هناك قضية اشتدَّ حولها الصراع، واشتجرت فيها الأقلام، وتباينت حولها الرؤى، ألا وهي الحديث عن هوية الدولة، وشكلها، ومرجعيتها، وطريقة الحكم فيها، فهل الدولة في الإسلام دولة دينية أو ثيوقراطية كما كانت في الغرب في العصور الوسطى؟ أو هي دولة مدنية تؤمن بالمساواة وتطبّق العدل، وتنشر الحرية؟

 

وزاد الحديث وتكاثر بعد وصول الإسلاميين للحكم في معظم دول الربيع العربي؛ مما حدا بـ: (محمد فتحي النادي) الباحث في الفكر الإسلامي أن يتعرّض لهذه المسألة في كتيب أصدرته دار طابة للنشر والتوزيع القاهرية في 38 صفحة من القطع الصغير (12×17) تحت عنوان: "الدولة المدنية والدولة الدينية ... إشكاليات المصطلح والمضمون".

 

وقد حاول المؤلف أن يبحث عن هذه المصطلحات ويؤصّلها من خلال المعاجم ودوائر المعارف؛ حتى يستبين له المعنى المراد، وهل الأفكار المثارة في هذه الأيام مبنية على رؤية علمية دقيقة... أم هي اجتهادات ورؤى غير منضبطة؟

 

وأول ما توقف بالبحث عنه مصطلح (المدنية)، والذي توصّل إلى أنه مصطلح معروف عند العرب وليس جديدًا عليهم، وقد عثر على نص قديم ذكر هذا المصطلح في أواسط القرن الثاني الهجري، وذكر أنه لم يعثر عليه في المعاجم اللغوية القديمة، ولكنه دخل في المعاجم الحديثة.

 

ولقد دارت معاني (المدنية) في اللغة حول سُكنى المدن، والأخذ بأسباب الحضارة، واتساع العمران، والاجتماع وهو ما عبّر عنه ابن خلدون في مقدمته بقوله: "الاجتماع الإنساني ضروري، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: (الإنسان مدني بالطبع)، أي: لا بدّ له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم، وهو معنى العمران".

 

وهذا المعنى الذي أصّله المعجم هو ما كان مستقرًّا عند رواد النهضة في القرن الماضي، أمثال: الأستاذ الإمام محمد عبده في كتابه: "الإسلام بين العلم والمدنية"، والأستاذ محمد فريد وجدي في كتابه: " المدنية والإسلام "، وكذلك أبو الحسن الندوي في كتابه: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"، وغيرهم كثير.

 

ثم تناول المؤلف مصطلحًا تناوله العرب الأقدمون ألا وهو مصطلح (السياسة المدنية)، والذي يشير إلى المعايير والقوانين والسياسات والأخلاقيات التي تضبط العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وقد وضّح هذه العلاقة الإمام الرازي في تفسيره بقوله: "الإنسان مدني بالطبع، وعند اجتماعهم في الموضع الواحد يحصل بينهم منازعات ومخاصمات، ولا بد من إنسان قادر قاهر يقطع تلك الخصومات، وذلك هو السلطان الذي ينفذ حكمه على الكل".

 

وربْطُ السياسة المدنية بالشرع أمر كان معلومًا بالضرورة لدى الحاكم والمحكوم، فعندما سأل هارون الرشيد أحد ندمائه عن نصحه له في أمر الحكم والمعاناة التي يعانيها فقال له: "ربط السياسة المدنية بالشرع يفسده الحكم في غير محله، ويكون ذريعة إلى حلّه".

 

وقد وصل المسلمين كتبٌ لفلاسفة اليونان ترجمت تحت عنوان "السياسة المدنية" منها كتاب لأفلاطون وآخر لتلميذه أرسطو، كما ذكر ذلك المسعودي وابن أبي أصيبعة، وكذلك ألف الفارابي كتابًا تحت هذا العنوان.

 

ثم تناول المؤلف مصطلح (الدولة المدنية) وحاول أن يتلمسه عند الغرب بالرجوع إلى معاجمهم فوجد أنّ مصطلح الدولة المدنية في إحدى التعريفات يكون مساويًا لدولة القانون، وفي آخر يجعل الدولة المدنية هي دولة المؤسسات، وأخيرًا: الدولة المدنية هي الدولة التي تمثل سواد الناس أو المواطنين، والذين لا تشملهم الدولة العسكرية والكنسية.

 

ورأى المؤلف أن هذه التعريفات لا يختلف عليها أحد، ولكن العلمانيين يستخدمون هذا المصطلح استخدامًا يخالف ما جرى عليه العرف والتعريف، مما دفع بعض د. رفيق حبيب للقول بأن مصطلح "الدولة المدنية غير واضح في كتابات النخب العلمانية، ولكن المدقق يكتشف أن هذه النخب تتكلم في الواقع عن الدولة العلمانية".

