- المحكمة الدستورية قضت بعدم اختصاصها بتعديل الدستور

- المستشار مكي: اللجوء للقضاء الدولي معناه اليأس من الداخل

- ناصر أمين: القانون الدولي حافظ على حقِّ الصحفيين في التعبير

 

تحقيق: ياسر هادي

جاء حكم المحكمة الدستورية العليا الأحد 15/1/2006م بعدم اختصاصها بنظرِ الطعن المقدم ضد تعديل المادة 76 من الدستور وعدم اختصاصها بنظر الطعن في القانون رقم 174 الخاص بانتخابات رئيس الجمهورية، ليكمل قرار النائب العام منذ أيام بحفظ التحقيقات في البلاغات التي قدمتها عدد من الصحفيات بسبب تعرضهن للتحرش والانتهاكات الجنسية يوم الاستفتاء على المادة 76 من الدستور، وهو ما أكد رغبة الحكومة في غلقِ هذا الملف الملغَّم الذي دار حوله جدلٌ كبيرٌ خلال الشهور الماضية.

 

إلا أنَّ الجدلَ في الموضوع لم ينتهِ وخاصةً فيما يتعلق بحفظِ التحقيقاتِ في البلاغاتِ التي تقدَّمت بها الصحفيات، والتي دُعِّمت بعددٍ من الصور الفوتوغرافية والفيديو التي تُثبت الاعتداء الذي تمَّ ضدهن، وقد فوجئ الرأي العام المصري بهذا القرار الذي يحمل رقم 7165 لسنة 2005م المقيد برقم 112 لسنة 2005م والذي استند إلى أنه "لا وجه لإقامةِ الدعوى الجنائية لعدم التعرف على الفاعل"، وهو القرار الذي لم يكن يتوقعه أحد بسبب بشاعةِ الاعتداءاتِ التي ارتكبت ضد المعارضات والصحفيات اللاتي قُمن بتغطية هذا الحدث، والذي قامَ خلاله عددٌ كبيرٌ من البلطجيةِ وأرباب السوابق بالتحرشِّ الجنسي بالفتياتِ والسيداتِ وتمزيقِ ملابسهن والاعتداء عليهن بالضربِ والملامسة بالأيدى بشكلٍ أُصيب معه عددٌ كبيرٌ منهن بانهيارٍ عصبيٍّ.

 

وبرغم قسوةِ الاعتداءاتِ التي تعرَّضت لها شيماء أبو الخير وعبير العسكري ونوال علي وغيرهن من ضحايا يوم الاستفتاء إلا أنهن استجمعن شجاعتهن وقُمن بتقديمِ بلاغاتٍ إلى الجهاتِ المختصة للاقتصاصِ من المعتدين عليهن والذين قاموا بحمايتهم، وقُمن بتحديدِ أسماء عددٍ منهم وتقديم صورٍ لهم خلال عملية الاعتداء الغاشمة التي لم تُفرِّق بين الإعلامياتِ أو المتظاهراتِ، فالكلُّ عند البلطجيةِ سواء، ولا يستطيع كل من شاهد تلك اللحظات المؤلمة إلا أن يُعرب عن حُزنِهِ على قرارِ النائب العام بحفظِ التحقيقاتِ؛ لأنَّ الجميعَ كان ينتظر توقيع عقوباتٍ مناسبة على الجناةِ تخفيفًا من الألمِ النفسي الرهيبِ الذي تسبب فيه هؤلاء البلطجية لدى ضحاياهم، إلا أنَّ التجاهلَ ومحاولة طي تلك الصفحة دون تحقيقٍ كافٍّ كان هو الإجراء الذي قررت الحكومة أن تحمي به رجالها ومؤيديها!!

