- أبو سعدة: تعديل القوانين التي تساعد على وقوع الجريمة.

- العريان: تغيير ثقافة المجتمع لرفض الظلم بجميع أشكاله. 

- أبو الفتوح: التعذيب جريمة دينية قبل أن يكون سياسية.

- حشمت: المناخ السائد والنظرة الدونية من الأسباب.

- صباحي: ملاحقة مرتكبيه لعدم إفلاتهم من العقاب.

- عبد الرازق: إلغاء الطوارئ ومحاكمة المدنيين عسكريًا. 

 

استفحلت الممارسة المنظّمة لجريمة التعذيب في مصر، حتى أقلقت المنظمات الدولية والمحلية لحقوق الإنسان، التي دأبت على إصدار التقارير التي تفضح هذه الظاهرة المؤسفة، وهو ما دعا المنظمة المصرية لحقوق الانسان إلى عقد مائدة مستديرة يوم- الأربعاء 27/8/2003م-؛ للنقاش حول كيفية منع هذه الظاهرة، واتخاذ إجراءات ضرورية لوقفها وغيرها من ضروب المعاملة القاسية وغير الإنسانية، مع دعوة القانونيين والسياسيين إلى تعديل نصوص قانون العقوبات والقوانيين المكملة لها فيما يتعلق بتلك الجريمة.

 

بدايةً، تم استعراض بعض تقارير منظمات حقوق الإنسان، وبالأخص تقرير المنظمة المصرية، التي أكدت أن جريمة التعذيب في مصر تتم ليس فقط ضد المعارضين السياسين، وإنما بحق المواطنين العاديين، وأن هذه الجريمة تقع على نطاق واسع داخل أقسام الشرطة ومقارّ مباحث أمن الدولة، إضافةً إلى السجون؛ بهدف الحصول على اعترافات من أشخاص متهمين أو تدور حولهم شبهات بارتكاب جرائم أو بحق أقاربهم للاعتراف بها، أو بحق رهائن من أقارب المتهمين في حالة عدم العثور على المتهم أو المشتبه فيه!!

 

وتتلخص أهداف التعذيب- طبقًا للتقرير- في إشاعة التخويف أو الإرهاب  في نفوس أشخاص أو شهود مطلوب منهم الإدلاء بشهادات ضد أفراد آخرين، فضلاً عن ممارسته كعقوبة للسياسين الذين لا ترضى عنهم الحكومة!

 

 والمثير أن ضباط الشرطة أصبحوا يعتمدون بشكل أساسي في البحث عن المتهمين في الجرائم الجنائية أو السياسية على قيام ضباط المباحث عند وقوع جريمة بالقيام بشنّ حملات قبض عشوائية على المشتبه فيهم في دائرة وقوع الجريمة، واستخدام التعذيب كوسيلة سريعة للحصول على المعلومات حول الجريمة بدلاً من البحث والتحرِّي.

 

وتأتي هذا الحملات المنظمة من التعذيب، بالرغم من الحماية التي يضفيها الدستور المصري على المواطنين من التعذيب وفقًا لنص المادة 42 التي تنصّ على أن كل مواطن يُقبَض عليه أو يُحبَس أو تقيَّد حريته بأي قيد تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان، ولا يجوز إيذاؤه بدنيًّا أو معنويًّا، كما لايجوز حجزه أو حبسه في غير الأماكن الخاضعة للقوانين الصادرة بتنظيم السجون.

 

وفي هذا السياق ذكر أن ديباجة ميثاق الأمم المتحدة جاءت دقيقة في إيرادها اصطلاح الكرامة كمدخل لتنظيم المجتمع الدولي كله، بعد أهوال الحرب العالمية الثانية، كما تنص المادة الخامسة منه على عدم إخضاع أيّ فرد للتعذيب أو العقوبة أو معاملة قاسية أو غير إنسانية أو غير مهنية.

