عبده دسوقي

 

تمر السنون تلو السنين، والأيام تلاحقها الأيام، وينجلي الليل، ويتنفس الصباح، وتُطوَى الذكريات، غير أن ذكرى الصالحين تظل نسيمًا للعليل، وبلسمًا للمريض، وعِبرةً للسائرين على طريق رب العالمين وموعظة للمتقين.

 

لقد كان الشيخ عالمًا جليلاً، وواعظًا صادقًا، ومجاهدًا عاملاً، ظل محافظًا على بيعته مع الله والتي اقتطعها على نفسه، فكان من السابقين الصادقين في بيعته مع الإمام الشهيد حسن البنا، وكان صديقًا للإمام قبل نشأةِ الإخوانِ المسلمين، وفي هذا الصدد يقول الأستاذ البنا: "وعمل الزمن عمله فتفرقنا نحن الأربعة، فكان أحمد أفندي السكري بالمحمودية، وكان الشيخ حامد عسكرية بالزقازيق، وكان الشيخ أحمد عبد الحميد بكفر الدوار، وكنت أنا بالإسماعيلية".

 

وفي الإسماعيلية بايع الإمام البنا ستةُ نفر كانوا بمثابةِ اللبنةِ الأولى لجماعة الإخوان المسلمين، وهم حافظ عبد الحميد "نجار"، وأحمد الحصري "حلاق"، وفؤاد إبراهيم "مكوجي"، وعبد الرحمن حسب الله "سائق"، وإسماعيل عزّ "جنايني" وزكي المغربي "عجلاتي"، فكانوا هم أول من بايع الإمام البنا، وسرعان ما انضمَّ إلى قافلة الصالحين الشيخ حامد عسكرية والشيخ محمد فرغلي، ومنذ اللحظة الأولى وضع الشيخ عسكرية نفسَه في خدمةِ الدعوة وإخوانه، وقد شمَّر عن سواعده في التصدي للمنكرات والحملات التبشيرية.

 

مولده

وُلِد الشيخ عسكرية في قرية الطيبة بمحافظة الشرقية، وحفظ القرآن صغيرًا، والتحق بالأزهر الشريف، وتخرَّج منه، وعُيِّن واعظًا بالزقازيق، وكما ذكرنا كان صدِيقًا للإمام البنا، وعندما انتقل الإمام إلى الإسماعيلية وعُيِّن بها مدرسًا عام 1927م وأسَّس جماعة الإخوان.. التقى به الشيخ عسكرية وتبَايَعا على العمل لنصرة الإسلام.

 يا شباب الإسلام حثوا خطاكم
أدركوا الأمةَ التي خدعوها
احملوا العبْء وحدكم ليس في
ودعوا عصبة الخنوثة سكرى
سدَّد الله للمعالي خطاكم
 تدركوا عزةَ الشبابِ الأولى
فأصاخت لتسمعَ التضليلا
الأرض مجالٌ ترونه مستحيلا
يؤثرون العناقَ والتقبيلا
ورعاكم على العَرِين شبولا

ولقد كتب الإمام البنا يزكِّي الشيخ حامد عسكرية وإخوانَه في رسالة (دعوتنا) تحت عنوان (الإخوان في نفوس أربعة) فقال: "ولَّيت وجهي شطر الأصدقاء والإخوان ممن جمعني وإياهم عهدُ الطلب وصدقُ الودِّ والشعورُ بالواجب، فوجدت استعدادًا حسنًا، وكان أسرعَهم مبادرةً إلى مشاركتي عبءَ التفكيرِ وأكثرهم اقتناعًا بوجوب العمل في إسراع وهمة الإخوة الفضلاء الأستاذ أحمد السكري، والأخ المفضال المرحوم الشيخ حامد عسكرية أسكنه الله فسيح جناته، والأخ الشيخ أحمد عبد الحميد، وكثيرٌ غيرهم، وكان عهدًا وكان موثقًا أن يعملَ كلٌّ منا لهذه الغاية حتى يتحوَّل العرف العام في الأمة إلى وجهة إسلامية صالحة"، وصدق الشاعر الذي قال:

 

 قيَّض الله للمعالي شبابا      
ورأت مصر مَن سيكتب فيها
إخوة أُشرِبوا الكمالَ فما
خلقٌ طاهرٌ وقلبٌ نبيلٌ
آثروا الله فاستساغوا التفاني
 يمنع اليوم ركنها أن تميلا
شيخة السوء والسباب الدخيلا
يُلفون إلا إليه حثُّوا الرحيلا
جانب السوء واحتوى المرذولا
وامتطوا نافرَ الصِّعاب ذَلولا

 

نشاطه الفكري والدعوي