- د. الخولي: منصب المشيخة يشكو طنطاوي إلى الله

- سيد عسكر: مساءلة شيخ الأزهر ممكنة في البرلمان

- علي لبن: الشيخ قال رأيه الشخصي ولا يُمثِّل إلا نفسه

 

تحقيق: محمد عزت

أثار شيخ الأزهر الحالي الدكتور محمد سيد طنطاوي منذ تعيينه في هذا المنصب حفيظةَ المسلم العادي قبل العالِم والداعية؛ مما سبب حالةً مزجت بين الحزن والإحباط والحيرة بما يُصدره من فتاوى وتصريحات مثيرة للجدل وتخرج عن إجماع الفقهاء، بدايةً من إصداره فتوى تُجيز فوائد البنوك الربوية!! وتأييده لفرنسا في تبني قانون مثير للجدل يمنع الفتيات المسلمات من ارتداء الحجاب في المدارس الفرنسية معتبرًا ذلك شأنًا داخليًّا، مع أنه واجب تفرضه الشريعة الإسلامية!! وأخيرًا ما أثاره شيخ الأزهر بعد اللقاء الذي جرى بينه وبين سفير الدانمارك في القاهرة لاعتذار السفير عن أي عمل أو تعبير يشوِّه صورة الأديان، بعد انتقاد مجمع البحوث الإسلامية للإساءة الدانماركية للنبي محمد- عليه الصلاة والسلام!!

 

إلا أن تصريحات الشيخ كانت مستفزةً وأصارت جدلاً بين علماء ومثقفين مصريين؛ حيث قال الشيخ طنطاوي في تبريره لرفض الأزهر الإساءةَ للنبي الكريم إن "محمدًا"- صلى الله عليه وسلم- أكرم الخلق "ميت لا يستطيع الدفاع عن نفسه"!!

 

وجاء في النشرة الدورية التي تَصدر عن مكتب شيخ الأزهر والتي تضمنت رفض الشيخ طنطاوي "الإساءة إلى الأموات بصفة عامة، سواءٌ كانوا من الأنبياء أو المُصلحين أو غيرهم الذين فارقوا الحياة الدنيا"، وأن "الأمم العاقلة الرشيدة تحترم الذين انتهت آجالهم وماتوا"، وجاء ردُّ شيخ الأزهر المتخاذل والضعيف في الدفاع عن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم على سفير الدانمارك كوقع الصاعقة على المسلمين جميعًا وعدد من العلماء، معتبِرين أن ردَّ شيخ الأزهر "لم يكن موفقًا".

 

كما انعكس هذا أيضًا في صورة خلاف واضح في الرأي بين كلٍّ من الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر والدكتور علي جمعة- مفتي الديار المصرية- خلال لقاءِ كلٍّ منهما مع بيارن سورنش سفير الدانمارك في القاهرة فيما يتعلق بالموقف من إساءة بعض صحف الدانمرك للرسول الكريم؛ حيث رفض جمعة مساواة الأنبياء بالسياسيين والزعماء وغيرهم.

 

وقال الدكتور علي جمعة مفتي مصر- خلال لقائه سفير الدانمارك بدار الإفتاء- إنه لا يمكن القول بأننا نرفض الإساءة للرسول لأنه مات وفارق الحياة؛ لأن الرسول لا يزال حيًّا في نفوس جميع المسلمين ولم يمت".

 

وأوضح أنه لا يرفض إساءة بعض صحف الدانمارك للرسول- صلى الله عليه وسلم- لأنه "مات"؛ حيث إن الرسول ما زال حيًّا بيننا جميعًا، ونقتدي به كمسلمين في حياتنا اليومية ويعيش بيننا وفي قلب كل مسلم.

 

وأضاف جمعة: "إن كل مسلم من بين المليار وثلاثمائة مليون مسلم على مستوى العالم يعد امتدادًا في الوقت الراهن للرسول- صلى الله عليه وسلم- ولا ينبغي مطلقًا الإساءة للأنبياء والصالحين، أو ازدراء الأديان السماوية"، وأكد أنه لا يمكن مساواة الأنبياء والصالحين وغيرهم من البشر برجال السياسة؛ لأن الأنبياء معصومون من الخطأ، ولا ينبغي الإساءة إليهم أو مساواتهم بغيرهم من البشر بحجة أنهم جميعًا أموات.

 

كما عاب عدد من علماء الأزهر على الشيخ سيد طنطاوي ردَّه على الإساءة الدانمركية بأنه لا يجوز الإساءة إلى الأموات، معتبرين أن هذه الإساءة الدانمركية تشكِّل نوعًا من ازدراء الأديان وجميع شعوب العالم، والإسلام حيٌّ في نفوس أكثر من مليار وعليهم الدفاع عن الإسلام ونبي الإسلام.

 

وتعهَّد الأزهر الشريف عقب إثارة هذه الأزمة بالتوجُّه إلى الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان لتصعيد قضية نشر صحيفة دانمركية رسومًا كاريكاتيريةً تسيء للرسول- صلى الله عليه وسلم- فيما اعتبره ازدراءً واضحًا للمسلمين، ولذلك اعتبر علماء أزهريون تعليقَ شيخ الأزهر الأخير على الأزمة ضعيفًا وغيرَ موفَّق!!

