يبدو في الأفق أن مخطط الثورة المضادة في مصر مازال يتلقى صدمات الفشل تلو الفشل في الوصول إلى أهدافهم من إنهاء مكاسب الثورة من إسقاط نظام كان يرتكز على تزوير الانتخابات وقمع الحريات ودولة بوليسية ونهب منظم للثروات وانشغال بمصالح النخب القريبة من مؤسسة الحكم والتواطؤ مع أعداء الأمة حتى صاروا باعتراف أعدائهم الكنز الإستراتيجي بل وصل منتهى أمل هؤلاء إلى إعادة هذه المنظومة بالتدريج تحت أسماء جديدة ووجوه مستجدة إهدارًا للدماء التي أريقت من أجل نجاح الثورة وقتلاً لأمل الشعب في حياة جديدة تحترم الإنسان وتستثمر إمكاناته ولا تحرمه من حقه في ثروات وطنه وتمنحه حقه في حياة كريمة أراد البعض الذين توافقوا على إفشال الثورة مهما كان الثمن أن يحرموه منها لأن الاستحقاق الديمقراطي ذهب لغيرهم! فاتفقوا فيما بينهم على إسقاط الخصم السياسي بأي ثمن حتى لو سقطت مصر في الطريق! الخطة في مجملها هي إسقاط هيبة الدولة بكثرة التطاول على الرئيس وربطه الدائم بجماعته حتى يشعر المصريون بأنه ليس رئيسًا لكل المصريين وفي سبيل ذلك تسفه القرارات وتخون الإرادات وتحتقر الإجراءات قام بذلك جهاز إعلامي ممول بمليارات وصلت في بعض التقديرات إلى 4,5 مليار جنيه وهو الفارق بين إيرادات الإعلانات ومستحقات التشغيل 6,5 مليار جنيه!! بفريق إعلامي تم اختياره بعناية وأغلبهم لا علاقة لهم بالثورة ولا مقدماتها بل كان أغلبهم من المروجين لرموز النظام البائد!

 

التخوين الدائم للرئيس وجهازه الإداري وإثارة الخوف ونشر روح الإحباط بين المصريين والمتاجرة بفقر المصريين وبطالة أبنائهم في الوقت الذي لا يقدمون فيه بديلاً ولا حلاًّ ولا رؤية عن مشاكل المجتمع ولا يشاركون في أي مسئولية رغم العروض التي عرضت على الكثيرين منهم! والاتهام الدائم بأخونة الدولة كأنها جريمة رغم عدم صحته من باب التخويف لوقف محاولات تطهير الأجهزة في تحول عجيب عن مطالب الثورة كما حدث في قضية النائب العام بحجة الاعتداء على القضاء وهم من طالبوا بالعدالة الثورية بل وما زالوا ثائرين حتى اليوم!!

 

بعد أن تم التحالف مع رموز الفساد من النظام السابق لتلاقي المصالح ضد الرئيس وحزبه وجماعته المحرومين من الرضا بين بعض الدول التي تعد على الأصابع في المحيط الإقليمي والدولي فقد تم منح هؤلاء غطاءً سياسيًّا سمح لهم بالنزول إلى التحرير- الذي كان مقرًّا لإسقاط نظامهم- فأصبحوا ثوارًا  ثم مارسوا عن طريق تشكيلات عصابية من البلطجية المنتشرين في كل محافظات مصر عنفًا غير مسبوق مدفوع الأجر وقد قدمت الأدلة على ذلك للنيابة بالصوت والصورة والأسماء وفي ضوء هذا الشحن تورط كثير من الشباب في ممارسة العنف تحت ضغوط كثيرة لكن في النهاية كانت الفوضى هي السمة الغالبة والعنف هو الوسيلة وسوء الأدب هو الأسلوب الذي تعامل به كل هؤلاء فتم الاعتداء على المنشآت العامة والخاصة وتم مسلسل من النهب والسرقة وتفزيع المواطنين لم يسبق له مثيل في وقت واحد في معظم محافظات الوجه البحري ولعل إيمانهم بأن إراقة الدماء هي الوسيلة الوحيدة لاستكمال الثورة وحشد الحشود بل وتصريحات رموزهم وشبابهم تؤكد ذلك على الإنترنت.

 

في ظل هذا المناخ المشحون بالعنف بجوار البورصة تارة وفي محافظات قناة السويس تارة أخرى ومع اقتحامات للفنادق السياحية في وسط البلد مع اشتباكات منهكة مع الشرطة وقطع طرق وتعطيل مواصلات بالقوة مع تركيز إعلامي مرعب تتوقف الاستثمارات ويعلو سعر الدولار بعد سحبه من السوق المحلي بمليارات الجنيهات المنهوبة من المصريين! وتزيد الأسعار وربما شارك بعض رجال الأعمال في تعقيد الموقف بتسريح العمالة لديه مستهدفين من ذلك إثارة الشارع وازدياد غضب المواطنين الذين يزداد فقرهم وتحميل الرئاسة وحزب الحرية والعدالة والإخوان مسئولية ذلك باعتبارهم حكام البلد رغم إعلان الرفض لتعيين أي مسئول من الحرية والعدالة!!

