مشكلات المسنين واحتياجاتهم قضيةٌ احتلت أهميةً خاصةً في المجتمعاتِ الصناعيةِ والرأسمالية التي تراجعت فيها القيم الاجتماعية لتَسُودَ قيم الأنانيةِ والثقافة النفعية، بينما بقيت غالبية الدول النامية محافِظةً على تقاليدها، تكرِّم كبار السن لينعموا بالدفءِ الأسري وبالمعاييرِ الأخلاقيةِ وبأحكامِ العقيدة.

 

وهناك اتِّجاهٌ متصاعدٌ في الدولِ الكبرى لمساعدةِ كبارِ السنِّ وحدهم، فمثلاً 70% من النساء في بريطانيا فوق سنِّ الـ85 عامًا يعشن وحدهن معدلاً أعلى من نظيره عند الرجالِ، وتعد الصين حاليًا كبرى دول العالم في تعدادِ المسنين؛ ولذلك تعمل الحكومة على تحسين الظروف المعيشية لكبار السن، ويُقدَّر ما فوق الستين بحوالي 120 مليون ومن تجاوز التسعين 9 ملايين، ومن المتوقَّع أن يصل عدد المسنين في الصين إلى 400 مليون مع منتصف القرن الحالي.

 

تجربة جديدة

تجربةٌ جديدةٌ وفريدةٌ من نوعها قامت بها إحدى جمعيات دور المسنين، وهي (الجمعية المصرية لتدعيم الأسرة)؛ حيث تستهدف هذه الجمعية حمايةَ وتدعيم الأسرة المصرية لمواجهةِ كافةِ أشكالِ التصدع والتفكك الأسري والفقر، بل تطورت خدماتها لتناسبَ متغيراتِ العصر ومواجهة مشكلات الأسرة الحديثة كالفردية والعنوسة والبطالة وخدمة المسنين.
وفي مجال خدمة المسن قدَّمت الجمعية هذه التجربةَ، وهي زواج المسنِّين، أو ما يمكن أن نطلق عليه زواج "الونس"، فكيف جاءت الفكرة؟ وكيف تمَّ تنفيذُها؟ ومدى نجاحها؟ هذا ما نتعرف عليه:

 

فترة حرجة

كبار السن يعشون ظروفًا تكاد تكون متساويةً ومتشابهةً، فمنهم من فقَد شريك الحياة وأصبح يعيش بمفرده، ومنهم من قام بتربيةِ أبنائه حتى وصلوا برَّ الأمان، ومن ثَمَّ يكون المسنُّ عرضةً لبعضِ الأزماتِ النفسيةِ أو الاكتئاب أو الانطواء أو أمراض الشيخوخة المعروفة، فهم في فترة حرجة يحتاجون لشريكٍ يؤنس وحدتَهم ويلبِّي طلباتِهم، ليعيشَ المسنُّ حياتَه بشكلٍ طبيعي في المجتمع، ومن هنا جاءت فكرة زواج المسنّ.

 

أما عن كيفيةِ تنفيذِ الفكرةِ فقد وفَّرت الجمعيةُ الجوَّ العام لتعارف المسنين على بعضهم البعض، وذلك من خلال أنشطة الجمعية المختلفة من أنشطة ثقافية وفنية وإرشادات صحية، ومن خلال اللقاءات المتعددة بدأ البعض منهم يأنس للآخر، وشجَّعت الجمعية هذا الاتجاهَ ليكمل المسنُّ رسالتَه في الحياةِ ويعيش ما بقي له من العمر.

 

شفاء بعد مرض

(ف. ح) لواء شرطة متقاعد يبلغ من العمر 70 عامًا، بعد وفاة زوجته وسفَر أبنائه عاش وحيدًا، حتى تعرَّف على زميلةٍ له من خلال الجمعيةِ فتمَّ التعارف والارتباط، وحين مرِضَ مرضًا شديدًا أسرعت زوجته بإحضار الإسعاف، وقتها شعر بأهمية هذا الزواج ووجود شريك، حتى الأمراض الأخرى التي كان يشتكي منها فقد شُفِي منها، وكم مِن آباء وأمهات ماتوا وبقوا أيام دون أن يعلم أحدٌ عنهم شيء.