 

وقال مجمع البحوث الإسلامية (التابع للأزهر)- في بيان أصدره في ديسمبر عام 2005م- إن الأزهر "يعتزم التوجه برفضه لما حدث من إساءة للرسول إلى اللجان المختصة بالأمم المتحدة وإلى منظمات حقوق الإنسان في كل مكان؛ دفاعًا عن حقوق الأفراد والشعوب، وحمايةً للتعددية الثقافية وما تتطلبه من احترام ثقافة الآخرين، والامتناع عن الترويج لثقافة الكراهية والازدراء بأولئك الآخرين".

 

ووصف البيان- الذي وقَّعه شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي- نشرَ صحيفة (ييلاندز بوستن) 12 رسمًا كاريكاتوريًّا مسيئًا للرسول يوم الثلاثين من سبتمبر عام 2005 بأنه "حملةٌ تجاوزت تمامًا كلَّ حدود النقد المباح وأدب الحوار الجائز عند الاختلاف لتنقلب سبابًا خالصًا وازدراءً مقصودًا لدين يتبعه ويدين به أكثر من ألف مليون من البشر، ومنهم جاليةٌ من أبناء الدانمارك وحاملي جنسيتها".

 

وانتقدت كتلة نواب الإخوان في البرلمان أسلوبَ الدكتور طنطاوي الذي استخدمه ردًّا على الإساءة الدانمركية في حق النبي- صلى الله عليه وسلم- حيث قالت الكتلة إن تصريحات طنطاوي التي بناها على أساس أنه لا يجوز الإساءة للموتى هي أشدُّ من الإساءة الدانمركية.

 

وقدمت الكتلة طلبَ إحاطة إلى الدكتور أحمد نظيف بوصفه رئيسَ مجلس الوزراء ووزير شئون الأزهر، وقال الدكتور حمدي حسن- المتحدث باسم كتلة الإخوان في البرلمان- إن تصريحات شيخ الأزهر غريبةٌ وما كان أن تصدر مثل هذه التصريحات عن رئيس مؤسسة قامت للدفاع عن الإسلام ونشر تعاليمه السمحة في ربوع العالم كله.

 

وأضاف أن الدكتور طنطاوي اعتاد على إثارة الجماهير المسلمة بتصريحاته المستفزَّة والمتناقضة والضعيفة في قضايا ساخنة تهتم بها الأمة الإسلامية التي تتطلع إلى رأي مؤسساتنا الإسلامية لإبداء الرأي فيها، مشيرًا إلى أن وجود شيخ يتخذ مواقفَ قوية لن يتأتى إلا بانتخابه من مجمع البحوث الإسلامية.

 

وعلى الرغم من الفتاوى والتصريحات المثيرة للجدل التي تصدر عن شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي فقد لا يصدِّق الكثيرون أن تَصدر هذه الكلمات عن شيخ الأزهر الذي يُعتبر إمام المسلمين ويجب عليه الدفاع عن الإسلام والمسلمين بصفة عامة، فما بالنا بما يوجَّه إلى رسولنا الكريم من إساءات؟!

 

وفي هذا التحقيق نحاول التوصل إلى إجابة على سؤال يطرح نفسه وهو: من يحاسب شيخ الأزهر على أقواله وأفعاله؟!

 

يجيب الدكتور إبراهيم الخولي- الأستاذ بجامعة الأزهر- قائلاً: إن شيخ الأزهر أتفه من أن يهتم به أحدٌ، فهو لا يمثل إلا شخصَه، مشيرًا إلى أنه لا يتعدى كونه موظفًا كبيرًا في الدولة يتقاضى أجره منها ولا يمثل المشيخة!! وأوضح أنَّ تحكُّم الدولة في الأزهر أفقده هويته، ومصر فقدت دورها يوم صنعت هذا بالأزهر.

 

طنطاوي شخص ميت

وإن صح ما قرأته في الصحف- والكلام للدكتور الخولي- من تصريحات مُخزية لشيخ الأزهر حين تكلم عن سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- أكرم الخلق جميعًا وأفضلهم على وجه الأرض، وهو الذي أرسى مبادئ الإنسانية.. فإن شيخ الأزهر شخصٌ ميتٌ ولا معنى لأن نحاسِب شخصًا ميتًا، منبِّهًا إلى أن الله سبحانه وتعالى حَكَم في كتابه الكريم على بعض الناس بالأموات..!!

 

وأكد أن من العَبَث أن يسأل شيخ الأزهر الحالي عن موقف يتطلب غِيرةً على الإسلام والمسلمين، وأشار في الوقت نفسه إلى أن هناك دعواتٍ كثيرةً تطالب الدنمارك والنرويج بالاعتذار عن الإساءة للنبي- صلى الله عليه وسلم- بعد نشر رسومٍ كاريكاتيرية في إحدى الصحف الدنمركية، وأعادت بعض صحف النرويج نشرها، مشدِّدًا على أنه لا يكفي الاعتذار الشفهي عن هذه الإساءة، فهناك أسلحةٌ أخرى عديدة منها مقاطعة المنتجات الدانمركية والنرويجية.