 

وهكذا في ظل انحسار الشعبية بعد خسارة كل الاستحقاقات الانتخابية والظهور المشين في مسلسل العنف بعد الذكرى الثانية للثورة يأمل المتآمرون في انحياز شعبي لمطالبهم بإقالة وإسقاط هذا الكابوس الإسلامي الذي تفجر في وجههم الكارهة لمنهج الإسلام كأسلوب حياة! وقد باء المخطط حتى الآن بالخسارة لأسباب عديدة منها: 

 

غياب الإسلاميين عن مشاهد العنف الأخيرة وتورط فيها المنتسبون لجبهة المعارضة المتحالفين مع أسوأ أنواع الفلول المحركة لجموع البلطجية في مصر والتي تم إنشاؤها في ظل النظام البائد!

 

ظهور حزب الحرية والعدالة والإخوان المسلمين يوم 22 يناير تحت عنوان "معًا نبنى مصر" في نمط جديد من الاحتفال بذكرى الثورة الثانية لتقديم الخدمات للمجتمع وللمواطنين كزرع الأشجار والقوافل الطبية والسلع المدعمة وإحكام الرقابة على المنتجات التموينية وفتح فصول محو الأمية والقوافل البيطرية وغير ذلك مما أضاف للصورة الذهنية لدى المواطن المصري محددات من يبني ومن يدمر من ينشد الاستقرار ومن يسعى إلى الفوضى!

 

ولعل السلوك الشاذ الذي ظهر به المعارضون وصمتهم على البلطجة وإراقة الدماء المصرية الذكية بلا سبب بل وظهور جماعات الملثمين الذي حاول إعلام الفتنة الترويج لهم على أنهم أصحاب أهداف نبيلة وغاضبون من حقهم التعبير عن غضبهم بأي شكل!! ولا ندري إذا كانت الأهداف نبيلة فلم يحجبون وجوههم! واعتداءاتهم المستمرة على الشرطة وحرق سياراتهم واستفزازهم الدائم واقتحاماتهم لدواوين عام المحافظات حتى أنهم اقتحموا ديوان عام محافظة القليوبية في بنها وصعدوا وحرقوا علم مصر في تصرف غريب على الثوار!!!! كل ذلك أفشل مخطط التعاطف معهم من جموع الشعب المصري بل دفع الأهالي يتصدون لهم كما حدث في مترو المعادي وقهاوي السيدة زينب وشوارع الإسكندرية والمنيا وأسيوط!

 

الخلاصة أن محاولاتهم هذه المرة قاصمة وربما مع فرض الطوارئ ونزول الجيش للمساعدة مع الشرطة وغضب الشعب منهم ورفض قادتهم آخر فرص الحوار تسقط وتتهاوى قدرتهم على رسم الأحداث رغم الدعم الخارجي الذي شكلت له لجان خاصة لمتابعة ما يجري في مصر!! ولعل غير المتورطين في هذه الأحداث يراجعون أنفسهم وينجون بما تبقى لهم من رصيد وأنا أراهم ما زالوا وسطهم لكن دون الصدارة لعلمي بوطنيتهم الحقيقية التي تمنعهم من المشاركة في جريمة حرق مصر لكيد سياسي وانتهازية شخصنت القضايا الوطنية وزاوجت بين الخصم السياسي والوطن ومصر كلها في انتظار هؤلاء لنفتح صفحة جديدة بعيدًا عن هؤلاء الذين تلوثت أيديهم بدماء المصريين ويحاولون بإعلام الفتنة الكاذب أن يلصقوها بخصومهم الذين بالغوا في سماحتهم بشكل أثار غضب قطاعات كبيرة من الشعب المصري وطالبت بالحسم مع المتورطين حتى لو كان الثمن إعلان الأحكام العرفية!!! ولم يشف غليلهم حتى الآن فرض الطوارئ على ثلاث محافظات فقط ولمدة شهر واحد! لكننا نأمل في هدوء الأوضاع في فترة أقل إن شاء الله لتبدأ مصر بحق طريقًا طويلاً للتنمية والنهضة وشعب مصر قادر على تحقيقها إن شاء الله شاء من شاء وأبى من أبى والله من ورائهم محيط.

 

------------------

أستاذ جامعي ونائب بالبرلمان