هي التاسعة في سجل أحداث الاشتباك والتمرد وربما الاختراق في سيناء على مدار العامين الماضيين، ولكنها الأولى بهذا المستوى المتميز في تحقيق الهدف وإنجاز المطلوب دون خسائر، مع تسجيل مكاسب كبيرة على المستوى البشري والمعنوي.

 

ستة أيام مضت بالتمام والكمال قبل أن ينقل الأثير تصريحات مصدر عسكري تعلن نجاح جهود التفاوض فى استعادة المختطفين دون قطرة دم واحدة، بعد ساعات طويلة من العمل والتنسيق بين مختلف المؤسسات السيادية والقبائل العربية في سيناء، لوضع الخطط والتحركات المتوازية، في سبيل اطلاق سراح المجندين السبعة، هم ثلاثة شرطيين وأربعة عسكريين.

 

واستقبل الرئيس الدكتور محمد مرسي ورئيس الوزراء والقيادات العسكرية وكبار المسئولين الجنود العائدين، بعد تحريرهم فجرًا.

 

وسادت أجواء الفرحة في مختلف أنحاء سيناء ومصر كلها، بعد ساعات حزينة من القلق والخوف والترقب، واحتجاجات ظهرت بين عدد من جنود الأمن المركزي الذين غضبوا لاختطاف زملائهم واعتصموا أمام بوابة معبر رفح المغلق بقرار إداري، في إشارة إلى تحميل حماس وفلسطينيي غزة المسؤولية عن الحادث، بإيعاز من وسائل إعلامية معينة، اعتادت الربط بين سيناء وقطاع غزة في خلط بين الجغرافيا والسياسة.

 

وأنهت أسرتا الجنديين أحمد عبد البديع وأحمد محمد عبد الحميد اعتصامهما مع الجنود داخل ميناء رفح البرى، وشكرت آمال سيد، والدة المجند أحمد عبد البديع، الرئيس مرسى والفريق السيسى، على دورهم فى تحرير الجنود المختطفين، وقالت فى مداخلة هاتفية لفضائية "الأولى"، بالتليفزيون المصرى، موجهة كلامها للرئيس مرسى، "أنت ميلادك النهارده على أيدينا فى جميع أنحاء الجمهورية"، مضيفة،"نحن لم ننتخبه، ولكن دلوقتي إحنا قدامه ووراءه فى كل مكان".

 

وعقب ساعات من إطلاق المخطوفين تم إعادة فتح معبر رفح، بعد استعادة المخطوفين وإنهاء الواقعة التي استغلتها أطراف عدة لإخراجها في صورة حادث اغتيال معنوي للروح المصرية في تلك المنطقة المنطقة الحدودية الملتهبة.

 

وبدت إرادة الرئاسة في تحقيق نجاح نظيف دون إراقة دماء المصريين، وظهر في تصريحات الدكتور مرسي "حرصه على دماء جميع المصريين"، وميل الرئاسة لعلاج الأزمة بالحكمة وليس بالحديد والنار، خاصة وأن الدكتور مرسى كان قد اتخذ قراراً فور وصوله للسلطة، بالإفراج عن عدد كبير من المحكوم عليهم فى قضايا سياسية، تم تلفيقها لهم من أمن الدولة.

 

كانت  شمال سيناء قد شهدت قبل يومين من استعادة الجنود المخطوفين - تحرك وحدات خاصة من الجيش والقوات الخاصة وفرق مكافحة الإرهاب، فيما بدا خطوة استعداد لتحرير المختطفين بالقوة المسلحة.

 

وصدر بيان رسمي عن القوات المسلحة المصرية على صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" مساء أمس ليقول: "إن المطالب بالعمل العسكري لتحرير أبنائنا تتزايد ونحن لم ولن نتردَّد في بذل الغالي والنفيس في سبيل تحريرهم والمحافظة على أرواحهم" وأضاف: "ولن تأخذنا شفقة أو رحمة بالإرهابيين أو من يساعد على حمايتهم وإيوائهم، وسيعلم الظالمون أى منقلب ينقلبون".

