غابت مدرسة الحلول الوسط سواء في السياسة أو الثقافة، غاب أبو الفتوح وأيمن نور وحمزاوي كما غاب تأثير هويدي ومدرسته.
 وليس غيابهم لانعدام فاعليتهم، ولكن لأن الصراع حدي وحاد وقطبي
-  الصراع ببساطة بين طليعة ثورية مؤمنة تمامًا بحق الشعب، ومستعدة تمامًا للتضحية من أجل مبادئها ضد سلطة كانت غامضة تحكم من وراء ستار، تتحكم في كل شيء، وكانت ناجحة تمامًا في استثمار الظروف لصالحها وجني حب الشعب لها، بينما هي مَن يدمر الشعب ويسلم مفاتيح مقدراته للعدو.
إنها قيادة العسكر ...
وينبغى أن نكون صرحاء أكثر، فالمعركة ليست مع المجلس العسكري كما كنا نتصور في بداية الثورة، وليست مع المائة وعشرين قيادة عسكرية التي تم اختيارها على عين أمريكية-مباركية، إنها معركة مع شبكة المصالح العسكرية التي تغلغلت في الجيش ثم استفحلت فضمت مؤسسات الوطن لتصبح الأخيرة مجرد أذرع عنكبوتية لقيادة العسكر.- من أجل ذلك فإن المعركة حدية ولا مجال فيها للحلول الوسط وأطرافها يعلمون ذلك، ويخوضون المعركة بكل كيانهم .

- والإسلاميون كقيادة للموجة الثورية الحالية طرف يفهم الجميع لماذا معركتهم صفرية لاعتبارات المبادئ والشرعية.
 لكن هناك العسكر والنخبة فماذا يصنعون؟!
أولاً: العسكر :
قطعًا هم رأس الفساد والخيانة ونهب ثروات مصر، ولم يكن فساد رجال الأعمال  وملياراتهم إلا الجزء الطافي على السطح ليلهينا عن حقيقة جبل الجليد القابع تحت هذا السطح.
والقضاء والشرطة كرجال الأعمال، كلهم أصحاب مصالح لكنهم تابعون، وليسوا رقما مستقلاً.
 ويمتلك العسكر أوراق لعبة السيطرة كاملة، يمتلكون تحريك الجيش على عكس توقعاتنا الرومانسية بأن جيشنا لن يضربنا، ويمتلكون السيطرة على القضاء والشرطة كما ظهر جليًّا، بالإضافة لسيطرتهم على الاقتصاد كله بطريق الهيمنة، والسيطرة على ثلثه عن طريق الإدارة الفعلية.
 وهم متطابقون تمامًا مع الإستراتيجية الصهيو-أمريكية بالمنطقة.
 ويتحرك العسكر عن طريق المخابرات، هي التي تدرس وتتوقع وترسم الخطط والإستراتيجيات، وهذه هي نقطة الضعف الهائلة المرشحة لتدمير الجسد الكبير، فالإدارة المخابراتية لا تعترف بإمكانيات الشعوب، ولا تعرف السيطرة على الحراك السياسي الحر، ولكنها نائمة تمامًا عند فكر (السيطرة على الشعب).
-  وتجاربها القمعية التي اعتبرتها ناجحة سلفًا من أيام ناصر وإلى الآن، تعمي بصرها عن تَشكُّل النواه الثورية الآخذة في التضخم لتصبح ثورة حقيقية شاملة تهدم المعبد على رءوس الكهنة.
- الجيش كله يخسر المعركة الآن بسبب القيادة المتخبطة للعسكر، وهم أرادوا إظهار أنصار الشرعية كأعداء للجيش، وفي كل سقوط لهم يسقطون معهم الجيش، وهم مطالبون بالإجابة على مشهد مقاطعة الشعب لانتخاب زعيم العسكر، فهل سيعتبرون الشعب قد كفر بجيشه كما يروج إعلامهم؟!... أم سيعودون لرشدهم، الموقف صعب!
- ورغم فداحة الثمن وطنيا، إلا أن هذا لن يسقط الجيش بالمفهوم الوطنى ولن يسقط أنصار الشرعية  ولن يسقط الشعب، وإنما سيعيد بناء عقيدة الجيش بعد تخريبها،  وسيسقط الشبكة العنكبوتية التي تديره.
ثانيًا: النخبة :
النخبة أيضا فاجأتنا- بكل صراحة- فقد كنا جميعًا من مدرسة تتصور أن نخبتنا علمانية غير مخاصمة للدين، فاكتشفنا أنها  نخبة سلطوية مدجنة تخاصم الدين والوطن والقيم، وتستخدم كل أدواتها  فقط لتمكين نفسها، وكان المعارضون منهم لمبارك يعارضونه رغبة في إستبدال نخبته بهم لا أكثر ... وليس لتأسيس دولة القانون والديمقراطية كما كانوا يزعمون.
ولأن الخيار الآن حدي وصفري كما أسلفنا، فقد ألقوا بكل أوراقهم في وجوهنا، وراهنوا على العسكر، والمتصفح للمواقع العلمانية بعد الانقلاب سيجد حجم الصلف العلماني المجافى للدين والمتصادم مع كل قيمنا ماثلا بلا مواربة، هذا بعد أن أسقطوا كل معانى (الدولة الدستورية) بانحيازهم الكامل للعسكر.
- أيًّا كانت تبعية نخبتنا- سواء لأمريكا أو للكيان الصهيوني أو لأيديولوجيا مخاصمة للدين، فقد بذل كل منهم مستطاعه ليثبت ولاءه، ويثبت أقدامه ... ولا أمل للتصالح أو للتقارب، وهذا بعض ما يفسر الفزع الإعلامى من انهيار التصويت في انتخابات الرئاسة ؛ إذ يمثل هذا فشلا لهم أمام سيدهم العسكرى، وبالتالى فهو يمثل تهديدا لوجودهم عبر احتمال  نفض العسكر أيديهم من هؤلاء.
- والنخبة هى أسهل الطبقات التى تزال بعد الثورات التى تأتى بنخبتها،  أو الانقلابات !..  فالأجهزة الديكتاتورية تغسل يديها منهم بسرعة لتحل مكانهم آخرين وهم يعلمون المعادلة، لذا نتوقع استمرارهم ما دام العسكر يحتاجهم ليحكم، كما نتوقع سقوطهم الأخلاقى أكثر كلما سقط العسكر، وبالتالى نتوقع زوالهم سريعًا وانطفاءهم مع بداية انهيار حكم العسكر الذي بدأت مراحله الجادة بوصول زعيمهم للحكم مجللاً بعار انعدام الشعبية بعد أن جُلل بعار الخيانة والدم.
إن معركتهم معنا صفرية شئنا أم أبينا، وهم يرفضون التصالح أكثر من رفضنا له؛ لأن تصالحنا المشروط يقتضى أن يدفعوا هم وزعامتهم ثمن الشروط.
-  إن الخيار الصفري حتم فرضته الأقدار، وهو هدية لفتح كل الملفات والتطهير على بصيرة.
مكملين ...
لا رجوع...