كتبت- أميرة السنهوتي

المسلمون في المهجر يعانون من العديد من المشاكل على رأسها قضية الهوية التي باتت محل مواجهة مع تحديات العولمة، وترتبط الهوية بالتربيةِ ارتباطًا يجعل من الصعوبةِ بمكان فصل إحداهما عن الأخرى، وأول ما يتبادر إلى الذهن في هذه القضية عددٌ من الأسئلة تمثِّل الإجابةُ عنها السبيلَ الصحيحَ للحفاظ على هويةِ أبناء المسلمين في أوروبا وأمريكا، من هذه الأسئلة.. ما موقف أبناء المسلمين من الثقافة الغربية؟ وما مدى رفض المسلمين أو قبولهم لهذه الثقافة؟ وما أثَّر ذلك على تربية أبنائهم؟ وما دور الأسرة في هذا الصدد؟

 

هذه الأسئلةِ وغيرها أجابت عنها منى صبحي عضو اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل في بحثٍ مهم بعنوان "دور الأم في تربية أبنائها في أوروبا".

 

يؤكد البحث أن التربيةَ أمانةٌ ومسئولية، والتربية الصالحة من أُمٍّ مسئولة ليس لها جزاءٌ إلا الجنة.

 

والتربية مدرسةٌ.. على الأُمِّ أن تعرف المنهجَ الصحيحَ؛ كي تقوم بأداء رسالتها وتصل إلى غايتها من أفضل الطرق، والمنهج التربوي واضحٌ ويقوم على قواعدَ ثابتةٍ هي:

 

الجوانب والأساليب والوسائل والمهارات.. أما أهم الجوانب المطلوب معرفتها والقيام بها:

1- الجانب الإيماني: وفيه تَغرس الأم العقيدةَ الصحيحةَ التي ترتكز على الإيمان بالله وملائكته، كما تبين لأطفالها الفرائضَ والعباداتِ وأحكامَها ، وتوضح لهم أن العلاقةَ مع الله لا تنفصل عن العلاقةِ مع النفس والمجتمع.

 

2- الجانب الأخلاقي: والأم وهي ترسي قواعدَ هذا الجانب تعمل على خطين متوازيين:

الأول: ترسيخ الفضائل والقيم: (مثل الصدق والأمانة والوفاء وحفظ اللسان والشجاعة والمروءة والكرم والرحمة والعفة والتواضع والإخلاص والإتقان والنظافة والنظام).

 

والثاني: التنفير من الرذائل وما يستتبعها من سلوكيات لا يقرها الإسلام، ولا يتهاون فيها.

 

3- الجانب العقلي: ولأن العقل هو مناط التكليف عند الإنسان فمن الواجب على الأم أن تعرف وتنمي العملياتِ العقليةَ لدى أولادها من تأمل وتفكر وتذكر واستنباط وغيره، ووسيلة هذه التنمية العقلية الاستزادة من المعرفة عن طريق القراءة واستخدام وسائط التكنولوجيا المتعددة، وأن تربط الطفل بالمكتبة وتحرص على حضوره الدوري للمسجد والملتقيات الفكرية والثقافية مستمعًا ومشاركًا أيضًا.

 

4- الجانب الجسمي: إنَّ الوعي بأهميةِ العنايةِ بصحة البدن وإعطائِه حقه لمن ضرورات الحفاظ على السواء النفسي للشخصية، وهذا يتطلب منها الاهتمام بالتغذيةِ السليمةِ والمتوازنة لطفلها، مع الحرص على تنشيط الجسم بالرياضات المناسبة، والحرص على أهمية نظافة البدن وطهارته.

 

5- الجانب الجنسي: عندما تعي الأم أن الغريزةَ الجنسيةَ فطرةٌ مشروعةٌ عند الإنسان زوده الله بها لحفظ النوع البشري والتكاثر إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، وتتعرف على مقاصد التربية الإسلامية في الجانب الجنسي من ضبطٍ وتنظيمٍ لا كبتَ أو غموض، عندها فقط ستتدرج مع طفلها بمبادئ التربية الجنسيةِ في مراحل نموه المتعاقبة، مثل: (آداب النوم وحدود اللباس والعورات وآداب الاستئذان والحمام وغض البصر والبعد عن المثيرات وأحكام الطهارة وأحكام البلوغ والصوم وتفريغ الطاقات الجسدية والعقلية بالرياضة والأنشطة المتعددة والتعفف) وهذه المبادئ الوقائية تُحصِّنه وتهذِّبه حتى يصل إلى الإطار المشروع (الزواج) كما تحرص الأم على تعريف أبنائها- خاصة البنات- بخصائص مرحلةِ المراهقةِ وأحكام البلوغ والاحتلام وتركيبةِ الجهاز التناسلي والأمراض التي تُصيبه، وتوضح أضرار الممارسات الجنسية غير الطبيعية (مثل الاستمناء).