 

وذهب المؤلف إلى أنه بالرغم من أن العلمانيين يسعون لإقامة دولهم على النسق الغربي، فإنهم انتقائيون يختارون ما يوافق هواهم ودعواهم، ويدعون ما يمكن أن يخدم الإسلاميين في رؤيتهم، ففي الغرب -مثلاً- يمكن إنشاء أحزاب على أساس ديني مثل الأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا، ولكنهم في بلدانهم يحاربون ذلك أشد المحاربة.

 

والدولة المدنية المعنية لدى العلمانيين هي الدولة العلمانية التي لا تعادي الدين في حياة الأفراد، ولكنها تقصي الدين من المجال العام.

 

وهذه النخبة العلمانية الداعية للدولة المدنية بالمفهوم الغربي تستعدي الغرب على الإسلاميين، وتقوم بتخويف عوام الناس من المشروع الإسلامي لإقامة الدولة من باب الوصاية على الشعوب، والتحكم في اختياراتهم وتوجيهها؛ لخدمة أهدافهم وأهوائهم.

 

ثم تناول المؤلف مصطلح (الدولة الدينية)، وهي -حسب تعبير د. محمد عمارة- الدولة المقدسة، أي: التي ترى أن رأيها السياسي دين.

 

والدولة الدينية لا توجد أصلاً في الإسلام، وهي نموذج غريب على الخبرة التاريخية الإسلامية.

 

لذا أصبح مصطلح الدولة الدينية محملاً بمعان لا تحتملها اللغة، ولا ترتبط بالمشروع الإسلامي، ولكن تم صياغة هذا المصطلح لتكوين صورة سلبية يتم إلصاقها بالمشروع الإسلامي، حتى يحاصر بمعان سلبية، وتدخل الحركات الإسلامية في دائرة الدفاع عن مشروعها.

 

وفي نفس الإطار السابق تناول المؤلف مصطلح (الدولة الثيوقراطية)، وقد جاءت كلمة ثيوقراطية من كلمتين يونانيتين: الأولى: كلمة (ثيو)، وتعني: إله، والثانية: كلمة (قراط)، وتعني: الحكم.

 

وبرجوع المؤلف إلى التعريفات الغربية لهذا المصطلح وجد -مثلاً- الموسوعة الكاثوليكية ترى أنها شكل من أشكال الحكومة المدنية الذي يتم فيه الاعتراف بالرب نفسه رأسًا للدولة، وفي تعريف آخر ترى أنه نظام للحكم يعتمد على الكهنة.

 

وهذا هو موطن الداء؛ حيث تسلط الكهنة على الحاكم والمحكوم باسم التفويض الإلهي لهم، وكان ذلك نتيجة لرؤية أوغسطين، الذي حاول توسيع الكنيسة لتكون هي بعينها مدينة الله.

 

وبعد هذا التغول من الكنيسة على الدولة ارتبطت الثيوقراطية في الغرب بالتخلف والاستبداد والعبودية والقهر، وكان الطريق للتخلص من هذه الثيوقراطية أن يتم منع الكنائس من التدخل في شئون الدولة، وكسر احتكارها للمعرفة.

 

ولكنه ليس في الإسلام "رجال دين" يحكمون أو يشرّعون للناس بما يشاءون، والأمة الإسلامية هي الحاكمة، وهي صاحبة السلطة، هي التي تختار حاكمها وهي التي تشير عليه، وهي التي تنصح له، وتعينه، وهي التي تعزله إذا انحرف أو جار، والخليفة في الإسلام ليس نائبًا عن الله، ولا وكيلاً له في الأرض، إنما هو وكيل الأمة، ونائب عنها.

 

ويختم المؤلف كتابه بالتأكيد على أن الدولة الإسلامية دولة مدنية، وينقل نصًّا لـ د. حسن حنفي يقول فيه: "الدولة الإسلامية دولة مدنية بالأصالة، والدولة المدنية دولة إسلامية بالأصالة... والسلطة السياسية في الإسلام مدنية خالصة".

 

وانتهى المؤلف أخيرًا إلى أن الحديث عن الدولة الدينية والدولة المدنية من قِبل العلمانيين ليس حديثًا صادق النية للإصلاح بقدر ما هو حديث للتشويش على الإسلاميين ومشروعهم للحكم، لذلك دعاهم لتغليب مصلحة الوطن وإعلاء قيم العيش المشترك بين الجميع، وترك الفرصة للإسلاميين لإظهار مشروعهم، فإن فشلوا أخذ الأقدر منهم مكانهم، وإن نجحوا عاونوهم وشدّوا من أزرهم.