أمي يا ريحانة قلبي، أمي يا نور بصري، أمي يا قرة عيني، فضلك عليَّ كبير، فأنا مهما قدمتُ لكِ من برٍّ فلن أستطيع أن أوفيك حقك.. لقد حملتني في بطنك تسعة أشهر وهنًا على وهن وما تضجرتِ ولا شكوتِ ولكن كنتِ فرحةً مسرورةً بقدومي إلى الحياة..

 

عانيتِ طويلاً حتى أتى موعد ولادتي، وفي تلك الليلة لم يغمض لك فيها جفن، ونالك من الألمِ والشدة والرهبة والخوف ما لا يصفه قلم، ولا يتحدث عنه لسان.. وقد اشتد بكِ الألم حتى عجزتِ عن البكاء، وكان ألمًا يعجز عن تحمله أي إنسان، بل تنوء بحمله الجبال، ولا تتحمله سفن البحار، ورأيتِ بأم عينك الموت مرات عديدة! حتى خرجتُ إلى الدنيا فامتزجت دموع فرحكِ بدموع صراخي، وحنوتِ عليَّ مع شدةِ ألمك!

 

مرت سنوات من عمري وأنت تحمليني في قلبك وتغسليني بيديكِ الطاهرتين، جعلتِ حجركِ لي فراشًا، وصدركِ لي غذاءً.. سهرتِ ليلكِ لأنام.. وتعبتِ نهارك لأسعد.. كانت أمنيتك كل يوم أن ترى ابتسامتي.. وسروركِ في كل لحظة أن أطلب شيئًا تصنعيه لي، فتلك هي منتهى سعادتكِ!

 

ومرَّت الليالي والأيام وأنت على تلك الحال لم تقصري معي في شيء، وكنت مرضعةً لم تتوقف، وعاملةً لم تسكن، وداعيةً لي بالخير والتوفيق لا تفتر، ترقبيني يومًا بعد يوم حتى اشتدَّ عودي، واستقام شبابي، وبدت عليَّ معالم الرجولة.

 

فكيف أناسكِ يا أمي؟! وكيف أنسى هذا الجميل والمعروف؟! بل كيف أرد لكِ حسن صنيعكِ معي، فأنا مهما فعلت لك من برٍّ فلن أستطيع أن أردَّ لكِ ذرةً من بركِ بي، فلو طلبت نجوم السماء وأتيتُ بها ووضعتها في حجركِ ما كان ذلك شيئًا يُذكر بجانب فضلكِ عليَّ.

 

أماه.. سامحيني في تقصيري معكِ.. وحسبي منكِ أن تكون راضيةً عني.. وأنا أحاول قدر جهدي أن أكون بارًّا بكِ.. فأنا رهن إشارتك، وإذا تمنيتِ شيئًا فأشيري بأصبعك فقط تكون أمنيتك عندك، فأنا أكون في قمة السعادة عندما أُلبي لكِ طلبًا، ومنتهى سروري وفرحي عندما أرى الابتسامةَ تعلو وجهكِ..

 

أماه.. أسألكِ بالله أن ترضي عني، فإنَّ رضا الله في رضاكِ، ولا تحرميني من صالحِ دعاكِ.