- أطفال بني غازي جثثٌ جاهزةٌ للدفن

- ما حدث لأطفال ليبيا كانت خطةً أجنبيةً مستهدفةً

- التجربة الليبية في مجالِ مكافحةِ الإيدز فريدةٌ من نوعها

 

حوار: إيمان حسن

كان لقرارِ القضاء الليبي مؤخرًا بإعادةِ محاكمةِ الممرضاتِ البلغاريات والطبيب الفلسطيني، المتهمين بنقل الإيدز لأكثر من 400 طفلٍ من أطفالِ بني غازي في عام 1997م صدىً كبيرٌ خاصة، فبينما رحبت الدول الغربية التي كانت تضغط على الحكومة الليبية من أجل الإفراج عن الممرضات البلغاريات دون أدنى اهتمام بمأساة الأطفال الأبرياء؛ الذين كُتِبَ عليهم الإصابة بهذا المرض اللعين، لكن هذا القرار أثار غضب أهالي هؤلاء الأطفال الضحايا الذين تظاهروا مطالبين بالقصاص من المتهمين، وحول هذه القضية كان لنا هذا الحوار مع الدكتور علي بوراوي عضو شبكة شمال أفريقيا والشبكة الليبية للجمعيات العاملة في مجال الإيدز:

 

أحياء موتى

* في البداية.. ما تعليقكم على إعادة محاكمة البلغاريات المتهمات بحقن الأطفال بفيروس الإيدز؟

** هناك معلومة يعلمها الأطباء المختصون، وهو نشر الوفاة العمدية بين الأطفال، ونحن لا نريد أن نوجه نظرنا إلى الذين قاموا بهذا بقدر ما نريد أن نشعر العالم بمأساة هؤلاء الأطفال، والذين من حقهم أن يعيشوا كباقي الأطفال، فمن ضمن 426 طفلاً مات منهم عشرات الأطفال حتى الآن، والبقية منهم جثثٌ جاهزةٌ للدفن؛ فهؤلاء الأطفال ضحايا، تعرضوا للظلم؛ فلماذا لا ينظر العالم لهم بعين الشفقة والرحمة؟!

 

ونحن كمجتمعٍ مدنيٍّ ليبيٍّ نحترم رأي القضاء الليبي؛ ومن ثَمَّ إذا حكم القضاء ببراءة هؤلاء الممرضات فنحن سنتراجع- كمنظمات مجتمع مدني- فطالما نحن الذين اخترنا القضاء فيجب أن نرضى بحكمه.

 

استهداف أجنبي

* هل تعتقد وجود أيادٍ أجنبيةٍ وراء حقن الأطفال بفيروس الإيدز؟

** الاعتقاد وارد في كل شيء، وليبيا دولة مستهدفة، وقد تعرَّضت للحصار لمدة سبع سنوات، وتمر ليبيا الآن بمرحلة استقرارٍ، ولديها تَوَجُّهٌ جديدٌ؛ وهو نشر فكرٍ ورؤىً صحيحةٍ عن المجتمع الليبي تنفي مزاعم أنها تأوي الإرهابيين، وما قامت به ليبيا من تقديم المساعدات للكثير من الدول جعلها محط أن تكون مستهدفةً من قِبَلِ دولٍ أجنبيةٍ، ولا نستبعد أن تكون عملية أطفال بني غازي إحدى العمليات التي قامت بها الدول الاستعمارية من أجل خلق خلخلةٍ وفتنٍ في المجتمع الليبي، والذي يؤكد أن ما حدث للأطفال كانت خطةً مستهدفةً: أن الأطفال المصابين بفيروس الإيدز كانوا في مستشفى واحدٍ، وأيضًا لدينا الدلائل العلمية التي تؤكد أن الممرضات البلغاريات هن اللائي قمن بحقن الأطفال بالفيروس.

 

قسم بعينه؟!

* كطبيبٍ تعمل في مجال الإيدز، ما الدلائل العلمية التي بنيتم عليها استنتاجكم باتهام البلغاريات؟

** إنهم يدعون أن الحُقَن تلوثت، ولكن التساؤل: لماذا لم يحدث غرف أو أقسام أخرى في المستشفى كغرفة غسيل الكلى مثلاً أو غرفة العمليات أو قسم العيادات الخارجية؛ ولهذا نحن نستبعد الإهمال الطبي الليبي؛ لأن ليبيا ليست دولةً فقيرةً، ولديها إمكانياتٌ أن تشتري حُقنًا، وتستخدم حقنةً لكل شخصٍ، وليس من المعقول استخدام حقنةٍ واحدةٍ لأكثرَ من 400 شخصٍ إلا إذا كان مع التعمد.