 

6- الجانب الاجتماعي: تهتم التربية الإسلامية بتنشئةِ الفردِ المسلمِ تنشئةً سويةً متوازنةً يُدرك من خلالها أن له حقوقًا وعليه واجبات أيضًا في الدائرة الأسرية والدائرة المجتمعية، وترتيب تلك الحقوق والواجبات وتعميقها في ذهن الطفل من أولويات التربية التي يجب أن تباشرها الأم.

 

وهناك عدة أساليب تساعد الأم في التربية الصحيحة:

1- أسلوب اللعب: له فوائدُ جمةٌ تعود على الطفل وتُحقِق في الوقت ذاته أهداف التربية.

2- أسلوب السؤال: أسلوب تربوي يجذب الانتباه ويؤدي إلى التركيز في الإجابة والتشويق والتحفيز للمعرفة.

3- أسلوب ضرب الأمثلة: لتقريب المفاهيم وتأكيد القيم وتقريب القياس العقلي والإفادة من العظة والعبر.

 

كما توجد مجموعة أخرى من الوسائل تساعد الأم:

1- التربية بالقصة: وهي من أكثر الوسائل جاذبية وتأثيرًا في نفوس الأطفال.

2- التربية بالموعظة: وهي وسيلةٌ مباشرة للتوجيه تؤتي ثمارَها إذا صادفت التوقيتَ المناسبَ والظرف الملائم لنفسية الطفل.

3- التربية بالحوار: وهذا يتطلب من الأم مهارات الاستماع الفعَّال وإدارة الحوار بطريقةِ علميةِ حتى يكتسبَ منها الطفل هذه المهارات وينشأ على احترام الآخر، ويفرِّق بين الثوابتِ والمتغيراتِ في المفاهيمِ والأحكامِ، ويتعامل مع الناس من منطلق الثقة في النفس واحترام الذات وتقدير آرائهم وموازنتها واستخلاص أفضلها.

4- الثواب والعقاب: حيث تدعم الأم الجانب الإيجابي بالإثابة وتنفر من الجانب السلبي بالتلويح بالعقاب أو إنزاله بقدر ما تستدعيه الضرورةُ وبصورةٍ لا تجرح من كرامةِ الطفل أو تهين شخصِه.

5- التربيةِ بالأحداث والمواقف: وهي من الوسائل التي استخدمها القرآن لتربية الأفراد والأمة.

 

الواقع الاجتماعي في الغرب

هناك ثلاثة محاورَ ينبغي على الأم أن تُعيد حساباتِها من خلالها وهي تتنفس مع أولادها واقعًا يختلف لغةً ودينًا وثقافةً وحضارةً وعادات وأعراف عن كل ما ألفته أو تتمنى لأولادها العيش فيه:

 

المحور الأول: قراءة الواقع بعيون منطقية:

يجب أولاً قراءته بصورة صحيحة ومنطقية وهادئة، وهذا يتطلب من الأم أن تعرفَ إيجابياتِه وسلبياتِه لتنطلق بشكلٍ جاد.

 

بالنسبة للإيجابيات: سيادة القانون في المجتمع، الحياة الديمقراطية، وتطور وسائل الإعلام والاتصال، وسمة النظام والإتقان، العناية بالعلم والبحث والثقافة، والإحساس بالمسئولية، وبكرامة الفرد، وإمكانية معرفة حقوقه والدفاع عنها، والثقة بالنفس، وروح المبادرة في التأثير على القرار السياسي، وتعزيز المبادئ الإسلامية التي تحض على النظام والإتقان وضبط المواعيد والإنجاز والعمل المبدع.

