بقلم: د. سحر محمد

 كنا نتحدث عن أهمية تغيير ما بأنفسنا من الأفكار والرؤى والتصورات التي تؤثر على سلوكياتنا وانفعالاتنا ونحن ندير شئون أسرنا وحياتنا الزوجية قبل الزواج وبعده، ووجدنا أن السعي لتغيير ما بأنفسنا يستتبعه التغيير من الله لأحوالنا، وسنستمر في رحلتنا حول هذه الآيات.

 

الآيات تصف سنة عامة للبشر

من المهم أن نُدرك الملمح القرآني الذي يشير إلى أن سنة التغيير هذه تنطبق على كل البشر فالله سبحانه لم يقصر حديثه على المسلمين ولكن الحديث جاء منصرفًا على القوم (أي قوم سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين) وبالتالي فقد نجد أُسرًا كثيرةً من أسر المسلمين المتدينين وهي تعاني الاضطراب ويرجع ذلك ببساطة لأنها لم تستعن بسنن وقوانين الله التي تحفظ تماسك الأسرة، وفي المقابل قد نجد أُسرًا أخرى من غير المسلمين مستقرة ومترابطة؛ وذلك لأنهم اتبعوا السنن والقوانين التي تُحقق هذا الترابط، وهذه النظرة هي التي تجعل الإنسان قادرًا على الاعتبار من تجارب الآخرين.. بحيث يمكننا أن نتعرف على الوسائل التي تدعم الترابط الأسري وعوامل الهدم التي تفت في عضد البنيان من الملاحظات التي نستقرئها نحن أو يستقرئها غيرنا من البشر (سواء كانوا مسلمين أو غير ذلك.. طالما أن ما عندهم لا يتعارض مع صحيح الدين).

 

وكما أوضحنا من قبل أنَّ فاعل التغيير الأول في الآياتِ هو الله، وفاعل التغيير الثاني هم القوم أو المجتمع، وفي الآية ترتيب بين حدوث تغييرين، وتغييرات الله يمكن أن تكون نِعمًا أو نِقمًا ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الأنفال: من الآية 53) بحسب التغيير الذي يحدثونه بأنفسهم، والتغييرات التي تحدثها الأقوام بالنفس تكون إما على مستوى الأفكار أو المفاهيم أو الظنون، ويمكن أن تكون في مجالي الشعور أو اللاشعور.

 

هل تغيير ما بالنفس أمر ممكن وقابل للتحقق؟ 

لا يوجد في النفس بداية إلا القابلية لتقبل كل شيء وأي شيء- خيرًا كان أو شرًا- وهذا ما وضحه الحق جلَّ وعلا في قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾ (الشمس) وقول المصطفى- صلى الله عليه وسلم-: "كل مولود يولد على الفطرة.. فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه".. فالإنسان يولد كالصفحة البيضاء.. يمكن الكتابة عليها بالعوامل والمؤثرات البيئية المختلفة، ومع الأيام والسنين وعبر المؤثرات والتجارب الحياتية المختلفة تتغير فطرة الإنسان ويتبدل ما في نفسه من أفكار ورؤى وتصورات تصنع سلوكياته وانفعالاته، فالإنسان عندما يتزوج لا يكون على فطرته الأولى.. ولكن ما بنفسه قد تبدل وتعدل وتغير.. وعليه هنا أن يبدأ رحلة داخل نفسه ليفتش عن الأفكار والتصورات التي تدعم الروابط والاستقرار الأسري ليقويها ويثبتها، وكذلك عليه أن يبحث في داخله عن الأفكار التي تضاد الترابط والاستقرار الأسري ليزيلها، ودور المختصين والتدريب والإعداد للزواج يتلخص في التعرف على هذه الرؤى والتصورات، وكيف يمكن وضع أو تبديل أو تغيير أي منها أو تثبيته، وقد يحتج البعض مرددًا أن الزواج فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ ولذلك فنحن لا نحتاج إلى تعليم أو تدريب، ولكن الواقع يؤكد ضعف هذا الادعاء بدليل كم المشاكل الرهيبة التي تعصف بأسرنا، ويمكن تفسير ذلك بأن فطرة الله تعني القابلية والجاهزية.. ولو كان الادعاء بأن فطرة الله تغنينا عن التعلم والتدريب.. فهل معنى هذا أن الرجل يصبح مسلمًا لو تركناه على حاله بدون أي تعريف بتعاليم الإسلام؟ وحتى لو فرضنا جدلاً صحة هذا الادعاء.. فنحن في حاجةٍ لأن ندرك أن فطرة الله قد بُدلت وتمَّ تعديلها عبر عمليات معقدة وطويلة ناشئة عن تأثيرات البيئة.

