لا بد أن نقرَّ ابتداءً أن فتيات الدعوة هن جزءٌ من البشر، وعلى هذا الفهم فهنَّ لسْنَ معصوماتٍ من الخطأ، ولكن مهمٌّ أن لا ننسى أنهن واجهةُ الدعوة.. إذن فليس من الغريب أن نطلب من حبَّات قلوبنا أن يكُنَّ على أحسنِ درجة من المظهر والسلوك والانضباط والإسلام الراقي.

 

صحيح هن شريحةٌ من البشر، وطبيعيٌّ أن يتطلَّعن إلى بعض المظاهر والكماليات في ملبسهن وبيتهن، إلا أنه لا بد أن يظل داخل الإطار الشرعي والدعوي؛ فعندما نطلب من بناتنا وأخواتنا أن يحافظن على أدائهن ومظهرهن نضع في الاعتبار أنهن مدركاتٌ للمستوى الإيماني الذي يجب أن يكنَّ عليه من الفهم العميق لمتطلبات الدعوة وأبعادها، بل إننا لا نستطيع أن ننكر أن تصرفاتِ بناتِنا وأخواتِنا- اللاتي هنَّ واجهةُ الحركة النسائية- قد يكون لها مردودٌ على جمهور الإخوانِ والمحيطين بنا في دائرة المجتمع الواسع العريض، وكما يقولون: حسنات الأبرار سيئات المقربين.

 

فالمباح عند غير الأخوات قد يكون منتقَدًا وغيرَ لائقٍ عند الأخوات، فالسلف- رضوان الله عليهم- كانوا يتركون تسعةَ أعشار المباح خشيةَ الوقوع في غير المباح، وهذا عمر- رضي الله عنه- يجد أبا عبيدة يتزوَّج من كتابية استنادًا إلى قول الله تعالى:﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (المائدة: من الآية 5) فأمره عمر بفراقها، وهنا ندركُ أن نظرةَ عمر- رضي الله عنه- لم تكن مقصورةً محصورةً في دائرةِ المباح الشرعي الفقهي فحسب، بل شملت أثر فعل المباح على الشخص والمجتمع من حوله، ومِن هنا فما يكون مباحًا في حقِّ العامَّةِ قد يكون محظورًا في حقِّ الخاصةِ؛ لاعتباراتٍ فقهيةٍ وشرعيةٍ ودعويةٍ وواقعيةٍ مختلفةٍ.

 

ومن ثم فحين تؤدي الأخت أدوارَها لا تؤديها من المنظورِ الفقهي المجرَّد فقط، ولكنها تُجمِّل أداءَها ومظهرَها بما تمليه عليها تبعاتُ الدعوة وأبعادها؛ لأنها كما أشرنا تحمل رايةَ الدعوةِ بمنطلقاتها.

 

ومن جانب آخر فكلٌّ يعلم أن تغيير النفوس شرطٌ لأي تغيير تستهدفه الأمة المسلمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11)، وتغييرُ النفوس وتزكيتُها بالشكل المطلوب يحتاج إلى قوةٍ نفسيةٍ ومواصفاتٍ معينةٍ أشار إليها الإمام البنا حين قال: "إن تكوين الأمم، وتربية الشعوب، وتحقيق الآمال، ومناصرة المبادئ يحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى قوى نفسية عظيمة تتمثَّل في عدة أمور: إرادةٌ قويةٌ لا يتطرق إليها ضعف، ووفاءٌ ثابتٌ لا يعدو عليه تلونٌ ولا غدرٌ، وتضحيةٌ عزيزةٌ لا يحول دونها طمعٌ ولا بخلٌ، ومعرفةٌ بالمبدأ وتقديرٌ له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه، والخديعة بغيره.

 

أختي الكريمة.. تأملي في الصفات التي وضعها الإمام للفئةِ التي تحمل هذه الدعوة.. أين نحن جميعًا من هذه الصفاتِ حين لا نستطيع أن تلتزم أنفسُنا بأجمل وأكمل صورة شرعية لحجاب الداعية؟! كيف ونحن نعد أنفسَنا لكفاحٍ طويلٍ وصراعٍ قويٍّ بين الحق والباطل؟!

 

يقول الإمام: "إن الأمة التي تحيط بها ظروفٌ كظروفِنا وتنهض لمهمةٍ كمهمتنا وتواجه واجباتٍ كتلك التي نواجهها لا ينفعها أن تتسلَّى بالمسكِّنات أو تتعلَّل بالآمال والأماني، إنما عليها أن تعدَّ نفسَها لكفاحٍ طويلٍ وصراعٍ قويٍّ شديدٍ بين الحق والباطل، وليس ثمة عُدة في هذه السبيل الموحِشة إلا النفس المؤمنة، والعزيمة القوية الصادقة، والسخاء بالتضحيات، وبغير ذلك تُغلب على أمرها، ويكون الفشل حليف أبنائها".

 

بناتي وأخواتي.. حيث أتحدث إليكن بهذه المعاني أقولها وأنا أعلم أنني أتحدث مع أختٍ تعلم أن مشروع النهضة ومرحلة التغيير لا يتم إلا إذا حقَّقت معاني الربانية في كل موقف من مواقف حياتها، وتحلَّت بالقدوةِ العمليةِ في كل شيء وتجمَّلت بأرقى الذوقيات والمعاملات، ملتزمةً بالإسلام في مظهرها وحركتها وسلوكها، محقِّقةً المفهومَ الشاملَ للجهادِ والثباتِ على الحق، مدركةً لدورِها في استنهاضِ الأمة.

 

إنني أتصور أن هذه المعاني التي أوضحها لنا الإمام لا بد أن تكون نُصبَ أعيننا حتى نلتزم بتطبيق شروط الحجاب دون تهاون، حقًّا لم يرِد شكلٌ معينٌ لغطاء الرأس ولكن لا بد أن يغطي الصدر وينسدل على الجيوب لقوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: من الآية 31)، وأن يكون خاليًا من الزينة، وأن لا يشفَّ ولا يصف، ولا يكون لباس شهرة، فكيف تتفق هذه الشروط مع الطرحة الصغيرة التي انتشرت وكذلك موديلات الحجاب الذي خرج عن كونه حجابًا، بل أصبح مهرجان حجاب!!

 

أخواتي.. إن لنا مهمةً عظيمةً ألا وهي استنهاض أمة بتغييرٍ يتناسب مع هذا الدور العظيم، فلا يصح أن ترتدي بناتنا حجابَ الموضة حتى ولو بحجة تشجيع الأخريات على الحجاب، صحيحٌ نحن مطالبون بالانتشار في المجتمع، ولكن دون أن نذوب فيه لدرجة أننا لا نستطيع أن نفرِّق بين الأخت الداعية وبين عموم المسلمات من خلال مظهرها.

 

أخواتي.. نحن نريد أن نقيمَ دولةَ الإسلام في قلوبنا وجوارِحِنا ومظهَرِنا؛ حتى يمكن أن تقام على أرضنا.. يقول الإمام في هذا: "كونوا عبادًا قبل أن تكونوا قُوَّادًا تصل بكم العبادة إلى أحسن قيادة".

 

بناتي وأخواتي.. حين أنظر إلى الأجيال أتساءل: كيف يتحقق التوريث والتواصل وكيف تنشأ أمهات للدعوة بعد عشرين عامًا؟! أين هن مَن يحملن أعباء الدعوة وتبعاتها حين تتوالى الأجيال فيحملن الدعوة بأصول شرعية ومفاهيم دعوية؟!