 

وبصراحة لا يستطيع أحد أن يلوم الحكومةَ حين اتخذت هذا القرار؛ لأن الجناةَ تحرَّكوا وفقًا لتعليماتٍ صريحةٍ من مسئولين كبار بالحزبِ الوطني الحاكم تحت سمعِ وبصرِ العشراتِ من الصحفيين ورجالِ الإعلام العالمية والمحلية، وأمام عدسات المصورين التي رصدت الأحداث منذ بدايتها عند ضريح سعد زغلول ثم تطورها أمام نقابةِ الصحفيين وانتهاؤها داخل أسوار نقابةِ المحامين.

 

استياء حقوقي

وقد أثار القرار الذي أصدره النائب العام عددًا كبيرًا من الاحتجاجاتِ بين نشطاءِ المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين اعتبروه قرارًا سياسيًّا يهدف إلى حمايةِ البلطجية، مؤكدين أنَّ وقائعَ الاعتداء على الصحفيين تُشكِّل انتهاكًا لحقوقِ الإنسانِ الأساسية وهي الحق في الحياة، والحرية والأمان الشخصي، وسلامة الجسد من التعذيبِ، وجميع هذه الحقوق منصوصٌ عليها في المواثيقِ الدولية لحقوق الإنسان والدستور المصري، كما طالبت المنظماتُ الحقوقيةُ القاضي بسرعةِ التحقيق الجدي وتلقي كافة المعلوماتِ والوثائق والأشرطة التي تكشف ملابسات الأحداث والأشخاص المتورطين فيها، وتقديم مَن يثبت إدانته في وقائع الاعتداء إلى المحاكم الجنائية فورًا.

 

وفي ذاتِ الوقت طالبت المنظمات وزير الداخلية باتخاذ إجراءاتٍ عاجلةٍ لضبط الجناة ولا سيما أنَّ لدى وسائل الإعلام المختلفة أشرطةً تثبت تلك التجاوزات.

 

وقد جاء في شهادات الصحفيات عبير العسكري وشيماء أبو الخير وإيمان طه ورشا عزب وغيرهن "أنهن تعرَّضن للتحرشِ الجنسي على أيدي "بلطجية الحزب الوطني وبعض السيدات اللاتي تمَّ استئجارهن خصيصًا لهذا الغرض، وتمَّ ذلك تحت سمعِ وبصرِ بعض قيادات الأجهزة الأمنية!! وذلك أثناء تغطية هؤلاء الصحفيات لأحداث مظاهرات حركة كفاية المقاطعة للاستفتاء على تعديل المادة 76 من الدستور، وإضافة المادة 192 مكرر.

 

كما تعرضن فيما بعد لتهديداتٍ مباشرةٍ من قِبل قوات الأمن لهنَّ ولأسرهن وتهديدهن بتلفيق قضايا لهن أو اعتقال ذويهن أو طردهن من عملهن، وجاءت تلك التهديدات في أعقابِ تقدمهن ببلاغات للنائب العام والتي تضمنت تحديدَ وأوصافَ الأشخاصِ الذين قاموا بالانتهاكاتِ المشار إليها ".

 

القضاء الدولي

 

قضاة محكمة العدل الدولية

وفي أعقابِ قرار حفظ التحقيقات بدأ الحديث عن إمكانيةِ لجوء الضحايا إلى طلبِ التحقيق من المحكمة الجنائية الدولية، وهو القرار الذي ثارت حوله ردود أفعال متباينة بين التأييد والرفض؛ حيث برر المؤيدون للفكرة بأنَّ اللجوءَ للقضاءِ الدولي هو الإجراء الوحيد الذي يمكن أن يجدي مع الحكومة المصرية، مشيرين إلى أنَّ هذا التحقيق لن يكون الأول من نوعه؛ حيث سبقته طلبات مشابهة، في حين يشير المعارضون لذلك اللجوء للقضاء الدولى إلى أنَّ هذا الإجراء يمكن أن يكون مقدمة لتدخلٍ أجنبي في البلادِ بشكلٍ لا يقبله أي مصري.