 

كذلك من أهم الوثائق الدولية التي تتعلق بالتعذيب مباشرةً إعلان الأمم المتَّحدة الصادر من الجمعية العامة في9  ديسمبر1975م بحماية جميع الأشخاص من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية، و التي دخلت إلى حيِّز التنفيذ في 26 يوينو 1987م فصارت حجَر الأساس في مناهضة موضوع التعذيب.

 

قصورتشريعي

ما الأسباب التي تجْعل مصرَ متخلّفة قانونيًّا في إطار ملاحقة التعذيب؟

هكذا طُرح السؤال، وكالتالي جاءت الإجابة: 

 لا شك أن القصور التشريعي عن ردع مرتكبي جرائم التعذيب من ناحية وعدم السماح للمتضرر باللجوء للقضاء لجبر الضرر الناتج عن التعذيب يٌعتبر من الأسباب الرئيسة لهذا القصور، كما أن العمل بقوانين قديمة واستحداث قوانين جديدة ذات طبيعة استثنائية وضمنها البنية التشريعية في مصر، وتغليب هذه القوانين لاعتبارات حفظ الأمن والنظام على قيم العدالة والمساوة بين المواطنين قد أدى إلى إهدار مفهوم الشرعية، كما أن بعض رجال الشرطة يرتكبون انتهكات جسيمة بحق المواطنين، ومع ذلك فالنظام القانوني القائم لا يُسهم في الحدِّ من حدوث هذه الانتهاكات، بل يعطيها أحيانًا صفةَ الشرعية!

 

ويوجِّه العاملون في مجال حقوق الانسان الاتِّهامَ إلى المادة 126 من قانون العقوبات باعتبارها توفِّر الحماية الجنائية اللازمة والفعَّالة لحقِّ الإنسان في السلامة البدنية والذهنية.

 

وتنصُّ تلك المادة على أن كلَّ موظف أو مستخدم عمومي أُمر بتعذيب متهم أو فعل ذلك بنفسه لحملِه على الاعتراف يعاقَب بالأشغال الشاقة أو السَّجْن من ثلاث إلى عشر سنوات، وإذا مات المجني عليه يحكم بالعقوبة المقررة للقتل عمدًا؛ وذلك لأن الحصول على الاعتراف لم يعد هدفًا وحيدًا للتعذيب، فمَعَ شُيُوع استعمال العنف مع المعتقلين السياسيين والمشتبه فيهم والمحبوسين احتياطيًّا والمحكوم عليهم... أصبح التعذيب يتمُّ للانتقام منهم أو في أعقاب ارتكاب أي حادث عنف، أو بهدف تحديد الهوية السياسية والتنظيمية للمعتقل أو المحكوم عليه.

 

 كما نصَّت المادة 129- عقوبات، الخاصة بجريمة استعمال القسوة اعتمادًا على الوظيفة العامة على أن كل موظف أو مستخدم عمومي وكل شخص مكلف بخدمة عمومية استعمل القسوة اعتمادًا على وظيفته حتى أخلَّ بشرَفها بغرامة مالية لا تزيد عن 200 جنيه مصري، كما ارتفعت المادة 282  بالعقوبة من فرد على فرد أو من سلطة على فرد، وكان يجب تشديد العقاب في الحالتين.

 

ومن ناحية أخرى لا يحصل ضحايا التعذيب على حقوقهم غالبًا؛ بسبب تعويق هذه الإجراءات بحيث يسلك الضحيَّة الطريق القضائي ويكون مغلقًا أمامه؛ لأن قانون الإجراءات الجنائية يقتصر على تحريك الدعوى الجنائية ضد الضابط على النيابة العام، كما أن مساءلة الضباط قضائيًّا تتوقف في أغلب الأوقات على القرار الوزاري؛ مما يدعو الضحايا إلى الزهد في المطالبة بالحصول على حقوقهم من الطغاة الذين قاموا بتعذيبهم.