 

ومضى يقول إنه سمع أن شيخ الأزهر لا يحبِّذ استخدام سلاح مقاطعة البضائع الدانمركية والنرويجية، وهذا ليس غريبًا عليه فهو الذي كسَر حاجز التطبيع بمقابلة الحاخام اليهودي!!

 

عبَّر الدكتور الخولي عن أسفه مما وصل إليه حال مشيخة الأزهر، مسترجعًا الأيام الخوالي عندما كانت هيئة كبار العلماء هي المسئولة عن اختيار مَن يصلح لهذا المكان الرفيع.
ويقول: إن منصب مشيخة الأزهر يشكو إلى الله حاله، وكما قال الحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم- في حديث ما معناه "إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".

 

تفعيل قانون الأزهر

 ويؤكد علي لبن- عضو كتلة نواب الإخوان في البرلمان- أن فتاوى شيخ الأزهر وآراءَه لا تمثل إلا شخصه؛ لأن مجمع البحوث الإسلامية- الذي يرأسه الدكتور محمد سيد طنطاوي- لا ينعقد إلا بدعوة من رئيس مجلس الوزراء المصري أحمد نظيف وهو المسئول عن تعطيل اجتماعات هذه المجمع الذي يضم 50 عضوًا بينهم 20 من غير المصريين.

 

ويضيف قائلاً: إن عدم دعوة المجمع إلى الانعقاد يعطي الحرية الكاملة لشيخ الأزهر ليقول ما يريد ولا علاقة للمجمع بهذه الآراء والفتاوى؛ ومما يؤكد ذلك أن للمجمع فتاوى سابقةً في تحريم فوائد البنوك الربوية.

 

ولقد تحدثتُ عن ذلك مرارًا وتكرارًا في مجلس الشعب- والكلام للنائب علي لبن- وطالبتُ بتفعيل نص قانون 103 لسنة 1961م الخاص بتطوير الأزهر، وأطالب رئيس الوزراءالمصري بأن يُفعِّل مجمع البحوث الإسلامية بشرط أن يُدعى الـ20 عضوًا من غير المصريين على ألا تُعتمد أي فتوى صادرة باسم المجمع إلا بحضور ربع هؤلاء الأعضاء بنص قانون 103.

 

ويشير لبن إلى أن تقويم ومراقبة شيخ الأزهر لن تؤتي ثمارها إلا عن طريق تقعيل هذا القانون الذي لا يمثل إلا بدايةً على الطريق الصحيح.

 

موقف ضعيف ومتخاذل

ويقول الشيخ سيد عسكر- الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر (سابقًا) وعضو كتلة الإخوان في البرلمان- إن شيخ الأزهر يحاسبه الله سبحانه وتعالى بما يستحق، مشيرًا إلى أن القانون الذي ينظم عملية اختيار شيخ الأزهر يقضي بأن مَن يعيَّن في هذا المنصب لا يُقال ولا يُحال إلى المعاش فهو منصب مدى الحياة!!

 

ويضيف أن مَن قام بتعيين شيخ الأزهر الحالي هو وحده الذي يتحمَّل تبعات ما يفعله وما يصرِّح به من فتاوى وآراء، ونستطيع أن نقول- والكلام للشيخ عسكر- أن رأي شيخ الأزهر شخصي ولا يمثِّل إلا نفسه، مشيرًا إلى أن ما صرح به أخيرًا عقب الإساءة التي نشرتها بعض الصحف الدانمركية والنرويجية يعتبر موقفًا ضعيفًا ومتخاذلاً في الدفاع عن أكرم الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

 

وتساءل: هل ما يصدر عن شيخ الأزهر كله صحيح؟ وأجاب قائلاً: إن القاعدة الأساسية "كل إنسان يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم"، وشيخ الأزهر ليس حجةً على الإسلام، وإذا اعتقدنا ذلك فهذا يؤكد فساد العقيدة، وأكد أن العصمة للرسل وحدهم، أما من عداهم فهم بشر والإمام مالك عبر عن ذلك أبلغ تعبير حين قال المقولة السابقة.

 

وعلَّق على تصريحات طنطاوي قائلاً: إن شيخ الأزهر جانَبَه الصواب، وإذا سلَّمنا جدلاً بكلامه الذي قال إنه لا يجوز الإساءة لميت.. نرد عليه بأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- باقٍ بسنته بين المسلمين إلى يوم الدين، وليست العبرة بموت الجسد، وهذه قضيةٌ فلسفيةٌ تحمل جدلاً كبيرًا لا نريد الخوض فيها.

 

وأشار إلى أن القانون الوضعي يحمي شيخ الأزهر من المساءَلة والاستجواب داخل مجلس الشعب المصري، لكنه أكد أنه يمكن مساءلته في شخص رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف بوصفه وزير شئون الأزهر، وهذا ما قُمنا به ككتلة لنواب الإخوان في البرلمان.