 

في البدايةِ يُشير الدكتور هاني عنان- أحد قيادات حركة (كفاية) والتي ينتمي إليها معظم المعتدَى عليهن خلال يوم الاستفتاء إلى أنَّ الحركةَ قررت عدم إغلاق ملف الاعتداءات والتحرش بالفتياتِ بحفظِ النيابة للتحقيقات؛ مؤكدًا اللجوء إلى قضاء محايد بعد أن قامت النيابة بحفظِ التحقيقاتِ في تحدٍّ تامٍ لمشاعرِ المعتدى عليهم من الرجالِ والسيداتِ على مرأى ومسمع من وسائل الإعلام، وأكد القيادي في كفاية أنَّ الحركة ستتابع التحقيقاتِ في أي مكانٍ في العالم.

 

ويصف ناصر أمين "مدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة" قرارَ حفظ التحقيقات بأنه مفاجئ؛ خاصة أنَّ السببَ في اتخاذه هو عدم التعرف على الفاعل الحقيقي، مشيرًا إلى أنه قرار بالغ الخطورةِ حين يتعامل مع هذا الحدث المهم بتحقيقاتٍ ضعيفة؛ الأمر الذي يؤكد أنَّ النيابةَ العامة لم يكن لديها رغبة في إجراء تحقيقات قوية، مشيرًا إلى أنَّ هذا القرار فتح الباب أمام المجني عليهن في اللجوءِ للقضاء الجنائي الدولي على اعتبار أنَّ القضاءَ المصري غير قادر أو راغب في الوصول إلى الجناة.

 

ويضيف أنه بالرغمِ من عدمِ لجوء أي مصري إلى تلك المحكمة من قبل إلا أنَّ الآلية ثابتة؛ حيث يجوز للمجني عليهم اللجوء إلى المحكمةِ الجنائية الدولية إذا لم يحصلوا على حقهم عن طريق القضاء المحلي، ويشير ناصر أمين إلى أنه رغم أنَّ مصرَ لم تُصدِّق على اتفاقية إنشاء المحكمة إلا أنَّ ذلك لا يمنع من لجوء المصريين إليها مدللاً على ذلك بقضيةِ دارفور التي حققت فيها المحكمة رغم أنَّ السودان ليس من الدول التي صدَّقت على الاتفاقية.

 

ولا يُخفي مدير المركز العربي لاستقلالِ القضاء والمحاماة مخاوفه من إمكانيةِ تصعيد القضية إلى مجلسِ الأمن؛ وهو الأمر الذي لا يخفى على أحد خطورته، خاصةً وأنَّ علاقاتِ مصر ليست جيدة مع بعضِ الدول التي يمكن أن تستغل تلك التحقيقات ضد مصر، ويُحمِّل أمين مسئولية هذا اللجوء إلى النائب العام بسببِ استفزاز المجني عليهن، إلا أنه يُعرب عن أمله في القضاء المصري الذي سينظر الطعن على قرار الحفظ يوم 1/2/2006م، والذي يُمكنه إجهاض تلك الإجراءاتِ التي لن يلجأ إليها الضحايا إلا في حالةِ عدمِ تمكُّنهم من الحصولِ على حقهم بواسطة القضاء المصري.

 

ويؤكد أمين أنَّ المحكمةَ الجنائيةَ الدولية ليست الجهة الوحيدة التي يُمكن اللجوء إليها حيث توجد لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة والتي يتم اللجوء إليها بواسطة الإجراءين 1503 و1523، واللذان يكفلان تقديم الشكاوى من جانبِ المواطنين الذين يتعرَّضون لانتهاكاتٍ للتحقيقِ في هذه الوقائع عن طريقِ اللجان المعنية بالمنظمة الدولية التي ترفع تقريرها إلى لجنةِ حقوقِ الإنسان.