 

المعوقات التي تمنع الإنسان من بذل الجهد لإحداث التغيير

 وهذه الحقيقة.. حقيقة أن الله جعل لنا سلطانًا على تغيير ما بأنفسنا تعتبر حقيقة على قدر كبير من الأهمية، لأنها تعني أنه لا مبررَ لإنسان أن يقف عاجزًا أو معاندًا ويقول لا أستطيع أن أغير نفسي "إنما الحلم بالتحلم"، والإصرار على غير هذا يعتبر من قبيل العجز والكسل والخمول المقعد عن السعي للتغيير.. وهذه النفسية.. نفسية مَن يرفض التغيير بحجة أنه غير ممكن تعتبر من أهم المعوقات التي تقف في طريق إحداث تغيير ملموس على أرض الواقع.

 

وقد يقعد الإنسان عن السعي من أجل التغيير رغبته في أن يرفع المسئولية عن نفسه وبالتالي فهو يعلق كل مشاكله على قدر الله وقضائه أو على الجن والسحر والحسد ونهاية العالم وغير ذلك من الشماعات التي يحاول أن يعلق عليها الإنسان عجزه وفشله في التعامل مع مشكلاته، فليس له يد فيما يعاني  مشكلات وبالتالي فلا يمكنه المساهمة في الحل لأن حل هذه المشكلات يتطلب معجزةً خارجيةً.

 

وقد يقعد الإنسان عن السعي تصوره أو توهمه أن مشكلاته ليس لها حل، وعلى العكس من ذلك فإن اقتناع الإنسان بجدوى حركته يدفعه لبذل المزيد من الجهد في البحثِ والتدقيق للتعرف على أسباب هذه المشكلات وسبل التعامل معها.

 

وقد يقعد الإنسان عن السعي وبذل الجهد تصوره أنه لا يحتاج للسنن التي تعمل بين البشر؛ فهو متدين ومن اختارها متدينة ويكفيهما هذا، فلا داعي لاختبار مقدار النضج ولا داعي لاكتساب مهارات الزوجية ولا داعي لدعم التواصل بين الزوجين.. فطالما حسُنت النوايا فتوفيق الله سيكون حليفنا، ونتناسى أن حسن النوايا لا يغني عن العمل وبذل الجهد والسعي لاتخاذ الأسباب والتدابير الملائمة.

 

وقد يكون تقليد الآباء تقليدًا أعمى وراء قعود الإنسان عن السعي للتغيير، والمطلوب أن نضع تجارب السابقين في وضعها السليم.. فهي تجارب للاستفادة منها والبناء عليها على أن نتعامل معها بالعقل الناقد الذي يمحص ويدقق ولا يأخذ كل الأمور على علاتها.

 

وقد يقعد الإنسان عن العمل على تغيير ما بنفسه لإصلاح أحواله الأسرية غفلتُه عن جوانب المشكلات أو إعراضه وهوى نفسه الذي يعميه عن أن يُدرك جوانب الخلل في نفسه.

 

وقد يقعد الإنسان عن السعي للتغيير اطمئنانه لما بنفسه وتصوره أن الخير والصواب في جانبه والشر والخطأ في جانب شريكه؛ وبالتالي فعلى الشريك أن يبذل هو الجهد من أجل التغيير.

 

ونحتاج ونحن نتعامل مع مشكلاتنا الأسرية لأن نتعرف على أسباب القعود المختلفة كما نحتاج لأن نتعلم كيف نتعامل معها ونحيدها حتى لا تصبح معوقًا لنا عن سلوك سبل التغيير للأفضل.

 

وقبل أن نختم رحلتنا مع هذه الآيات يكون لزامًا علينا أن نؤكد أن الأفكار السلبية التي تصنع سلوكياتنا وانفعالاتنا وسبل إدارتنا لشئون حياتنا الزوجية تستمر معنا قبل وبعد الزواج.. وتسبب لنا الكثير من المشكلات التي يترتب كل منها على الآخر.. محدثة الكثير من المشاكل المركبة، ولا حل لنا إلا بأن نفكك هذه المشاكل إلى عناصرها الأولية بحيث يمكننا التعامل مع كل منها على حدة وحسب الظروف ومرحلة الزواج.. وهذا ما سنستكمله في باقي حلقات هذا الملف، ولتكن البداية بما قبل الزواج.. أو في الطريق إلى الزواج.. فتابعونا.