 

معارضة شديدة

(أ. س) تبلغ من العمر 57 عامًا تقول: بعد وفاة زوجي انشغل أبنائي بعملهم وظروف حياتهم، وقد تعرَّفت من خلال الرحلات واللقاءاتِ المتعددة التي تقوم بها الجمعية المصرية لتدعيم الأسرة على زوجي الحالي والذي تشابهت ظروفُه مع ظروفي، ورغم اعتراض أهلي- وأبنائي بصفة خاصة- إلا أن الجمعية تدخَّلت وأقنعت الأبناء وتمَّ الارتباط وتزوجنا منذ عام 1999م وحتى الآن نعيش في سعادة، وقد شعر كلٌّ منا بالاحتياج للآخر.

 

وحدة قاتلة

أما (ل ع) فقد شعر بالفارقِ بعد الزواجِ، فقد عاش 5 سنوات بعد وفاة زوجته، ويروي تجربتَه قائلاً: كادت الوحدة أن تقتلني، خاصةً مع انشغالِ الأبناء، ورغم أنني أعمل إلا أن ساعات الليل تمر كأنها يومٌ كاملٌ، وسمعت من البعض عن الجمعية وتعرفت من خلالها على إحدى المسنَّات، وتمَّ الارتباط، وأحمَد الله أنه وفقني لاختيار إنسانة حنونة طيبة القلب جمعت شمل أولادي؛ حيث تحرص على أن تدعوهم كل أسبوع.

 

هذه بعض الحالات القليلة فقد تمَّ ارتباط أكثر من 63 حالةً، منذ عام 1999م وحتى عام 2005م جميعهم يعيشون في حياةٍ سعيدةٍ، وكانوا السبب في زيادة الترابط السري؛ حيث تقوم الزوجة الجديدة بدعوة الأبناء والأهل والأقارب فزاد الترابط الأسري.

 

حالات طلاق

أما عن حدوث حالات طلاق فنادرًا ما يحدث ذلك، وقد حدثت حالةٌ واحدةٌ، وكانت بعد زواج دام أربع سنوات، وكان الزوجان سعيدَين ومتفاهمَين لكنه بسبب تدخل الأبناء وخوفهم على أن يشاركهم أحد في ميراث أبيهم.

 

ومن الصعوبات التي تواجه مشكلة زواج "الونس" اعتراض الأبناء على زواج آبائهم أو أمهاتهم، خاصةً إذا كان المسنُّ يمتلك ثروةً أو عقاراتٍ فيخافون أن تشاركهم الزوجة الجديدة في الميراث، ولكن هنا يأتي دور الجمعية في محاولةِ إقناع الأبناء بأن هذا المسن من حقه أن يعيش حياةً مستقرةً، وأن هؤلاء الأبناء انشغلوا بحياتهم الأسرية وأصبحوا في ظروف تتحكم فيهم، وأنهم غير قادرين على رعاية آبائهم، وأن مسألة الورث والأعمار فيه بيد الله، يبدلها كما يشاء ووقتما يشاء.

 

تخفيف المسئولية

وفي المقابل هناك أبناء يسعون للبحث عن شريك حياة لآبائهم وأمهاتهم ويتمنَّون زواجهم، وذلك لتخفيف المسئولية عنهم، وليكونوا في الوقت نفسه مطمئنين على أن هناك مَن يتولى رعايتهم ويؤنس وحدتهم.

 

ومن خلال الممارسة يتضح أن زواج الكبار أسهل بكثير من زواج الشباب، فالكبار ليس لديهم مشاكل مادية مثل الشباب، فقد استقرت حياتُهم المادية ولهم دخول معتدلة، ومن ثم أصبح زواج المسن ميسرًا من الناحية المادية، إلى جانب عوامل أخرى تؤكد نجاح هذا الزواج، كالتقارب الفكري والثقافي والعمري، والخبرة الحياتية، والتي تجعل من هذا الزواج زواجًا ناجحًا وبدرجة كبرى وأيسر من زواج الشباب.