 

وعندما تتلمس الأم هذه المظاهر وتدركها جيدًا وتكسبها أولادَها بشكلٍ منطقي، فإنها تدفع بهم إلى نقطةِ التوازن النفسي والاجتماعي والإحساس بالتميز والقدرةِ على العطاءِ داخل هذا الانتماء الواعي للمجتمع الأوروبي، لا للذوبان فيه وفقدان الهوية، بل للتفرقةِ بين ما يجب التعايش معه والتمايز عنه، وللوصول إلى إمكانية تغييرِ هذا الواقع لصالح الهوية والتصور والفكر الإسلامي.

 

أما السلبيات: فهي تتضمن تهميش الدين واعتباره شأناً خاصًّا، وتزعزع وضع الأسرة، وتكريس مفهوم الحرية وحق الاختلاف.

 

وتنبع خطورة تلك السلبيات على أولادنا من دوام احتكاكهم بالمجتمع الأوروبي في المدارس والمراكز الاجتماعية والثقافية المختلفة، خاصةً وأنَّ الأولادَ في مرحلةِ التأثرِ والتكون، وما يرونه من مظاهر التفلت والتحرر ودغدغة العواطف والشهوات، في مقابل الضوابط التي يجب أن تحكم تفكيرهم ومشاعرهم وسلوكهم في التربية الإسلامية، والتي تعمل الأم والأسرة والمؤسسة الإسلامية في الغرب على غرسها فيهم، كل هذا يجعلهم في حالةٍ من الصراعِ الداخلي ويضع أسرَهم في خانةِ القلقِ والخوفِ على مصيرِ أولادِهم أن يتأثَّروا أو ينحرفوا تحت ضغط هذا الواقع.

 

وعندما توضح الأم لأولادها النموذجَ المعرفي الغربي الذي يرفض الألوهيةَ والدينَ والمقدساتِ والثوابت والأسرة والأخلاق والقيم السلوكية المنضبطة، ويكرس مفاهيم التحرر والأنانية والفردية والشهوانية وتقارنه بالنموذج المعرفي الإسلامي، وعندما تتدبر معهم السنن في الأنفس والآفاق والكون، وتتعرف الأم مع أطفالها على روح القرآن ومرامي السيرة والسنة لهداية الإنسان وصالحه، فأنها بذلك تقلل الفجوةَ بين المثال وإمكانية التطبيق، وتختصر مسافات الصراع النفسي، وتعزز لديهم الدفاعاتِ الذاتية لمقاومة الواقع الضاغط.

 

المحور الثاني: معايشة الواقع بصورة طبيعية:

وتتطلب تلك المعايشة وقفة مع خطين:

الأول: مراجعة الذات:

وهو يتطلب من الأم أن تقف بصدقٍ مع نفسها لتدركَ أنها جاءت من بلدٍ إسلامي له خصائص وظروف مغايرة للواقع الأوروبي، وعليها أن تحدِّد بشكلٍ علمي وجاد الفرقَ بين المكتسبات أو المورثات التي شكلت شخصيتها: هل هي من الإسلام أم من ثقافة المجتمع؟! إن الثوابت التي جاء بها الإسلام لا خلافَ عليها، ولن نفرط فيها أبدًا ما حيينا، أما المتغيرات المكتسبة من قواعد ومعارف ومهارات وسمات هي بنت بيئتها فهي التي تحتاج إلى وقفة صحيحة: هل تصلح تلك المتغيرات للبيئة الجديدة؟

 

الثاني: التعاطف مع الأولاد: حيث إن احتضان أولادنا شعوريًّا ومعرفيًّا وجسميًّا قادرٌ على بثِّ الطمأنينة والأمان والتفكير الهادئ، إن التعاطفَ والتبسطَ والحوارَ والاستماع الفاعل بمثابة الأمصال الواقية من أمراض المجتمع الأوروبي، حتى إذا اندمج أولادُنا في هذا الواقعِ فإنه الاندماج الإيجابي الذي يترفع عن السلبيات ويتفاعل مع الإيجابيات.

 

المحور الثالث: فقه الواقع: إذا تمَّت قراءة الواقع بصورةٍ صحيحةٍ لتلمس معالم التعايش معه فهذا مؤشرٌ سليمٌ على إدراك فقهِ الواقعِ وترتيبِ أولويات تربوية على الأم التمسك بها والعمل من خلالها.