لاشك أن تاريخ الإعلام يرتبط بتاريخ الحضارات فلم تستغن حضارة ما عن وسائل الإعلام مثل  النقوش على الأحجار وعلى الأخشاب، وعلى غيرها من الوسائل، ثم على أوراق البردي في مصر كما كانت الملصقات في روما، وعند قدماء العرب من أهم وسائل الإعلام في تلك الحضارات، وفي تقدم لاحق أصبحت المناداة في الطرق أو من أعلى الجبال والتلال، وعلى ظهور الدواب، هي الوسائل المتاحة، ثم تقدمت وسائل الإعلام إلى المآذن والمنارات، والملصقات والرسائل والبريد وغير ذلك من وسائل أخرى متطورة الأساليب، حتى ظهر الإسلام فكان الإعلام الإسلامي يمثل نقطة تحول هائلة في تطور الإعلام ثم ظهرت المطبعة، وتبع ظهورها الصحف، ثم كانت الوسائل الحديثة الإذاعات والتلفاز والفضائيات طفرة هائلة نحو الإعلام الشامل، والسؤال الدائم هل الإعلام لا بد أن يتصف بالصدق على الدوام؟ والإجابة أن الإسلام على صعيد الإعلام جاء ليبين للمسلمين الطريقة القويمة لاستقاء الأخبار ومعرفة صحيحها من سقيمها كما في الآية الكريمة: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا (83)) (النساء)؛ أي لو أنهم ردوا ما يبلغهم من أنباء الأمن أو الخوف إلى الرسول إن كان معهم أو إلى الرواد المتخصصين منهم لعلمه القادرون على استنباط هذه الحقيقة، واستخراجها من ثنايا الأنباء المبتورة بناءً على ذلك فإن كلمة الإعلام لغة مشتقة من علم، ومعناه معرفة الشيء على حقيقته، وكذلك فإن الإعلام هو الإخبار أو هو التبليغ أو هو الإنباء، وكلها مرادفات تعني انتقال (معلومة) بين الأفراد بوساطة فرد أو جماعة بحيث تنتشر بينهم، فتصبح لهم لغة للتفاهم، واصطلاحًا للتعامل، ووسيلة للمشاركة.

 

أما تعريف الإعلام اصطلاحًا فهو: مجموعة الوسائل الهادفة إلى تحقيق الاتصال ونقل المعلومات والمعارف بموضوعية، بغية الإخبار والتوجيه وتشكيل رأي الأمة إزاء القضايا المطروحة.

 

بمعنى أن من أهم وظائف الإعلام هو تزويد الناس بالأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة والحقائق الثابتة التي تساعدهم على تكوين رأي صائب عن القضايا المطروحة، أو مشكلة من المشكلات، بحيث يعبر هذا الرأي تعبيرًا موضوعيًّا عن آراء الناس واتجاهاتهم وميولهم، كما أن الإعلام يؤدي عملاً مهمًا في تشكيل اتجاه الرأي داخل المجتمعات واليوم نواجه إعلامًا اشتغل به غير المتخصصين بل صار سبوبة لأكل العيش فقط بالحق أو الباطل واستحل معظم العاملين فيه أعراض الناس والكذب الدائم وزاد عليها المتآمرون التشويه والتفزيع ونشر الإحباط لمجرد خصومة فكرية أو سياسية! حتى قال جوبلز "أعطني إعلامًا بلا ضمير أعطيك شعبًا بلا وعي!! وما حدث بعد ثورة 25 يناير أن حالة الوعي لدى الشعب المصري قد زادت وانشغل بالعمل العام ومعرفة ما يدور على ساحة العمل السياسي والاقتصادي بعد أن كان غالب الشعب المصري منشغلاً بالفن والرياضة لسنوات طويلة في تصرف حكيم لترك الساحة السياسية والاقتصادية لحكام مستبدين فاسدين ظالمون؛ تعبيرًا منه لرفضه هذا التهميش! فهل يتآمر من لا ضمير لهم في مجال الإعلام؛ كي يلوثوا هذا الوعي الناشئ، الذي يمكن أن يكون سلاحًا قويًّا في أيدي المصريين وهم يبنون وطنهم ومنظومة ثقافتهم في مناخ الحرية والمسئولية التي يتمتعوا بها بعد الثورة، من أسف أن هذا لم يحدث فقد ركزت وسائل الإعلام المصرية خلال الشهور الطويلة الماضية على مجموعة أهداف تركزت على:

