عندما نجح تنظيم الضباط الأحرار في الإطاحة بالملك فاروق في انقلاب الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 والمعروف شعبيًّا بثورة يوليو، وتمكن من القضاء على النظام الملكي وإرساء دعائم النظام الجمهوري وفق ركائز تعزز الحكم الشمولي الذي يمكن رئيس الجمهورية من القبض على تلابيب السلطة فى البلاد بشكلٍ مطلق، وإحكام قبضته على كل مقاليد الأمور دون أن يكون لأي جهةٍ الحق في مراجعته، من الناحية العملية في الوقت الذي كانت فيه مصر تزخر بتجربةٍ ديمقراطيةٍ نيابيةٍ حقيقية تقوم على التعددية الحزبية واحترام دولة القانون، وكانت مؤسسات الحكم في الدولة تعمل وفق دستورٍ يحترمه الجميع، كفل الحفاظ على الحقوق والحريات، ومنها حرية التعبير عن الرأي.

 

حدث أن تصادمت أيدلوجيات الحقبتين: حقبة ما قبل يوليو 1952 ذات الطابع المدني الديمقراطي، والحقبة التي امتدت منذ ذلك التاريخ وحتى قبام ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 والتي اتسمت بالحكم العسكري القمعي المستبد، وشكل معارضوا ذلك النظام- وقتها- جبهةً لمحاولة توقي المخاطر التى يمكن أن تحف بالوطن من جريرة ما تردى فيه قادة العسكر المسيطرون على الحكم من عبثٍ بمصالحه العليا، والعسكر- بدورهم- قاوموا ذلك الاتجاه المناهض لهم بكل أدوات القمع والتنكيل، وحاولوا تبرير ذلك العنف المفرط نحو الكثير من رموز الفكر والثقافة والسياسة آنذاك بأن هؤلاء يشكلون ما أسموها بالثورة المضادة لحمل الشعب على تصديق حسن نواياهم، وبالفعل تمكنوا من اجتثاث معارضيهم، وتمزيق أوصالهم، لكنهم لم يستطيعوا إخماد ما أسموه بالثورة المضادة حتى قبيل قيام ثورة يناير وتجلى ذلك عندما عرض مسلسل الملك فاروق، وبمقارنة أيام حكمه بأيام حكم الرئيس المخلوع كانت النتيجة لصالح فاروق وعصره، وأذكر وقتها أن مسئولي الدولة احتجوا على عرض ذلك المسلسل، متهمين بعض القوى الملكية بدعم مخططٍ لإعادة النظام الملكي في مصر.

 

وبالمقارنة بين الثورة المضادة فى حقبة ما بعد انقلاب يوليو 1952 وبين الثورة المضادة في حقبة ما بعد ثورة يناير 2011 من حيث المناخ السياسى السائد وحالة البلاد والدوافع والمبررات ومدى إمكانية الحفاظ على مصالح الوطن العليا نجد أن:

 

أولاً: حقبة ما بعد انقلاب يوليو 1952 حتى ثورة يناير 2011 كانت مصر فيها أشبه بفيلق عسكرى يخضع للسلطة المطلقة الأبدية لرئيس الدولة الذى يختاره سلفه من بين كبار ضباط الجيش ليفرض بقوة السلاح على الشعب فى استفتاءات شكلية يتم تزويرها لصالحه، وفي تلك الحقبة كرس الرؤساء العسكريون جهدهم لعسكرة المجتمع المدني بقصر الوظائف العليا- تقريبًا- على كبار ضباط الجيش بعد تقاعدهم دون الإستعانة بالكوادر الفنية القادرة على تولى تلك المناصب؛ مما أدى إلى تدهور أداء الجهاز الحكومي وتخبطه في شتى المجالات، أما في حقبة ما بعد ثورة يناير 2011 فإن الأمر قد اختلف كليًّا عن سابقه، بعدما أتيح للشعب المصري- في أول سابقةٍ في تاريخه العريض- أن يختار بإرادةٍ حرةٍ الرئيس الذي يمثله وأن يضع دستورًا يعبر عن طموحاته وأمانيه، ويقلص- إلى حدٍ بعيد- من سلطات الرئيس المنتخب في مواجهة باقى مؤسسات الدولة، ويحدد لحكمه مدةً لا يتجاوزها، ويضع الضوابط التي تحكمه في تعيين الوظائف العليا في الدولة والتي تقوم على معيار الكفاءة، لا على معيارٍ عنصري كما فعل العسكر؛ لتصبح الكلمة العليا في الدولة للشعب وممثليه.

