لم نكن تتصور أن خمسين إضرابًا عماليًّا قد سبَّب كل هذا الارتباك، للدرجة التي رأينا فيها محاور الانقلاب تهزي صارخة عاوية.

 

فالإعلام تعامل مع الحدث باستخفاف في البداية فأذاع الإضرابات الأولى ونسبها إلى الإخوان، ثم كذبته الصورة فاستضاف قياداتها ولام معهم على الحكومة عدم تنفيذ وعودها، وما لبثت الإضرابات أن اتسعت فكانت المواجهة أكثر ارتباكًا حين لام البعض على الحكومة وطلب آخرون من المضربين التريث، ولكن حين وصلت إلى القاهرة وتناقلها الإعلام العالمي، صرخوا جميعًا في وجه المصريين يوبخونهم أو يستعطفونهم، بأن يؤجلوا تمامًا مطالبهم الفئوية، فالبلد لا تتحمل!!

 

ورأينا الاعترافات تترى بإفلاس البلد، وأن العمال لا ينتجون شيئًا، وأنه لا أحد في هذه البلد يساوي شيئًا!! لأننا جميعًا عاطلون، ونصح أحدهم العمال بأن يربوا الفراخ ليزيدوا دخلهم، ونصح الآخر الحكومة بأن تستعين بالعمال الهنود والصينيين، وأحالت الثالثة التهمة على التنظيم الدولي للإخوان.

 

كانت حكومة "هشام قنديل" تعاني من 150-200 إضراب شهري وصلت في بعض الشهور إلى 300 إضراب، تسببت في خواء بعض المناطق الصناعية وهروب المستثمرين، حيث كانت هناك موجة من الجشع والتسييس للإضرابات ولم تكن جميعها تطالب بحقوق مشروعة .

هذا للتذكير .

- والسؤال الآن: إلى أين؟

والإجابة: إن الثوار استهدفوا "عصيانًا مدنيًّا سلبيًّا" وقلنا إن الفارق بين (الإيجابي) و(السلبي) هو أن (الإيجابي) يحدث في حالة (الإجماع) بحيث يُضرب فيه الناس طواعية ورغبة في إسقاط النظام، وهذا يأتي بنتائج سريعة ومحققة.

 

أما (السلبي) فيحدث حين يكون هناك انقسام شعبي، أو (حالة رعب)، أو (تغييب) لفئات كبيرة من الشعب، وكل هذا نعيشه، و(السلبي) يعني أن الأحوال الاقتصادية تظل منزلقة إلى الهاوية بحيث لا تستطيع سلطة الانقلاب الوفاء بالتزاماتها نحو العاملين، ثم تفشل في تدوير آلة العمل، ثم يتوقف دولاب المصالح على القطاع الخاص، فتكون النتيجة تمامًا كالعصيان المدني الإيجابي، وتتوجه أصابع الاتهام من جديد إلى السلطة الحاكمة، فينتهي شهر العسل المصنوع بواسطة الإعلام.

 

ومن هنا فإن على الثوار أن يعملوا بحيث :

أ‌ يسقطون (حالة الرعب) بدوام التصدي للديكتاتورية والصمود لها حتى يرى الناس أن قبضتها لا تخيف وأن هناك أقوياء يستحقون الاحترام حتى لو كانوا محل تشويه من إعلام الديكتاتور، فيحتذون حذوهم، ويرفعوا أصواتهم دون وجل.

 

ب‌ يسقطون آلة البطش المتمثلة في الشرطة غالبًا، وفي حالتنا تتمثل في الشرطة والقضاء والإعلام وقيادات العسكر، لذا وجب تحويل النزال من حالة (قمع الثوار) إلى حالة (المعركة المتكافئة)، فإذا استخدم مركباته لقتل ومطاردة الثوار أُعطبت له هذه الآليات، وإذا استخدم قضاته لتزييف أحكام قمعية صدَّرنا الخوف لهؤلاء القضاة، وإذا استخدم الإعلام في التشويه، استهدفت منظومة الإعلام بالإعطاب والرعب، وهكذا حتى تتحقق إستراتيجية (توازن الرعب).

 

ج- إسقاط اقتصاد الانقلاب، ومعلوم أن الاقتصادات الهشة تتأثر بأي إجراءات مضادة، ومعلوم أيضًا أن الأحوال العمالية ببلدنا منهارة وأي تأثير فيها يضاعف هذا الانهيار، وانهيار أوضاعهم يوقظهم على الحقائق فينضمون للثوار وإلا سيظلون مخدوعين كما خدعوا سلفًا، والمقصود أن يتم الحصار السلمي لمفردات الاقتصاد، مما ينتج عجزًا حكوميًّا عن ملاحقة ضرورات الشعب، فيتحول كل مواطن إلى إعلام مضاد، ثم يتحول إلى ناقم، فيتجرأ في طلب حقه ويُضرب عن العمل.

 

- ونقول: إن خمسين إضرابًا أسقطوا حكومة الببلاوي، هذا صحيح لكن علينا أن نعلم أن خمسين إضرابًا لا تعني (عصيانًا مدنيًّا)، لذا ينبغي الاستمرار والإبداع سواء في التظاهر الدءوب أو في إجراءات اقتصادية سلبية، ومنح هذا أولوية قصوى، لأن العوار الاقتصادي قد ظهر أسرع مما تصور الثوار أنفسهم، ويساعد ذلك اختيار حكومة جديدة بحرس قديم لا يملكون أي خبرة لتبييض وجه الانقلاب اقتصاديًّا، مع وزيرة مكروهة من العمال لها خلفيتها المنحازة لرجال الأعمال ضدهم.

 

- وقد لاحظنا تغيرًا ملموسًا في نبرة الجماهير في الشهر الأخير مع انقطاع الكهرباء وعلو صوت الإضرابات، ولم تكن نبرة (مصلحة البلد) عالية، فالكل قد سار سابقًا في طريق (المصلحة الشخصية) و(مرسي عمل لنا إيه) و(هشام قنديل ما رفعش الأجور) و(من غير كهربا وسولار نعيش إزاي) و(عايزين نأكِّل عيالنا ونعلمهم ولا نسرق يعني؟)، فهذا الاتجاه الذي ذكاه الانقلابيون على مدار حكم "د. مرسي" يدفعون ثمنه الآن، ويستحي إعلامهم المفضوح أن يذكر الناس بمصالح الوطن العليا إلا ضمنيًّا خاصة بعد الفشل الحكومي الهائل، والسمعة الدولية التي تلطخت .

 

- إن النتائج تأتي أسرع مما نتخيل، فعلى اليائسين أن يدركوا أن الميدان هو الحل وعلى المثبطين أن ينحازوا إلى فرشهم الوثيرة، ويتركوا القرار لمن اختار المخاطرة بأمنه وحياته وصحته .

 

- وعلى الثوار أن يروا بأعينهم أمارات النصر تلوح بالأفق، وأن يوقنوا أن طريقهم هو الطريق الوحيد لنيل العيش والحرية والعدالة والكرامة.

مكملين ...

لا رجوع ...

[email protected]