تحقيق: عبد الرحمن منصور

"فليدمروا اليهود وليخرجوهم من فلسطين حتى تعود أرضنا إلينا" بهذه الكلمات عبَّر مازن الناصر (طبيب فلسطيني)  عن رأيه فيما هو مطلوب من حركة المقاومة الإسلامية حماس بعد أن تشكِّل الحكومة، فحماس التي فازت بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي (76 مقعدًا) إضافةً إلى أربعة مقاعد كانت الحركة قد دعمت مرشحيها ليصبح عدد المقاعد التي فازت بها الحركة (80 مقعدًا) أي ما نسبته (60.6%)؛ مما سيتعين عليها أن تشكِّل الحكومة؛ مما سيضعُها أمام اختبار حقيقي في أول تجربة إسلامية في إحدى حكومات الشرق الأوسط.

 

حماس- التي وضعها النظام الأمريكي ضمن الحركات الإرهابية بالشرق الأوسط- أصبحت قريبةً من كرسي الرئاسة بعد أن صرَّح محمود عباس الرئيس الفلسطيني الحالي أنه سيقدم استقالته في حال فشل خططه السياسية في تقدم فتح، وهذا ما حدث وبرهنت على صحته صناديق الاقتراع بنزاهة وشفافية كبرى في أول تجربة لانتخابات حقيقية في الدول العربية.

 

فوز حماس وضعها في اختبار حقيقي، فبين تمسكها بمعتقداتها وثوابتها وبين التخلي عنها كان خوف الشباب العربي الذي اتضح من آرائه تجاه مطالبه من حركة حماس في أول اختبار عالمي لها، وبين لمِّ الشمل وعودة المهجَّرين والرموز الفلسطينية.. كانت مطالب شباب يطالبون بفلسطين حقيقية غير التي كانت تحت حكومة فتح التي استشرى الفساد في كافة سلطاتها حتى في الشرطة، وبين إعادة هيكلة البنية التحتية لفلسطين وتوفير فرص عمل للشباب الفلسطيني الذي يُضطَّر إلى الذهاب إلى المناطق المحتلة ليعمل تحت رحمة الصهاينة كانت مطالب شريحة كبيرة من المجتمع الفلسطيني الذي يعاني من الفقر والبطالة مثله مثل بقية دول العالم العربية.

 

كل هذا يضع حماس تحت اختبار حقيقي وصعب أمام مطالب شعب أعطى صوتَه للخيار الإسلامي بعيدًا عن التهديدات والضربات التي تتلقاها حماس من حين لآخر؛ نتيجة تمسكها بثوابتها ومعتقداتها التي تعتمد على أن الإسلام هو الحل وهو المنهاج ذاته الذي ينهجه الإخوان المسلمون بمصر؛ مما أهَّلهم للفوز بثقة الشعب المصري، بعد أن حصدت جماعتهم 88 مقعدًا بمجلس الشعب المصري في انتخابات تشريعية اتَّسمت بالعنف من قِبَل أنصار مرشحي الحزب الوطني وهو الحزب الحاكم في مصر.

 

محمد ناصر (سوري يدرس الإخراج المسرحي بفرنسا) يرى أن على حماس أولاً أن تعيد هيكلة وبناء البنية التحتية لفلسطين؛ نتيجةَ ما تعرضت له من هجمات وضربات من الإسرائيليين الذين تعمَّدوا في كل هجمة لهم- سواءٌ في جنين أم غزة- أن يدمِّروا البنية التحتية للفلسطينيين؛ حتى يعملوا على تهجيرهم من أراضيهم حتى يستطيعوا أن يدمِّروهم بقبضة واحدة وفي مكان واحد.

 

اختبار حقيقي

أما هايدي مدين (مصرية تدرس إدارة الأعمال) فترى أن على حماس أن تضع صيغةً ما تجمع بين آراء الفصائل الفلسطينية؛ حتى تستطيع أن تواجه بها المجتمع الدولي في الإدلاء بآرائهم في القضايا المتعلقة بالاحتلال وعودة المهجَّرين وعودة الأراضي الفلسطينية إلى السيادة الفلسطينية.