 

ثانيًا: تسلم العسكريون السلطة في البلاد، وكانت مصر- وقتئذٍ- تتمتع باقتصادٍ قوى مزدهر، ويكفي للدلالة على ذلك أن الجنيه المصري كانت قيمته تساوي أربعة دولارات، وكانت بريطانيا مدينةً لمصر بمبلغ ثلاثة ملايين جنيه إسترليني لم ترد إلى يومنا هذا، ولم تكن الدولة تعاني من المشكلات التي خلفتها لنا اليوم حقبة حكم العسكر: كالبطالة ونقص السلع والدواء والوقود زارتفاع الأسعار، وتدني سعر صرف الجنيه المصري بالمقارنة بالدولار الأمريكى، وانخفاض الإحتياطى النقدى، وتراكم الديون، والمستوى الأمنى المتردى فى البلاد وغير ذلك من المشكلات التى لا حصر لها، بينما تسلم الرئيس المنتخب السلطة وحمل على عاتقه إرث هذه المشاكل التى كانت صنيعة النظام السابق لا صنيعة نظامه، وبدلًا من تضافر الجهود لحلها يفتعل البعض الأزمات والصراعات للحيلولة دون ذلك .

 

ثالثًا: المبررات التي كانت تحدو النخب التى خاضت تجربة الديمقراطية النيابية قبل انقلاب يوليو 1952 إلى مناوئة قادة ذلك الإنقلاب، كانت تهدف - فى المقام الأول - إلى كبح جماح العسكر الذين لم يستطيعوا أن يتخلصوا من الصبغة العسكرية التى اكتست بها شخصياتهم والتى تجعلهم ينظرون لأنفسهم أنهم فوق من دونهم فى الرتبة أو الدرجة، و تحول دون أن ينصهروا فى المجتمع المدنى الذى يتساوى فيه الحاكم والمحكوم فى وصف المواطنة، فلم يفرقوا فى المعاملة بين الجندى والمواطن، ولم يأبهوا كثيرًا إلى ترسيخ دولة القانون، واحترام الحقوق والحريات، أما دعاة الثورة المضادة اليوم فما مبررات دعواهم ؟ وقد تبدلت الأمور وأصبحت مصلحة الوطن تقتضى دعم مكتسبات ثورة يناير التى صححت كثيرًا من أوضاع الماضى وتسعى لاستكمال مسيرتها تحقيقًا لإرادة الأمة

 

إذا كان الحق فى التظاهر، و التعبير عن الرأى من الحقوق التى كفل الدستور حمايتها، إلا أن هذا الحق ينبغى ألا يخرج عن الحدود والضوابط التى رسمها القانون والتى يجب أن تقف عند حقوق وحريات الآخرين، فلا تتعداها إلى الهدم والتخريب والتعدى على الأرواح والأعراض، وفوق ذلك فإن استعمال الحق يكون غير مشروعٍ إذا كان ذلك الإستعمال وليد تعسف، فقد نصت المادة الخامسة من القانون المدنى على أنه " يكون استعمال الحق غير مشروع فى الأحوال الآتية : (أ) إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير، (ب) إذا كانت المصالح التى يرمى إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها، (ج) إذا كان المصالح التى يرمى إلى تحقيقها غير مشروعة ."

 

ومن هذا المنطلق، فإن ما تزمع عليه بعض القوى السياسية من الخروج للتظاهر يوم 25 يناير المقبل، وما يمكن أن يصاحب ذلك من وقوف أبناء الوطن الواحد فى مواجهة بعضهم البعض، مما قد يؤدى إلى وقوع اعتداءات على الأرواح والأعراض،وتخريبٍ للممتلكات الخاصة والعامة، وأيًا ما كانت نتيجة ذلك الصراع فالخاسر الوحيد هو الوطن، كما أن الإقدام على مثل هذه التظاهرات فى هذا الوقت الحرج الذى يمر به الوطن و الذى يمثل بالنسبة له مفترق الطرق فى مشروع نهضته والعبور الآمن إلى مصاف الدول المتقدمة فى خضم تربصٍ مستمر من القوى الخارجية المعادية التى تسعى إلى النيل منه، ونهب ثرواته، بعدما أنجز الشعب معظم ما كان يطمح إليه من وراء ثورته المباركة، وأمسك بالسلطة فى يده من خلال رئيس منتخب ودستورٍ يعبر عن طموحاته ويحمى حقوقه وحرياته، ويصون مقدراته، يجعل الغرض الوحيد من استعمال تلك القوى لذلك الحق هو الإضرار بخصومهم السياسيين، لأنه لن تعود على الوطن من جراء استعماله فائدةٌ تذكر، بل إنه سيودى به إلى التردى فى مشاكل من الخطورة بمكان ما يجعل المصالح التى يرمون إليها - على فرض تحققها - فضلًا عن كونها غير مشروعةٍ قإنها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البتة مع ما قد يصيب الوطن من ضرر بسببها، وهو ما يقطع بعدم قانونية تلك التظاهرات - فى هذا الوقت - لأنهالا تعدوا إلا أن تكون تعسفًا فى استعمال الحق فى التظاهر، كما أنها بذلك تكون محزمةً شرعًا وفقًا للقاعدة الأصولية الراسخة أنه لا ضرر ولا ضرار، حمى الله الوطن.

----------------------

• رئيس نيابة النقض.