تحقيق: مريم محمد

طفلك جوهرة تزين الحياة وتضفي عليها بهجةً وسعادةً، وهو كذلك مسئوليةٌ أمام الله- عز وجل- تُسألين عنها يومَ القيامة، فكما قال- صلى الله عليه وسلم-: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته" إلا أن هذه الجوهرة أحيانًا ما تكون مصدرَ قلقٍ لنا ومحنةٍ وابتلاءٍ من الله، خاصةً إذا كان مصدر القلق يحيطه الغموض بشأن أعراضٍ غريبةٍ تَظهر على الطفل، ولا ندري لها سببًا واضحًا، ثم يؤكد الأطباء أن الطفل يعاني من التوحد، فكيف تعرفين أن طفلك مصابٌ بالتوحد؟! وما أعراضه؟ وسبل علاجه؟!

 

تقول سمية محمود: كان طفلي طبيعيًّا جدًّا حتى بلغ السنة والنصف، وأثناء ركوبه الدراجة داخل المنزل سقط على رأسه وجُرح وظل يصرخ، ذهبنا به إلى الطبيب وبعد تضميد جرحه عُدنا للبيت ولكن فوجئنا بعد عدة أيام أنه يبتعد عنا وينعزل في مكان وحده، ويبدو خائفًا دائمًا، وبمرور الوقت لم يعُد ينطق أيَّ كلمة، وفقد التواصل مع إخوته تمامًا، وبعد معاناة لمدة سنتين أكَّد لنا الطبيب أنه طفل متوحد.

 

تأخر النطق

وتذكر (ن- م) (أم لطفل متوحد) أنَّ أهم عيب تلمسه الأم ويسهل عليها ملاحظته هو تأخُّر طفلها في الكلام، وهو السبب الذي يجعل كثيرًا من الأمهات يلتفتن إلى المشكلة ويسعَين إلى طُرُق أبواب الأخصائيين كما فعلت هي؛ حيث أرشدها أخصائي التخاطب إلى مراجعة طبيب أطفال وطبيب نفسي وإجراء الاختبارات والقياسات اللازمة لطفلها، فكان بداية الطريق لاكتشافها الاضطراب، وتؤكد أنها كأمٍّ حريصةٌ على القراءة والاطلاع على كل ما يخص طفلها والعناية به، فقد كانت تحرص ضمن ذلك على الاطلاع على باب مشاكل وحلولها؛ مما لفت نظرها إلى أساسيات النمو اللغوي الطبيعي للطفل وخطورة تأخر الطفل؛ مما دفعها للبحث عن السبب وعدم تجاهل المشكلة.

 

أما (س-ع) فتقول إن طفلها كان دائمَ الجلوس أمام التلفاز، ولا يخرج من حجرته تقريبًا، ويرفض بشدة أن يسمع كلامها عندما تطلب منه السلام على الضيوف، وباءت كلُّ محاولاتها معه بالفشل، ولكن إحدى صديقاتها نصحتها بضرورة التوجه إلى طبيب نفسي لمعرفة سبب المشكلة، وكانت بداية التوجه لباقي الأخصائيين، وتأكدت من إصابته باضطراب التوحد، ووجدت أنها كأم ينقصها الكثير من المعلومات في مجال مراحل النمو التي يمر بها الطفل لغويًّا واجتماعيًّا بشكل خاص وباقي الجوانب بشكل عام؛ مما أثر في التفاتها للمشكلة في وقت متأخر.

 

صدمة الأم

وتروي (س- س) أنها صُدمت في البداية؛ لأن طفلتها كانت طبيعيةً جدًّا، وظهرت عليها الأعراض بعد عامين، ولجأت لإجراء الاختبارات والقياسات التي نصحها بها الطبيب، ولكن الآن- وبعد مرور فترة على العلاج والتأهيل- بدأت تجد تقدمًا ملحوظًا في حالتها.