 

لكن منى الشيخ (سعودية تدرس القانون الدولي بلندن) فتُخالفها الرأي فيما هو مطلوب من حماس في حالة تشكيل حكومة، فهي ترى أن على حماس أن يكون لها الكلمة بعيدًا عن المجتمع الدولي، فإخراج الإسرائيليين من فلسطين أصبح واجبَ حماس بعد أن كانت تنادي به أثناء وجودها بعيدةً عن التشكيلات الحكومية وتكوين جيش قوي وتدريبه تدريبًا يمكنه من مواجهة قريبة مع اليهود من المفترض أن تكون الواجب الأول لحماس، وتُنهي كلامها بأنه حان الوقت لنختبر الإخوان المسلمين على أرض الواقع في بلدين من أهم مناطق الشرق الأوسط هما مصر وفلسطين.

 

أما عودة المعتقلين إلى منازلهم بعد أن طال غيابهم وانقطعت أخبارهم، وعودة الأراضي المحتلة إلى الفلسطينيين- ولكن بطريقة سلمية بعيدًا عن السلاح- فكان مطلب محمد جمال (اقتصادي تونسي) الذي يرى أيضًا أن على حماس أن تتعامل مع حكومة الاحتلال بذكاء سياسي بعيدًا عن لغة السلاح والعمليات الاستشهادية التي هي في نظر المجتمع الدولي إرهابيةٌ، فالعالم الآن يراقب بحذر وترقُّب أول تجربة سياسية حقيقية لحكومة من تشكيل حركة إسلامية معتدلة ترتبط بتجمعات عدة في جميع دول منطقة الشرق الأوسط وهي حماس التي تنتمي لفكر ومدرسة الإخوان المسلمين ذات الانتشار العالمي.

 

البناء الداخلي أولاً

اتفق كثيرٌ من الشباب الذين استطلعنا آراءهم أن الاختبار الذي قررت حماس أن تَدخله بعد أن طلب منها شعبُها ذلك عبْر صناديق انتخابات تشريعية اتَّسمت بالنزاهة والشفافية لأول مرة في إحدى مناطق الشرق الأوسط المعروف بانعدام الشفافية والنزاهة والديمقراطية في انتخابات دولِهِ؛ نتيجة أنظمة حاكمة فاسدة.. هو دليل نجاح الخيار الإسلامي بين شعوب المنطقة، والمطلوب من حماس وقيادتها أن تريَنا الإسلام الديمقراطي القادر على التعايش مع العالم الخارجي وإظهار وجهات نظره بطريقة عصرية ومناسبة ليعودَ الإسلامُ من جديد.

 

مشاكل الشرطة والخلافات الكبيرة بين قيادتها التي ظهرت على الساحة الفلسطينية وإصلاحها كان مطلبَ كثيرٍ من الفلسطينيين، فشعب يقوم بحل الخلافات بين حركاته بالسلاح لن يكون قادرًا على توحيد صفوفه ليوحِّد جهوده من أجل بناء نفسه بقوة وتحدٍّ لنظرات العالم نحوه الذي يصفه بالضعف والتخلف.

 

كما كان للشباب آراءٌ ووجهاتُ نظرٍ متعددة، فقد كانت لهم دلالاتٌ كبيرةٌ وواضحةُ المعالم تحمل بين طياتها تساؤلاتٍ وإجاباتٍ حول فوز حماس المستحَق، فمحمد توفيق (مصري يدرس العلوم السياسية) يرى أن رياح التغيير قد بدأت تهب على المنطقة بقوة، ففوز الإخوان المسلمين بـ88 مقعدًا بالانتخابات التشريعية الأخيرة لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن- رغم ما تعرض له مرشحو الجماعة من عنف وبلطجة واضحة المعالم من قِبَل الحزب الحاكم- كان له الأثر القويّ ليدفع الشعب الفلسطيني ليختار الخيار الإسلامي متمثلاً في مرشحي حركة حماس (الإخوان المسلمين في فلسطين) بعد أن ملَّت الشعوب العربية الخيارات الأخرى التي لم تعتمد على النبع الأصيل لثقافة هذه الشعوب، ألا وهو الإسلام، حتى إن غالبية المسيحيين بالأرض المحتلة- وفي مصر- قد انتخبوا مرشحي جماعة الإخوان المسلمين.