 

- محاولة إظهار أبناء التيار الإسلامي في صورة المتشددين الذين يرهقون الناس وحياتهم الصعبة.- التركيز على بعض القضايا الخلافية مستغلاً تنطع البعض في عرض موضوعات لا قيمة لها مثل زواج الأطفال وإرضاع الكبير بل واختلاق أكاذيب لا أصل لها مثل مضاجعة الوداع.

 

- التشكيك الدائم في قدرة الإسلاميين على إدارة مؤسسات البلاد وإدعاء استحواذهم  على المناصب مخالفة للواقع.

 

- إشاعة روح السلبية في المجتمع وتتبع السقطات والتشكيك الدائم في كل شيء مع تجنب الحديث عن أي إيجابيات.

 

- نشر الانطباع بأن السلطة فقدت سيطرتها على الدولة وأن الفوضى هي عنوان المرحلة التي ستطول!
- التشكيك الدائم ومحاولة إسقاط هيبة الدولة والرئيس والإساءة إليه لفظًا ومعنى، وترك الإعلام الدور المنوط به في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ مصر وحياة المصريين والتي كان من الواجب الالتفات لها والتركيز عليها بل والمحاسبة عندما يحيد عنها مثل:

 

1- التركيز على الإنسان المصري وتنمية قدراته ثقافيًّا وأخلاقيًّا وسلوكيًّا وعمليًّا وعلميًّا.

2- الإصرار على تأكيد وزيادة الانتماء الوطني لدى كل المصريين ارتباطًا بمصر التي لا ينكر أحد مكانتها وفضلها تاريخيًّا وجغرافيًّا.

3- فتح أبواب الأمل في مستقبل أفضل لمصر والمصريين باستعراض ما تملكه من ثروات وطبيعة وعقول.

4-السعي الدؤوب في محاولة لتغيير ثقافات أضرت بالمصريين كثيرًا مثل الاستهلاك الشره والأنانية والضعف والنفاق والكسل والإسراف والإهمال والتركيز على قيم العمل والعدل والمساواة والتعاون والإيثار والتكافل.

5- توضيح مخاطر السلوكيات الضارة في الحياة الخاصة مثل النظافة وطرق التخلص من القمامة والعامة مثل آداب المرور واستهلاك المياه وخطورة الاعتداء على الأراضي الزراعية والتربة السمراء التي تكونت طوال آلاف السنيين وانتشار الأمية والتسرب من المدارس.

6- التأكيد على ضرورة تلاحم الشعب مع قيادته المنتخبة لإحداث نهضة حقيقية في مصر ومحاسبة المقصر وممارسة النصيحة المخلصة والمعارضة البناءة وكيفية المشاركة في العمل السياسي الحزبي وأدوات العمل السياسي

7- مناقشة موضوعية للمخاطر التي تواجه مصر من الداخل والخارج والتحذير منها وتوضيح دور الحاكم والمحكوم للتغلب على هذه المعوقات ومواجهة هذه المخاطر.

8- تكرار طرح نمازج النجاح في كل مكان على أرض مصر وتبني المبدعين والمخترعين وترويج أعمالهم في الداخل والخارج فالنجاح عدوى تنتقل بحسن العرض وتلمس الأسباب وجودة التواصل بين أبنائه.

ترى هل حقق الإعلام المصري في هذا الوقت الذي سيسجله التاريخ لكل مشارك فيه الهدف المنشود وفق ما تصورت وأعتقد؟ أم أنه تجاوز المهنية وأمانة الكلمة وصدق الخبر ودقة المعلومة؟ التقييم متروك لشعب مصر الذي استخف بعقله من لم يعرف حقيقة الشعب المصري الذي أثبت أنه أعقل من نخبته وأوعى من إعلامه وأخلص من سياسته! أما التقويم فمتروك للمخلصين منهم الذين يدركون أن شرف الكلمة قبل حريتها.

 

-------------------------

* أستاذ جامعي ونائب بالبرلمان