تقول سائلة: طفلي لا يحب الدراسة، ويرفض الذهابَ إلى المدرسة، ويعاني من قلةِ التركيزِ مع رفضه لأداءِ الواجبات المدرسية ورفض الاستذكار.. فماذا أفعل؟

 

وتجيب على هذا السؤال: الدكتورة منى صبحي

المنطقي عندما يشارف الطفل سنَّ المدرسة أن يبذل الوالدان جهدهما في تحبيبه لعالَمِ المدرسة ويعطياه فكرةً عن متطلباتِ المدرسةِ من الاستيقاظ مبكرًا، والالتزام بالمواعيد والجداول والمناهج والحصص والتعليمات المدرسية، ويرغبانه في طلب العلم، ويحتفيان به مع كل تقدم يُظهره ونجاح.. هذا عن التحضير والتحفيز العقلي.. أما عن الانتباه إلى العوامل التي تُساعد الطفل على إحرازِ التقبل للمدرسة والنجاح فيها، فمن أهمها الناحية الصحية، ونعني بها الاهتمام بحواس الطفل- السمع والبصر والنطق- والعناية بالتغذية المتوازنة، وتوفير ساعات كافية متواصلة حسب سنه للنوم الصحي مع مراعاة النوم المبكر.

 

كما ينبغي على الوالدين الاهتمام بمظهر الطفل وحقيبته وأدواته المدرسية بما يتناسب مع الجو العام للمدرسة، وتأمين المواصلات، خاصةً في الفصولِ الباردة والحارة من السنة.

 

وهناك الجو النفسي الذي يُحيط الطفل، والوالدان مسئولان عنه بشكلٍ كبيرٍ ومهم، ونقصد به البعد عن التوترِ والقلق والضغط النفسي أو العصبية في العلاقة الزوجية أو الوالدية، مع توفير الجو الهادئ للدراسة دون ممارسة ألوانٍ من القهر والإجبار والتحقير وعقد المقارنات بين الطفل وإخوته أو أقرانه، والبعد كل البعد عن انتقادِ المدرسة أو الجو والمناخ المدرسي أمام الطفل، أو إظهار التبرم والتسخط من مصروفاتِ الطفل ومتطلباته أو اللامبالاة والسلبية في التعامل مع المدرسة ومتابعة الطفل فيها، ومن المرفوض أيضًا إظهار العجز وقلة الحيلة، أمام سهر الطفل ولعبه واستهتاره بالمدرسة والتسليم بما يفرضه الطفل من تصرفات هذه الملاحظات مهمة للغاية بالنسبة للآباء والأمهات الذين يحرصون على تنشئة أبنائهم بشكلٍِ سوي.

 

لذا عندما تشتكي أمٌّ أن طفلها لا يحب الدراسة فهذا عرض لسبب إما صحي أو نفسي أو أسري أو لعدة أسباب مجتمعة.. وعلى الأم أن تهتم بمراعاة طفلها ومعرفة قدراته وإمكانياته وصبره على التحصيل الدراسي حتى لا تكلفه فوق طاقته، أو تحمله ما لا قدرةَ له عليه.. ومن الظلم أن نُقارن هذا الطفل بغيره من الأطفال لأن طاقات وقدرات الأطفال تتفاوت وتتباين.. كل ما على الأم فعلُه أن تصبرَ على تململه من الدراسة ولا بأسَ أن تتعاون مع إدارة المدرسة لدفعه والصبر عليه حتى يصير إلى الأفضل.

 

هناك قصةُ أم عانت من تهرب طفلتها المتواصل من الدراسة وضعفها في التحصيل وتشتت انتباهها في الفصل مع تعمُّد الغياب واختلاق الأمراض والهروب والانسحاب من المدرسة، وحارت الأم ولجأت إلى بعض الأساليب العنيفة مع الطفلة جهلاً منها بأصول التربية، حتى جاء اليوم الذي اكتشفت فيه أنَّ طفلتها تُعاني من ضعفٍ في السمعِ واضطرابٍ في الجملة العصبية، جعلت تندم على تعنيفها للطفلة، وعندما خضعت لتوجيهات الطبيب الأخصائي النفسي تحسَّنت حالة الطفلة وبدت أكثر تقبلاً للمدرسة وللدراسة، بل وعوَّضت هذا الضعف الجسمي بإتقانها لبعض المهارات والهوايات المتميزة لمَن هم في سنها.

 

أما رفض الذهاب إلى المدرسة فله جملة أسباب أشرتُ إلى بعضها، وعلى الأبوين التعرف على الجوِّ المدرسي، ويرصدان علاقةَ الطفل بأقرانه ومعلميه، وهل هناك مشكلةٌ في تلك العلاقات، وما درجة تقبل الآخرين له، وما نظرة الزملاء والمعلمين إلى هندامه وحديثه وأسلوب التفاعل معه، وعلى الوالدين أيضًا مراجعة علاقتهما بالطفل، وهل هما من الضعف الذي يغدق على الطفل الحنان والحب والحماية واللهفة غير الاعتيادية، لدرجة أن الطفل لا يحس بالأمان إلا في جوِّ البيت، ويشعر بالخوف والرهبة من البيئة الخارجية وتتولد لديه حساسية زائدة تجاه آراء وتعليقات ومواقف الزملاء والمدرسين، وينتصر أكثر لشخصه مع كثرة نقده لمَن حوله، وبالتالي يفقد الرغبة في التعايش مع الجوِّ المدرسي ويبدأ في رحلة التفكير بالهروب والانسحاب والتمركز حول الذات أو أسرته فقط.

 

أطفالنا وما يصدر عنهم من مظاهرَ سلوكيةٍ أو مشكلاتٍ سلوكيةٍ تنبع في معظمِ الأحيانِ من أسلوب التربية الوالدية أو المدرسية، وليس عيبًا أن يراجع الوالدان من آنٍ لآخر وبكل صراحة تلك الأساليب التربويةِ كي نجنِّب أولادنا ما استطعنا من تلك المشكلات.

 

وينسحب هذا الأمر على موضوع قلة التركيز وتشت الانتباه، ورفض أداء الواجبات والمراوغة من الاستذكار، ناهيك عن وجود السبب الأساسي والقاسم المشترك في بيوتنا لتلك المشكلة، ألا وهي الجوانب التي تستحوذ على اهتمامِ الأطفال ووقتهم، والمتمثلة في أجهزة الكمبيوتر والبلاي ستيشن والفضائيات وما شابه ذلك، أو مؤثرات الشارع في الأحياء الشعبية- من تسكعٍ وإغراء بلعبِ الكرة وغيرها.. وأحيانًا كثيرة يكون الجو العام في المنزل مشحونًا بالأحداث والزيارات أو المناسبات الأسرية التي تشغل الوالدين عن متابعة الطفل فيعتاد اللامبالاة وقلة التركيز وما تستتبعه من التهربِ من الاستذكار.

 

إنَّ قليلاً من الاهتمامِ بصحةِ الطفل، ومعرفة ميوله وقدراته، والتعرف على البيئةِ المدرسية والتواصل معها لمصلحة الطفل، وتوفر الحماية والرعاية المتوازنة والمنطقية مع إعطاء أساليب الإثابة والتحفيز والتشجيع بمساحات واسعة وطمأنة الطفل إلى قدراته وامتداحه بأفضل ما لديه من طاقات ومجهودات.. كل هذا يدفع الطفلَ إلى تخطي عقبات وتحقيق نجاحات نتمنى جميعًا أن يصل أطفالنا إليها.