 

على الجانب الآخر، بدت مواقف المعارضة مخزية في اجتهادها لتفجير أزمة ومحاولة استغلال الحدث في الهجوم على الرئيس، وتكثيف الضغط عليه لتحقيق مكاسب سياسية، وومحاوة إضعاف صورته لتحقيق مطلبهم الرئيسي وهو سحب الشرعية منه وإسقاطه، وذلك بغض النظر عن الجنود المخطوفين، الذين ادعت أقلام معارضة أن الإخوان المسلمين هم من قاموا باختطافهم لإعطاء فرصة للرئيس لإقالة الفريق السيسي، وزير الدفاع.!!!

 

دلالات مختلفة حملتها الأيام العصيبة للاختطاف وصور الفرح إبان التحرير، وفتحت القضية من جديد ملف سيناء كلها باعتباره أن في معالجته قتل الداء واستئصال المرض.

 

فمنذ انتهاء حالة الحرب باتفاقية كامب ديفيد، باتت سيناء فيها بثرواتها وجغرافيتها وحتى مجتمعها مجرد حالة أمنية، يراد الحفاظ على جمودها وركودها لصالح العدو الصهيوني، وغابت يد الدولة عن سيناء عدا تدخلات ايادي الداخلية وعمليات امن الدولة، لتظل سيناء دولة حدودية لا يحمل همها إلا أهلها ولا يحفظ تضاريسها إلا أبناؤها حتى أن أنبوب الغاز الموصل للكيان تم تفجيره 14 مرة دون أن تعرف بالضبط الأطراف الفاعلة في تلك العمليات، نتيجة الغياب الحقيقي للدولة عن عمقها ودروبها.

 

ومع غياب التنمية والأفعال البغيضة لأمن الدولة تنامت بؤر التهريب والإجرام، واستغل الكيان اجرام امن الدولة والاحتقان الناجم عن ذلك لتوظيف ما سميت بالسلفية الجهادية لتحقيق مآربها وأهدافها.

 

الحالة والأوضاع الاستثنائية التي عاشتها سيناء خلال العقود الأربعة الماضية، تضاعفت بعد الثورة، بسبب حالة الانفلات الأمني والجرأة غير المسبوقة على السلطة والإطاحة بقيم القانون والنظام العام.

 

شكر سيناوي

 

ويقول راشد السبع، منسق ائتلاف القبائل العربية المصرية وعضو مجلس الشورى، أن الأيام الماضية شهدت حدثا جللا باختطاف الجنود المصريين السبعة، الأمر الذي أدانه ائتلاف القبائل العربية المصرية واستنكره في بيان يدين كل تلك الأفعال ويحمل الوزر كاملا على مرتكبيها.

 

ويضيف : ليس لدينا معلومات بعد عن جهة الخاطفين وربما لن يتم إعلان ذلك خاصة أن الأمر لابد أن يستكمل للقضاء على بؤر إجرامية وإرهابية لا تحقق إلا مصلحة الكيان الصهيوني وأتباعه.

 

ويستنكر متاجرة بعض القوى السياسية بالحادث لتضوية صورة الرئيس، قائلا مثل تلك الأحداث تقع في العالم كله وواجبنا هو التكاتف إزاؤها وتجنب الخلافات الداخلية للحيلولة دن المساس بأمن مصر القومي.

 

ويتشدد السبع في نفي العلاقة بين الخاطفين وأبناء غزة، متعجبا من طرح اسم حماس والغزوايين في كل قضية تتعلق بفلسطين، داعيا تجار الدماء والحروب إلى وقف استنزاف قوى الشعب المصري في مساحات لا فائدة منها وتدل على جهل أصحابها بملف سيناء كله.

 

وتوجه بالشكر إلى الرئيس مرسي على قيادته وإدارته الحكيمة للأزمة، مثنيا على دور الجيش ورجال القبائل العربية وتواصلهم حتى تحقق تحرير المخطوفين، من خلال الضغط والتفاوض لتخرج العملية نظيفة دون دماء، ويضيف: ذلك النجاح لم يأت من فراغ بل كان نتاج ضغوط وتضييق الخناق وحصار مشدد على البؤر الإجرامية والفئة الضالة، حتى نرى حالة الانتصار.

 

ويؤكد السبع أن القبائل ستبقى حصن حصين عريق وأمين على سيناء، ويستدل على حديثه بتاريخ القبائل في الحروب المختلفة حين كانت تعمل كقمر صناعي للجيش يدلهم على الطرق والدروب.