 

قبول اضطراري

أما المستشار محمود مكي- نائب رئيس محكمة النقض- فأعربَ عن ألمه الشديد نتيجة التهديد باللجوء للمحكمة الدوية رغم أنَّ نفس التهديد سبق أن لوَّح به القضاة في جمعيتهم العمومية الأخيرة، مشيرًا إلى أنَّ هذا التهديد يُعتبر أقصى درجاتِ اليأس من العدل، ورغم ذلك يرفض حرمان أي شخصٍ من الحصولِ على العدالةِ في أي مكانٍ، بسبب غياب فكرة تحقيق العدالة في مصر، ويرى- على مضض- إمكانية اللجوء إلى تلك الجهات الدولية بشرط أن تُحقق العدالة دون أن تتصف بالجور.

 

وأضاف نائب رئيس محكمة النقض: "كنا نتمنى أن تكون الحكومة على درجةٍ من الوعي الذي يُتيح لها مراعاة وجود عجزٍ في تحقيقِ العدالة، والذي تمثَّل في عِدةِ قضايا حساسة تراخى النائبُ العامُ في التحقيقِ فيها".

 

ويُشير إلى أنَّ "قانون استقلال السلطة القضائية الذي أعده نادي القضاة سوف يُتيح الحياد للنائبِ العام ويُجرِّده من التبعية لأي جهة؛ باعتبار النائب العام جزءًا أصيلاً من الجهازِ القضائي، الأمر الذي لا يتوافر للنائب العام في القانون الحالي الذي يُتيح لرئيس الجمهورية اختيار أي قاضٍ ليتولَّى منصب النائب العام".

 

ويدعو نائب رئيس محكمة النقض إلى "الاستفادة من الأحداث التي تتم في الدولِ العربية المجاورة التي تتعرَّض لضغوطٍ نتيجة التدخل في شئونها بواسطةِ لجانٍ مختلفة".

 

ويرى مكي أنَّ اللجوءَ إلى القضاءِ الدولي يُعتبر شهادة ضمنية بعدمِ استقلال القضاء المصري أو قُدرته على تحقيقِ العدالة واتهامًا صريحًا بأنَّ القضاءَ في مصر مُوجَّهٌ من السلطةِ التنفيذية، ويعتقد أنَّ هناك جهات أجنبية سوف تنتهز الفرصة للتدخل في الشئون الداخلية لمصر، ويُؤكد في الوقتِ نفسه أنَّ مصرَ بها قُضاة يُحققون العدالة إلا أنهم يرغبون في أن تتركهم الحكومةَ لتحقيقِ تلك العدالة وأن لا تضيق بهم حتى لا نكون مضطرين للخضوعِ تحت وطاة التدخل الأجنبى الذي لن نستطيع الوقوف أمامه.

 

تدخل مرفوض

 

فض اعتصام لاجئي جنوب السودان

ويرفض مجدي أحمد حسين- أمين عام حزب العمل المجمَّد- فكرةَ اللجوءِ إلى القضاءِ الدولي لأنه لن يُجدي شيئًا بسببِ غياب الشرعية والعدالة الدولية، في الوقتِ الذي تتزايد فيه القضايا التي يُمكن أن نلجأ في حلها إلى القضاءِ الدولي مثل مذابح الانتخابات البرلمانية ومجازر اللاجئين السودانيين، مشيرًا إلى أنَّ الضغط الشعبي هو السبيل الوحيد لاقتناصِ الحقوق عن طريقِ تكثيف الإضراباتِ والاعتصاماتِ والمظاهرات بدلاً من الاحتكامِ إلى الخارجِ بأي شكلٍ.

 

ويُبرر مجدي حسين رأيه بأن الحركات التي قبلت العمل في الشارع يجب عليها أن تستكمل الطريق في نفس المسار، ويرى أنَّ الضغط الشعبي تمكَّن في الفترةِ الأخيرة من تحقيقِ عدة إنجازات منها إقالة الوزراء يوسف والي وحسن الألفي وزكي بدر.