 

وتضيف: لقد رأيت بنفسي أمهات تظهر أعراض الاضطراب على أطفالهن، ونصحتهن بضرورة التوجه إلى المختصين ولكنهن رفضن رفضًا تامًّا، وربما يرجع ذلك إلى الجهل بالاضطراب نفسه أو الاعتقاد بأن الأمر لا يعدو كونه انطوائيًّا أو خجلاً أو دلعًا، وهي مشكلات لا نلقي لها بالاً في مجتمعاتنا.

 

وتُحدثنا (س- ك) عن شعور الأم في حال إصابة طفلها بالتوحد، فتقول: كنت غيرَ متقبلةً للأمر، فأغلقت بيتي علي أنا وابني وانعزلت عن المجتمع، ولكنَّ مشاهدتي لبعض البرامج الخاصة واطلاعي على الإنترنت غيَّر تفكيري وتملَّكني شعورٌ بأن الشيطان يمنعني من البحث عن مصلحة طفلي، وفكَّرت أنني حتمًا آثمةٌ لعدم رضائي بالابتلاء؛ مما جعلني أفكِّر في اللجوء إلى هذا الطريق، وأشعر بالندم على تأخري في سلوك هذا الطريق عندما علمت أهمية التدخل المبكر.

 

ما هو التوحد؟!

ويُعد التوحد اضطرابًا تطوريًّا، لم يصل العلم إلى أسبابه المؤكدة بعد، ويتمثل في مجموعة اضطرابات تنضوي تحت اسم واحد (مجموعة خصائص التوحد autism disorder spectrum) ولأننا بصدد رصد هذا الاضطراب الغامض السبب فإن كل أم في سبيل القيام بمسئوليتها تجاه طفلها لا بد أن تكون على درايةٍ بجوانب النمو المختلفة والتطور الذي يمر به الطفل في هذه الجوانب؛ ليتسنَّى لها اكتشاف اضطرابه مبكرًا، والاكتشاف المبكر خطوة أولى لنجاح العملية العلاجية ولا سيما للطفل المتوحد، فهو يصب في مصلحة الطفل قبل الأم ويوفِّر الكثير من الوقت والجهد والعبء النفسي والمادي للجميع، ولا بد للأم كذلك من الوقوف على خصائص التوحد والتي تختلف درجتها حسب نسبة الاضطراب.

 

أعراض التوحد

وتوضح مريم زكي (أخصائية تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة) أهم أعراض اضطراب التوحد، وتتمثل في:

- يتجاهل كلامك معه كالأصم.

- لا ينظر إليك وأنت تكلمينه (عدم التركيز بالعين).

- لا يطلب منك المساعدة عند حاجته إليها.

- غير ودود وفاتر المشاعر.

- علاقته غير طبيعية بألعابه.

- يضحك بلا سبب.

- كثير الصراخ.

- إصدار أصوات نمطية متكررة غير هادفة.

- إصدار حركات متكررة غير هادفة.

- إيذاء الذات والآخرين.

- الارتباط غير المبرر بشيء معين (أكل, لون ملابس, لعبة واحدة).

- اهتمام غريب بصوت معين (مثل تنقيط المياه).

- صعوبة الاختلاط بأقرانه.

- الروتين ورفض أي تغيير أو تعليم.

- تكرار أسئلة أو كلام معين بطريقة غير ملائمة.

- رفض اللمس بشدة.

- الحساسية المفرطة للأصوات.

- ضعف التناسق الحركي.

- حالات نفسية مصاحبة (قلق- اكتئاب).

 

دور الأم

وعن دور الأم في رعاية الطفل المتوحد تؤكد عايدة خليفة (مديرة مركز ميامي للرعاية الخاصة) أن دور الأم مهمٌّ جدًّا قبل وصولها لمركز التدريب ومرورها بخطوات التشخيص، وعليها اللجوء إلى طبيب أطفال (طبيب مخ وأعصاب) أخصائي نفسي (أخصائي تخاطب) وإجراء عدة اختبارات وفحوصات بتوجيه من الأخصائيين، مثل (قياس سمع- اختبار ذكاء- اختبار لغة) والأم بوعيها بوجود اختلاف بين طفلها والآخرين تكون على بداية الطريق لاكتشاف وتشخيص الاضطراب.