 

* وما دور الشبكة الليبية للجمعيات العاملة في مجال الإيدز في التصدي لهذه المشكلة؟

** التجربة الليبية في مجال مكافحة الإيدز هي تجربةٌ فريدةٌ من نوعها، وتهدف ليس فقط إلى مساندة المريض نفسيًّا وصحيًّا واجتماعيًّا؛ ولكن أيضًا إلى تصحيح نظرة المجتمع الى مرضى الإيدز، حيث ينظر إليهم المجتمع كمجرمين، وليسوا كمرضى يمكن شفاؤهم، وكان هذا هو التحدي الحقيقي الذي واجه الشبكة؛ حتى لا يتم عزل هؤلاء المرضى عن المجتمع، وحتى يظهر الجانب الإيجابي في حياة هؤلاء المرضى، ولا يقتصر دورهم على الجانب السلبي، وتسعى أيضًا الشبكة إلى مد المجتمع بصفةٍ عامةٍ، والمراهقين بصفةٍ خاصةٍ بالمعلومات السليمة التي تُعَرِّفُهُمْ بالمرض وخطورته، في إطار رسالةٍ معلوماتيةٍ تتلائم مع خصوصية المجتمع بأصوله وقيمه؛ حيث إن الحاجة إلى المعلومات أصبحت ماسةً مع زيادة حجم المشكلة في المجتمع.

 

* وهل لديكم أرقامٌ حول عدد المصابين بمرض الإيدز في ليبيا؟

** لا توجد أرقامٌ ثابتةٌ حتى الآن؛ خاصةً بين أوساط الشباب، ولكن أعتقد أن أسباب مشكلة الإيدز في ليبيا ترجع إلى الحاجز الأسري الموجود داخل المجتمع الليبي، بالإضافة إلى قلة الوعي، وتكمن حل هذه المشكلة في تبني القطاع الشعبي، وإيمانه بالتوعية السليمة، وأهمية توفير حياةٍ كريمةٍ لمرضى الإيدز.

 

التعاطي بالحقن

* بالنسبة لشبكة شمال أفريقيا، هل هناك نسبة معلومة حول انتشار الإيدز في هذه المنطقة؟

** لا توجد أرقامٌ معينةٌ، ولكن من خلال الملتقيات التي أجريت مع دول شمال أفريقيا، ومن خلال مؤتمراتٍ تشرف عليها الأمم المتحدة، تعتبر النسبة متقاربةً، ويرجع ذلك إلى تشابه  العادات والتقاليد، وإن كان هناك بعض الاختلاف نتيجة التأثر بالاستعمار الفرنسي أو بعض السياسات؛ لكن الحدود مفتوحةٌ، وكان أكثر شيءٍ ظاهرٍ في هذه المؤتمرات التي تعقد في شمال أفريقيا هي مشكلة المخدرات؛ وهي مشكلةٌ أعلنتها ليبيا في أكثرَ من مناسبةٍ، نحن نعاني فعلاً من مشكلة تعاطي المخدرات بالحقن، لكن في هذه الفترة- ولله الحمد- تناقص نسبة متعاطي المخدرات بالحقن نتيجةً لزيادة الوعي، وقيام الدولة بمجهوداتٍ جبارةٍ في عملية ضبط ومكافحة تهريب المخدرات؛ خاصةً وأن ليبيا دولةٌ حدودها كبيرةٌ لا تستطيع الدولة أن تتحكم في كل المنافذ الحدودية، ونحن لمسنا كمجتمع مدنيٍّ أن هناك نقصًا في العرض والطلب من قِبَلِ المتعاطين أَنْفُسِهِمْ.

 

سلبيات العولمة

* تواجهنا هجماتٌٌ تغريبيةٌ خطيرةٌ، فهل أثَّرت العولمة والتأثيرات الخارجية على الشباب الليبي؟

- الشباب الليبي حاليًا يتجه لمواكبة التطور، وهذا التطور جاءنا بإيجابياتٍ وسلبياتٍ، وفي نفس الوقت نجد أن الوضع العالمي يفرض نفسه بنفسه؛ فإذا كنا سنواكب مرحلة التطور وما للعولمة من إيجابياتٍ وسلبياتٍ، فإننا عندما نأخذ شيئًا نحاول- قدر المستطاع- أن نأخذ ما يفيدنا، ولكن هناك أشياءَ لا يستطيع كل الشباب التحكم فيها؛ فنجد بعضهم له ميول غير مرغوبةٍ ولا تتماشى مع مجتمعنا العربي والإسلامي، وهذه التغيرات لا نستطيع أن نقول إنها أصبحت عامةً في المجتمع الليبي؛ بل هناك من تأثر، وهناك من واجهها؛ والدور هنا يقع على مؤسسات المجتمع الليبى في زيادة الوعي والتعريف بهذا الأمر؛ لأنه- وللأسف- حتى الآن ما زال التعريف بأضرار وسلبيات العولمة في نطاقٍ ضيقٍ لا يدركه الشاب الليبي، والدولة لم تنفتح انفتاحًا مفاجئًا؛ ولكن كان الانفتاح تدريجيًّا، وقد يعتقد البعض أنها سياسةٌ بطيئةٌ، ولكن لا بأس بقليلٍ من البطء في سبيل التوفيق وعدم الإضرار بالنفس.