أتابع- كما يتابع غيري- ما يجري في داخل سوريا من تدمير وقتل وتخريب، تطالعنا الشاشات كل يوم بثمانين أو مائة أو مائة وعشرين قتيلاً حتى تجاوز عددهم المائة ألف؛ فضلاً عن أعداد الجرحى والمصابين، فضلاً عن أعداد المهجَّرين الذين تجاوزوا الملايين.

 

ومن خلال متابعتي لبعض القوافل الطبية والدعوية التي تدخل إلى سوريا من مصر ودول الخليج العربي لمست حاجة شديدة إلى وجود العلماء والدعاة هناك، وإن أولى الدعاة والعلماء الذين يجب عليهم أن يكونوا في قلب الحدث هم علماء سوريا ودعاتها؛ إذ هم أعلم بوطنهم، وأدرى بتفصيلاته وسراديبه ودهاليزه، فأهل مكة أدرى بشعابها.

 

إنني أتابع كثيرًا منهم وهم يتنقلون من بلد إلى بلد خارج سوريا، ومن مكان إلى مكان للقاءات هنا، أو مؤتمرات هناك، أو مهرجانات هنالك، وقد يهاجم بعضهم الرئيس المصري، وينتقد بعضٌ آخر جماعة الإخوان، في مؤتمراتهم، ومن وراء أجهزة "الكمبيوتر"، وهم "يجاهدون" على شبكات التواصل الاجتماعي.

 

إنني أدعو علماء ودعاة سوريا الذين يقيمون بالخارج بدلا من عقد المؤتمرات، والتنقل بين "الفنادق"، وبدلاً من توجيه اللوم أو طلب النصرة- وهذا حقهم، وواجب الأمة نحوهم- من أحد.. أن ينزلوا إلى "الخنادق"، وإلى عرصات القتال وساحة الوغى، فإن الساحة السورية أحوج ما تكون إلى علمائها ودعاتها وقادة الرأي فيها.

 

سوريا بحاجة إلى علمائها لكي يشدوا من أزر المجاهدين، ويقووا ظهورهم، ويرفعوا من معنوياتهم، ويبينوا لهم أحكام الشرع الصحيحة فيما يستجد من قضايا ومسائل.

 

سوريا بحاجة إلى علمائها لنشر الفكر الوسطي، ومواجهة الفكر المتطرف الذي سيعصف مستقبلاً بالبلاد والعباد، ويشيع الفكر المنحرف إفراطًا أو تفريطًا.

سوريا بحاجة إلى علمائها لقيادة الجماهير على الثغور، وأمام الصلف العلوي المؤيد بظهير من إيران وحزب الله، و"إسرائيل" والغرب.

 

سوريا بحاجة إلى علمائها ودعاتها لكي يحفروا لأنفسهم مكانة بين شعبهم، ويجدوا لأنفسهم موطئ قدم في المستقبل، فبقدر وجود العالم أو الداعية وقت الجهاد والمقاومة، وبقدر تضحياته تكون له المكانة بين الناس، ويكون له التأثير في تشكيل المستقبل، وإلا فكيف سيقابل الشعبُ الذي ضحى وعانى عالما أو داعية لم يصل سوريا إلا بعد رحيل الطغيان والجبروت؟ هل سيقابله الشعب المضحي بالورود وأفواج المهنئين، أم سيقذفون في وجوههم الحجارة، ولا يستمعون إليهم في أمر ولا نهي؟.

 

ولا يعني هذا ألا تتحمل الأمة مسؤوليتها نحو إخوانهم في سوريا، فهذا واجب إسلامي أصيل، والبلاد العربية- وفي القلب منها مصر وبلاد الربيع العربي- لم تقم بالدور المنشود أو المرجو منها حتى الآن، ربما يكون لهم داخل أوطانهم ما يشغلهم ببناء أوطانهم ومؤسساته لكن هذا لا يبرر خذلانهم لأهلهم في سوريا، أما المسئولية الأولى فهي مسؤولية العلماء والدعاة السوريين.

 

أدري أن وجود بعضهم بالخارج مهم، ويؤدي دورا مطلوبا، كما أدري أن هناك بعضا منهم ذهب إلى سوريا ويقوم بدوره الآن، ولكن لا يزال عدد ليس قليلا منهم يقيم بالخارج ويؤدي نشاطًا ليست له أولوية في وقت يتطلب أن يحمل السلاح بالداخل، ويقود الجماهير نحو التحرير وتحقيق النصر وتشكيل المستقبل والتأثير في رسمه وإيجاده.