 

وتوضح أن بعض الأمهات التي تعرضت لهن من خلال العمل يرفضن فكرة إصابة الطفل من أساسها، ويصمُّون آذانهم عن آراء المختصين؛ مما يحرم الطفل من الحصول على التأهيل والتدريب اللذين يحتاج إليهما وربما يرجع ذلك إلى ظروف مادية وانشغال الأهل بجلب الرزق عن الاهتمام بأبنائهم، وتضيف أن الاضطراب ليس له علاجٌ تامٌّ ولكنه تطوير لمستوى أداء الطفل، والتزام الأهل بجدية في البرنامج يؤدي ببعض الحالات إلى دمجها في دور حضانة عادية، وترى أن نسبة75% من النجاح تقع على البيت وتتوقف على الوعي والثقافة والنشاط مع الطفل، وتضيف أن سبب التوحد غير معروف حتى الآن علميًّا، بالرغم من وجود الكثير من الآراء في هذا الشأن.

 

العلاج الشامل

وترى الدكتورة نُهى اللحام (أستاذ التربية الخاصة بجامعة الأزهر) أن التوحد يعدُّ من أشد الاضطرابات السلوكية والتي تتمثل في التمركز حول الذات، وبانشغال الطفل بذاته بصورة أكثر من انشغاله بالعالم الخارجي، وتؤكد أن العلاج في هذه الحالة يجب أن يكون شاملاً للعلاج الطبي والنفسي والتأهيلي، وبالنسبة للعلاج الطبي فقد تُفيد بعض أنواع العقاقير المهدِّئة في علاج الأرق أو الاضطرابات النفسية ولكنها تُستخدم لفترة قصيرة؛ لما لها من آثار جانبية فيجب أن تكون تحت إشراف طبيب مختص مع ملاحظة اختلاف كل طفل عن الآخر.

 

كما أن العلاج النفسي مفيدٌ جدًّا للطفل، فالأخصائي النفسي يستطيع متابعة سلوك الطفل فيقدم الإرشادات والتوجيهات المناسبة لحالته.. أما البرامج العلاجية التعليمية فتؤدي دورًا بالغَ الأهمية؛ لأن التعليم والتدريب هما أساس علاج الطفل المتوحد؛ حيث أثبت الدراسات أنه كلما تلقَّى الطفل برامج التعليم المخصصة مبكرًا من عمر 3 سنوات كانت النتيجة المستقبلية أفضل.

 

وتضيف الدكتورة نهى أنه حتى الآن لا يوجد إثباتٌ علميٌّ يوضح أن الغذاء له علاقة بمرض التوحد، ولكنَّ هناك كثيرًا من الآباء وجدوا علاقةً بين الامتناع عن بعض الأطعمة وتحسن بعض الأعراض المصاحبة للتوحد، مثل زيادة الحركة والنشاط من هذه الأطعمة (القمح- الحليب ومنتجاته- الخميرة)، كما ظهر علاجٌ آخر يقوم على أساس أن الأطفال المصابين بالتوحد لديهم تحسُّسٌ للصوت، وهذا العلاج الذي أظهر تحسنًا جزئيًّا في بعض الأطفال يتألَّف من إسماع الطفل لموسيقى إليكترونية معينة عن طريق سمَّاعات للرأس لمدة 30 دقيقة مرتين في اليوم لمدة عشرة أيام فقط.

 

وتضيف الأخصائية مريم محمد نصيحةً للأم قائلةً: عليك عزيزتي أولاً: تثقيف نفسك بكل المعلومات المتاحة عن طفلك وثانيًا: كوني على وعيٍ تامٍّ بضرورة مواجهة المشكلة لا تركها تتفاقم؛ لأنكِ الفرد المعوَّل عليه اكتشافُ الاضطراب، وربما تُقدِّمين لطفلك خدمةً جليلةً بأن تُتيحي له الفرصة لاكتشاف مواهبه وإتاحة الفرصة له لإخراج تلك الجوهرة المدفونة خلف اضطرابها، فربما تقدِّمين لمجتمعنا العالم النابغة وليس ذلك ببعيد!!