 

ويرى أن العلاج يحتاج لخطوات أخرى تعمل عليها قيادة الدولة مع مختلف المؤسسات التي بدت خلال الحادث قوية ومتماسكة، رغم محاولات البعض تشويه المشهد والعمل على تحقيق مكاسب جزئية، لا تصب إلا في صالح الموساد الصهيوني.

 

كامب ديفيد

 

وترى د. نادية مصطفى، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن حادثة الاختطاف وضعتنا أمام أزمة متعددة الأبعاد، في مقدمتها ملف سيناء وكيفية التعامل الأمثل معه، مؤكدة أن النجاح الراهن في استعادة المخطوفين، ليس حلا نهائيا في القضاء على البؤر الإجرامية، ولكن يلزمه التعامل الجاد مع الملف كله، لتعود السيادة المصرية كاملة على أراضي سيناء.

 

وتهنئ د. نادية الشعب المصري كله بعودة أبنائه المختطفين، فيما تندد بمن تاجر بالقضية وحاول إحراج الرئيس وتشويه علاقتة الرئاسة بمختلف المؤسسات الوطنية والسيادية.

 

وتقول إن عملية الاختطاف أثارت من جديد مسألة غياب السيطرة الأمنية على سيناء، وتتعجب من دعوات من يجهلون ملف سيناء ويطالبون بتدخل عسكري لتحرير الرهائن، موضحة أن مثل تلك الدعوات كان يمكن أن تتسبب في عملية عشوائية ذات عواقب وخيمة، نتيجة عدم غياب كثير من التفاصيل عن موقع وهوية الخاطفين.

 

وتدعو د. نادية لحلول عاجلة تعالج حالة عدم الرضا السيناوية، وتقضي على البؤر الإرهابية الإجرامية، فيما تقطع الطريق على محاولات الاختراق من الكيان الصهيوني، مطالبة، بإعادة النظر في اتفاقية كامب ديفيد باعتباره مطلب ثوري مطلوب تحقيقه، ليجعلها تعمل لصالح الأمن المصري وليس الأمن الصهيوني وحده.

 

ضربة بالركبة!

 

ويستبشر محمد القدوسي، المحلل السياسي، بعملية التحرير ويرى فيها خير مقبل في الأيام المقبلة على مختلف الأصعدة، ويقول إن الحادث كان بمثابة ضربة بالركبة لمؤسسة الرئاسة، حيث أوجعت وترين: الأول أن يضطر الرئيس تحت الضغط أن يقوم بعملية عسكرية تراق فيها الدماء من الجانبين، غير أن الوسائط غير الوطنية ستصورها في شكل انقضاض من الرئيس على بعض فصائل الإسلاميين، و بغض النظر عن صدق المعلومات قد يتسبب ذلك في فجوة بين الرئاسة وجموع الإسلاميين.

 

وويتابع: الآخر أن يسكت الرئيس مما ينذر بعواقب وخيمة نتيجة الأثر السيئ في نفوس المصريين والحزن النفسي الذي أصاب الجنود وضباط الجيش والشرطة غضبة لإخوانهم المخطوفين، وجاءت المعالجة الحكيمة لتحل الأزمة وتحقق انتصارا مزدوجا دون إراقة أية دماء.

 

ويطالب القدوسي بالنظر الجدي في الأخطاء الكثيرة التي مارستها الداخلية في سيناء والتي تشير معلومات إلى استمرار سياسة التعذيب والاعتقال العشوائي، ما سيبقى هو أحد الذرائع المهمة لتواصل مثل تلك العمليات واختراق الكيان لتلك الجماعات في سبيل تحقيق أهدافه.

 

ويوضح أن الموساد استغل إجرام أمن الدولة لتجنيد جماعات عنف مسلحة عبر اختراق فكري وبشري لتجمعاتها، فضلاً عن وجود أعوان كثر في مختلف المؤسسات من أتباع مبارك ونتاج سياسات التطبيع مع الكيان، وذلك فضلاً عن جهود بعض الدول الإقليمية لتدبير حوادث مختلفة تعيق نجاح الثورة المصرية خوفًا من تصديرها.

 

ويؤكد أن الحل الذي شهدناه على الأرض كان حلاًّ نموذجيًّا، برجوع الشباب عبر اتفاقات وتفاهمات طويلة تجنب الجميع إراقة الدماء.