه بالرغم من نجاحه بنسبة 63,2% من قبل الشعب المضلل الجاهل الذي لا يعرف مصلحته جيدًا، على حد زعمهم.

 

ويستمر المسلسل برفض العلمانيين الحوار الوطني على مدار الأيام الماضية ووصفه بأبشع الصفات، والمتابع المسلسل من أوله يدرك تمامًا أن هؤلاء لم يشاركوا في الثورة يومًا لتخليص مصر من حكم ديكتاتوري جثم على صدر البلاد ما يقرب من ستين عامًا، وإنما كان هدفهم الأول والأخير هو تجميع كل القوى الوطنية حولهم لينجحوا في ثورة يستطيعون من خلالها أن ينقضوا على الحكم ليتمكنوا بعد ذلك من قطع صلة مصر بالعالمين العربي و الإسلامي، وتفصيل دستور علماني بدلاً من الدستور المصري الذي ينص في مادته الثانية على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، والدليل على ذلك تحالفهم مع الفلول والبلطجية بعد أن انفضت القوى الوطنية المستنيرة عنهم وشعروا بأن التجربة الأتاتوركية التي طالما أُعِدُّوا إعدادًا جيدًا من أجل تنفيذها أصبحت بعيدة المنال.

 

 ولأنَّ الشعب اختار الإسلاميين في مجلسي الشعب والشورى وفي الرئاسة؛ ثقة منه فيهم؛ ولأن الشعب المصري المؤمن رفض كل محاولات فصل الدين عن الدولة يحاول الآن بنو علمان فرض آرائهم بالإرهاب والقمع، وذلك بنشر أجواء من الكراهية لكل ما هو إسلامي، والسؤال الذي يجب أن يُطرح على الشعب على وجه العموم وعلى كل من أيَّد بني علمان أو تعاطف معهم على وجه الخصوص: هل أيدتم العلمانيين أو تعاطفتم معهم لذواتهم أم من أجل تحقيق أهدافهم في إقامة حكم علماني يأمر بإلغاء وزارة الأوقاف والمحاكم الشرعية؟ وهل أردتم بـ"لا" دستورًا علمانيًّا يحول المدارس الدينية إلى علمانية أو أجنبية، ويعلن مصر دولة علمانية؟ هل تريدون- بتأييدكم للجبهة ومن لفَّلفَّها- حاكمًا يتعدى على مساجدكم كما حدث مع مسجد القائد إبراهيم لمجرد أن هناك شيخًا أو إمامًا يريد أن يعبر عن رأيه أو رأي الدين؟ هل أردتم دستورًا يحوِّل بعض مساجدكم إلى معابد بوذية بحجة سماحة الدين الإسلامي مع الأديان الأخرى؟

 

ألا ترون أن العلمانيين برفضهم الحوار لا يزال عندهم أمل في الوصول إلى الحكم بأي طريقة ليشرعوا في مخطط التحطيم الشامل لمصر المسلمة؟، وذلك بفصلها عن ماضيها المتعفن الفاسد- حسب زعمهم واعتقادهم الفاسد- هذا الماضي المتمثل في الحضارة العربية الإسلامية العريقة التي يعتز بها كل مصري سواء أكان مسلمًا أم مسيحيًّا، هذا المخطط الذي عمل عليه الإعلام المأجور- منذ أن نجحت الثورة حتى الآن- ونجح وللأسف نجح أيضًا في تضليل عقلية جزء من الشعب برسم صورة مشوهة عن الإسلاميين وعن الإسلام الذي ينادون بتطبيقه، وما هذا التضليل والتطبيل إلا خدمة لذلك المخطط الشامل لتحطيم مصر المسلمة الأبية العصية بإذن الله تعالى على كل متجبر لا يؤمن بأن دين الله منتصر لا محالة رغم كيد الكائدين.

 

وليتذكر مؤيدو الدولة العلمانية المعمى عليهم بكلمة الدولة المدنية أن أتاتورك- في بداية ثورته التي حماها الإنجليز، وانضم إليه بعض رجال الفكر وشباب القادة الذين انخدعوا فيه- استعار الشعار الإسلامي ورفع المصحف، وبعدما انتخبته الجمعية الوطنية الكبرى رئيسًا شرعيًّا للحكومة ألغى الخلافة، وطرد الخليفة وأسرته من البلاد، وأغلق كثيرًا من المساجد، وفرض آراءه على الشعب بالقوة في ظل الصمت المطبق من الغرب الذي تعهد لهم مسبقًا بإلغاء الخلافة وإخماد كل حركة يقوم بها أنصار الخلافة، فلا تنخدعوا بمن يقول: نحن لا نعادي الشريعة، ونحن مع حرية الفكر والاعتقاد ونحن مع حقوق الإنسان. فهل من المعقول أن ينادي منادٍ بالاحتكام لغير شرع الله في بلد أغلبية سكانه مسلمون، بل ويتظاهر ويظل يتظاهر ويدعو إلى التظاهر وينفق الأموال على هذه التظاهرات ويعطل مصالح الناس ويرفض الحوار، وبعد ذلك كله يكون صديقًا للشريعة مُعَظِّمًًا لها وليس مستهينًا بها؟! والله، إن هذا لهو العجب العجاب. وليس أدل من معاداة المعارضة للشريعة من وكالات الأنباء التي أعلنت صبيحة إعلان نتيجة الاستفتاء على الدستور ما هو آت: "وقع الرئيس المصري محمد مرسي على الدستور الجديد الذي صاغه الإسلاميون ليصبح ساريًا". فهل صاغه الإسلاميون وحدهم؟ وفي نهاية الخبر: "وتصف جماعات المعارضة الدستور بأن له طابعًا إسلاميًّا بشكل زائد وغير ديمقراطي".

 

وأخيرًا: إذا كانت الخلافة قد سقطت في تركيا بفضل التجربة الأتاتوركية، فإن الإسلام لن يسقط في مصر، وسينتصر من مصر بفضل الله أولاً ثم بفضل وعي شعب مصر المؤمن الذي سيقول دائمًا: "نعم" للإسلام ولرافعي لواء الإسلام والداعين إلى نهضة مصر التي هي قلب العالم الإسلامي.