 

ضرورة تعديل القوانين

 

 حافظ أبو سعدة

في بداية المائدة المستديرة أشار "حافظ أبو سعدة" أمين عام المنظمة المصرية لحقوق الإنسان إلى أن هناك تناقضًا واضحًا بين اتفاقية روما والقانون المصري، الذي لا يَعتدُّ بجريمة التعذيب، إلا إذا تمت للحصول على اعتراف، بمعنى أن كل تعذيب لا يتم بهدف الحصول على اعتراف لا يعتبره هذا القانون جريمة!

 

ويطالب "أبوسعدة" بضروة محاسبة 4  أشخاص عن وقوع كل جريمة تعذيب، وفقًا لاتفاقية روما، وهم: مرتكب جريمة التعذيب، والمحرِّض عليها، والموافق عليها، والساكت عنها، مع تشديد العقوبة عليهم؛ حتى تتوقف التسهيلات التي تتم للتعذيب داخل أقسام الشرطة.

 

ويشير إلى عدم جواز التذرُّع بحماية الأمن العام العمومي وأمن الدولة، ذلك أن كرامة المصريين التي تُنتَهك يوميًّا تعلو على أهمية أمن الدولة، ومشددًا على أن أيَّ نظام يستخدم التعذيب يُعتبر معاديًا للأمن القومي.

 

ويُضيف أنَّ أوضاع السجون المتردية وحقّ رئيس الجمهورية في إنشاء سجون خاصة، كل هذه عوامل تساعد على انتشار التعذيب في مصر، مطالبًا بضرورة إلغاء المادة التي تتيح لرئيس الجمهورية إحالة المدنيين إلى محاكم عسكرية.

 

ظاهرة تتزايد مع الوقت

 

 د.عصام العريان

ومن جهته يوضح الدكتور "عصام العريان" أمين عام مساعد نقابة أطباء مصر أن ظاهرة التعذيب تتزايد مع الوقت، وأنه ليست هناك قوانين تساعد على ردعها، فضلاً عن عدم وجود إرادة سياسية لذلك، مؤكدًا كذلك عدم وجود استقامة حقيقية لدى أجهزة الدولة أو احترام القانون الذي سيكون تطبيقه رادعًا لأي شخص عن ارتكاب جريمة التعذيب.

 

ويُشير إلى أن المجتمع كله يعاني خللاً في ثقافة وقف التعذيب وعدم رفضه بصوره كافة، وليس التعذيب السياسي فقط، ويضرب مثالاً على انتشار هذه الممارسات بتعيبن بعض القضاة في مراكز مرموقة واستبعاد الآخرين.

 

وعن الجانب التشريعي يؤكد أن السياج الواقي ضد التعذيب هو تطبيق القوانين الحالية، فهو كفيل بمنع التعذيب، فضلاً عن ضرورة احترام الدول كافة للاتفاقيات الدولية التي وقَّعت عليها، وعدم الكيل بمكيالين كما تفعل أمريكا دائمًا.

 

ومن جانبه يؤكد الدكتور "عبد المنعم أبو الفتوح" أمين عام مساعد اتحاد الأطباء العرب أن التعذيب جريمة سياسية يرتكبها النظام الحاكم، مشيرًا إلى أن وقف التعذيب لن يتم إلا بتغيير أنظمة الحكم الضعيفة والمتسلطة على شعوبها التي تؤصِّل التعذيبَ وتشجِّعُه.

 

 

 د. عبد المنعم أبو الفتوح

ويضرب مثالاً على ذلك برفض الطبيب الشرعي كتابة تقارير عن حالة ضحايا التعذيب، فضلاً عن تمكن أجهزة الأمن المصرية بالممارسة من إزالة آثار التعذيب؛ حتى تكون بعيدة عن المساءلة القانونية، ويشير إلى ضرورة تعريف الجميع بأن التعذيب فضلاً عن اعتباره جريمة سياسية هو جريمة دينية ترفضها كل الأديان، ولا يشفع لمنتهكي كرامة الإنسان أن يقوموا بالحج أو العمرة، فهذه الانتهاكات التي يرتكبها هؤلاء لا يغفرها شيء.