 

تاريخ حركة حماس والإخوان المسلمين عامةً وكفاحهم ضد المحتل وإيمانهم بمعتقداتهم وثوابتهم- رغم ما يتعرضون له من اغتيال لكوادرهم وقيادتهم وهجمات ضدهم- أهَّلهم لثقة الشعب الفلسطيني الذي أعطى لهم صوته مؤمنًا بأنهم خيرُ من يَصلحون لإصلاح ما تبقَّى من الأراضي المحتلة، وكما أن الفلسطينيين قد وثقوا بمرشحي الحركة فقد زاد تأييدهم لمرشحين يؤمنون بالحل الإسلامي متمثلاً في شعار الإسلام هو الحل الذي رفعه مرشحو الحركة، وأوضحوا في تصريحات عدة لوسائل إعلامية أنه هو الحل لهذه الأمة، كما أكد على هذا الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمود عزت في تصريحات خصَّ بها (إخوان أون لاين)؛ حيث أوضح أن الانتصار الكبير الذي حققته حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت الأربعاء الماضي إنما هو انتصارٌ للأمة بأسرها ومعبر مهم عن أن التيار الإسلامي هو الحل بالفعل، خاصةً مع توازي هذا الانتصار مع انتصارات أخرى للإخوان في مصر وغيرها.

 

الخوف من تراجع حماس عن معتقداتها وثوابتها وبرنامجها الانتخابي الذي من أجله اختارها المواطن الفلسطيني وتخليها عن سلاحها.. كان ضمن المخاوف الكبرى التي عبر عنها الشباب بعد أن استطلعنا آراءهم، فكثير منهم يرى أن حماس قد تتعرض لضغوط دولية تجبرها على تغيير ثوابتهم وبرنامجهم الذي يدعو إلى الإصلاح والمقاومة، وتسليم سلاح المقاومة الذي يقودونه مع بقية الفصائل الفلسطينية، رغم أن القيادي إسماعيل هنية- عضو القيادة السياسية لحركة المقاومة الإسلامية حماس ورئيس قائمة الإصلاح والتغيير- قد صرح لأكثر من جهة إعلامية أن حماس لن تتخلى عن سلاحها حتى يخرج الاحتلال من فلسطين وأنها لن تغيِّر برنامجها الانتخابي الذي يعتمد على الإصلاح والمقاومة، والذي من أجله اختارها أبناء الشعب الفلسطيني، ولن تغيِّر ثوابتها في كافة المجالات وعلى رأسها المجال السياسي، وأنها متمسكةٌ بكافة حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وحق العودة وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين وإقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس.

 

حان وقت الاختبار

تفرُّد حماس بالحكومة المرتقبة وتجاهلها للقيادات والكفاءات من الفصائل الفلسطينية الأخرى كانت مشكلةً عبَّرت عنها نسبةٌ ليست قليلةً من الشباب، فمحمد زكي (مدرب رياضي مصري) يرى أن على حماس أن تعمل على توحيد الفصائل الفلسطينية في حكومة تستطيع أن تُثبت نفسها بين كافة فصائل الشعب الفلسطيني، وأن عليها أن تتناسى الخلافات بينها وبين أي فصيل آخر؛ حتى تستطيع أن تقدم لبلادها شيئًا يساوي ما تحمله آمال الشعب في مهمتها الصعبة التي وكلها لها شعب فلسطين الذي اختارهم بكل حرية وثقة، رغم أنها هي التجربة الأولى التي تخوض فيها حماس الانتخابات التشريعية، ورغم أن قياديين من حركة فتح قد قرروا ألا يشاركوا في حكومة تشكِّلها حماس، رغم أن خالد مشعل- رئيس المكتب السياسي لحركة حماس- قد دعا فتح إلى عدم التخلي عن الشراكة السياسية في هذه المرحلة السياسية الحاسمة والحساسة، مشدِّدًا على ضرورة العمل المشترك من أجل استكمال مسيرة التحرير والبناء.

 

شكرت حماس شعبَها الفلسطيني على ثقتهم الغالية، سواءٌ من صوَّت لحماس أم لم يصوِّتْ، وأوضحوا أنهم سيكونون عند حسن ظن شعبهم الصامد، استشعروا عظم الأمانة والمسئولية التي باتت في أعناقهم، أقاموا المهرجانات والاحتفالات وتسلَّق أنصارهم مبنى المجلس التشريعي الفلسطيني، معبِّرين عن فرحتهم بعد أن رفعوا علم حركتهم فوقه، طافوا شوارع أرضِنا المحتلة يبشرون الناس بأن ساعة النصر باتت قريبةً وأن زمن الهزائم والخداع قد ولّى إلى غير رجعة.

 

ولكن تبقى الأيام المقبلة ننتظرها بترقُّب وحذر لنرى كيف ستكون أول حكومة إسلامية بدولة ديمقراطية حقيقية في الشرق الأوسط ولنرى هل سينتصر الإخوان المسلمون متمثلين في حماس لدولتهم المحتلة؟!