 

المناخ والنظرة

ومن جانبه يُفسِّر الدكتور "محمد جمال حشمت"- العضو السابق بمجلس الشعب- تزايد حالات التعذيب بأن المناخ السائد في مصر، والذي يتمثَّل في النظرة الدونية للمصريين في بلادهم يتسبب في شيوع انتهاك كرامتهم خارج الأوطان، مشيرًا إلى أن ادعاء الحكومة بتمثيل الشعب برغم قهره وعدم مشاركته الحقيقية في اختيار حكامه هو الذي خلق جوّ القهر والإرهاب، كما أن تركيز كل السلطات والأعمال في مصر أصبح في يد الأمن؛ مما كرَّس تحكُّم هذا الجهاز في أرزاق ومعيشة الناس.

 

ويطالب الدكتور "حشمت" بسنّ تشريع قويّ يسبغ الحماية على المواطنين، فضلاً عن توافر هذه الإرادة؛ لكي يكون هناك إصلاح ومطاردة للفساد.

 

تجريم التعذيب المعنوي

في السياق نفسه يطالب المستشار "مرسي الشيخ" بتجريم التعذيب المعنوي، وعدم قصر التجريم على التعذيب البدني؛ مشيرًا إلى أن تزوير الانتخابات يعتبر قهرًا وتعذيبًا يجب أن يعاقِب عليه القانون.

 

ويُعدِّد المستشار "الشيخ" عددًا من صور التعذيب، مثل الحبس الاحتياطي ووضع القيود في أيدي المتَّهمين ووقوفهم بالساعات أمام هيئة المحكمة، مع السماح للصحف بتصويرهم؛ مما يعد تعذيبًا معنويًّا يجب منعُه، فضلاً عن رفع الأسعار الذي يعتبره جريمةَ تعذيب ضدَّ المصريين جميعًا.

 

 ويضيف أن الحكومة لا تتعامل بالشفافية المطلوبة؛ لذلك يجب أن يتم تعديلٌ محددٌ للقوانين؛ لمحاربة التعذيب والقهر الذي ترتكبه الحكومة ضدَّ المواطنين.

 

لإخْفاء عجْز الحكومة

وفي سياق متَّصل يشدد "حمدين صباحي"- عضو مجلس الشعب- على أن التعذيب أصبح جزءًا من فلسفة النظام في مصر، فالأزمة لا تتعلق بالتشريع فقط، برغم أهمية النظام التشريعي الذي يحكم قضية التعذيب، بل يجب شنّ حملةٍ منظمةٍ لمناهضة التعذيب يكون من أهم أهدافها ملاحقة مرتكبي جريمة التعذيب لعدم إفلاتهم من العقاب ونْشر صور الضباط المتهمين في المنتديات الثقافقية والنقابات المهنية كافة.

 

ويضيف أن الهدف الرئيس من جريمة التعذيب في مصر رغبةُ السلطة الحاكمة في تعويض عجزها عن حلّ المشكلات الحقيقية للمواطنين، واعتبارها تعذيب المواطن جزءًا من مَظاهر حُكمها لهذا الشعب، فالدولة التي تقهَر بائعي الخُضر والفواكه في الشوارع، ولا تستطيع ضبط أسعار السلع فضلاً عن تعذيب أصحاب الفكر والرأي هي دولة ذات سلطة عاجزة غير ديمقراطية.

ويشدّد على أن التعذيب سيستمر، طالما بقِيَت السلطة بهذا العجز والبُعد عن الجماهير.

 

أما "حسين عبد الرازق" فيرى أن ظاهرة التعذيب في مصر أصبحت بالغة الخطورة؛ بسبب استمرار حالة الطوارئ التي ترزَح مصر تحتها منذ 22  عامًا داعيًا إلى وقفها، ووقف إحالة المدنيين للمحاكم العسكرية، مشيرًا إلى أن جريمة التعذيب ثابتة في مصر ليس فقط بتقارير المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان، ولكن وفقًا لأحكام قضائية عدَّة أدانت القائمين عليها.