تحقيق- إيمان حسن

تربية الأبناء من أَسمى الأهداف التي يضطلع بها الوالدان، ويجب أن يزرع الآباءُ في نفوس أبنائِهم محبةَ الله ورسولِه وأصحابِه، لكنَّ هناك من يرتكبون جريمةً كبرى في حقِّ الجيل الجديد،وذلك بوضعهم تحت أيدٍ غريبة عليهم، تحت مسميات مختلفة، سواء جليسة أطفال، أو خادمة.. فيشب الطفل على عاداتٍ وتقاليدَ غربيةٍ عن ديننا ومجتمعنا، ولا ننتبه إلى هذه الحقيقة المُرَّة إلا بعد فوات الأوان، بعد أن نرى أولادَنا على أيدي الخواجات من أصناف الفلبينيات والنيجيريات والروسيات.. وغيرهن.

 

 وتتباين حجج وظروف الأمهات ومبرِّرات كلٍّ منهن، فتقول المهندسة ليلى عبد المنعم: إن ظروف عملي في مجال الاختراعات الهندسية شغل معظم أوقاتي، وتقوم المربية بالجلوس مع ابنتي عدة ساعات بالنهار، ولكنني لم أطلق العنان لها؛ حيث كنت أُشرِف بنفسي على كل شيء خاص بابنتي.

 

أما هالة عبد الله- سيدة أعمال- فهي شبه غائبة عن المنزل، وتقوم جليسةُ أطفالٍ نيجيريةٌ بشئون أولادها، فهي- على حدِّ قولها- تعلِّم أطفالَها النطقَ الصحيحَ للغة الإنجليزية، ولكنها غيرُ مكترثةٍ بالنتائج السلبية التي تعود على الأبناء من العادات الغربية لهذه المربية، فقد رأيتها بعيني ترتدي ملابسَ غريبةً وتضع على صدرها أشياءَ أكثر غرابةً، إلى جانب ما لاحظته من تشبث الأطفال وقربهم الشديد منها.

 

وترى تهاني محمد- مهندسة- أن جليسة الأطفال الأجنبية أفضل من المصرية؛ على اعتبار أنها تقيم مع الطفل إقامةً كاملةً 24 ساعة، أما المصرية فظروفها غير مستقرة كالزواج مثلاً أو الإنجاب.

 

أما هبة حسن- بكالوريوس خدمة اجتماعية- فترفض تمامًا فكرة جليسة الأطفال، موضحةً أنها لا تثق ولا تأمن على طفلها إلا إذا أشرفت على تربيته بنفسها، حتى ولو جاء على ظروف عملها؛ لأن الأم وظيفتها الأولى والأساسية هي تربية الأبناء على محبة الله ورسوله، وتطبيق مبادئ ديننا الحنيف.

 

الآثار السلبية

توضح الدكتورة حنان سالم- أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس- الآثارَ السلبيةَ المترتبةَ على وجودِ هذه المربيةِ الأجنبيةِ، منها أن الطفل لا يأخذ القدرَ الكافي من الدفء والحنان، خاصةً وأن الشعب المصري معروفٌ عنه الحميمية والدفء، والطفل يحتاج لقدرٍ كبير من الرعايةِ والاحتواء.

 

وكذلك اتضح من خلال الدراسات أن جليسةَ الأطفال تقوم بتعنيف الطفل وتسيء معاملته، وبالتالي يتعلم الطفل العنفَ والعدوانية، إلى جانب أن بعض المربيات يمارسن سلوكياتٍ منحرفةً مع الطفل، وهذه هي الكارثة الكبرى، خاصةً أن الطفل في فترة الخمس أو الست السنوات الأولى تظهر عنده الميولُ الجنسيةُ المبكرة؛ مما يخلق عنده الجنسية المثلية، فيمارس ما تعلمه من هذه الجليسة وينفذه.

 

وتشير الدكتورة حنان سالم بضرورة العودة إلى موروثنا، موضحةً أن جليسة الأطفال قد يستخدمها البعض كنوع من الوجاهة الاجتماعية والمظهرية، خاصةً وهي مرتبطة بالمستوى الاجتماعي الاقتصادي، موضحةً أن فكرة جليسة الأطفال للطفل أو المسن إذا كانت من تقوم بهذا الأمر مؤهلةً وعلى درايةٍ بأساليبِ التربية وعلى دراسةٍ بعلم النفس والخدمة الاجتماعية.. أيضًا يجب أن تكون مصريةً مسلمةً حافظةً لكتاب الله، ويقتصر دورها على مساعدة الأم فقط.

 

بديل مأجور

الدكتورة نهى أحمد صبري- أستاذ الأمراض النفسية المساعد بجامعة القاهرة- ترى أن جليسة الأطفال هي بديلٌ مأجور عن الأم، وترى أنه من الخطأ تمامًا أن يقوم أي إنسان- مهما كانت عاطفته- بدور الأم، وموضحةً أن رعاية طفلها لا تقتصر فقط على النوم والأكل والشرب، ولكنها عطاءٌ وحنانٌ وعاداتٌ وتقاليدُ تُمارَس مع الطفل؛ من أجل حدوث تواصل مباشر، وهذا كله لا يمكن أن يؤخذ من المربية.

 

كما تشير إلى إمكانية عزوف الطفل عن الأمِّ وتعلقه بهذه الجليسة؛ مما يجعل الطفلَ مذبذبًا ومتناقضًا لاختلاف أساليب التربية، فضلاً عن أن هذه الجليسة قد تترك الطفل في أي وقت وتعود إلى بلادها، مما يؤثِّر على صحة الطفل النفسية.

 

وإذا كانت هناك ضرورةٌ لعمل المرأة تؤكد ضرورةَ أن تكون هذه الجليسة مجرد عامل مساعد للأم وليست البديل، إلى جانب القيام بخطةٍ تسير عليها هذه المربية، وبالتالي يكون هناك إشرافٌ كاملٌ من جانب الآباء، خاصةً وأننا لا نستطيع أن نحكم على ضمير هذه الجليسة، وكيف ستتعامل مع الطفل؛ لأنها جاءت من بيئةٍ مختلفةٍ ولها خلفيةٌ خاصةٌ بها.

 

رأي الدين

يقول الدكتور محمد المنسي- أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر-: "إن ما كان ضررُه أكبرَ من نفعه تمنعه الشريعةُ وترفضه، ووجود مثل هذه الجليسة- على حد تعبيره- فيه تضييعٌ من الآباء للأبناء، وقد قال الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- "كفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع من يعول" صدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبالتالي فإن هذا الحديث ينطبق على من لا يهتمون بتربية أبنائهم أو يسندون تربيتهم إلى من هم غير أكْفَاء، فضلاً عن أن هذه الأجنبية غير مسلمة، والطفل ينشأ على ما نربيه عليه من عادات وتقاليد.

 

ويحذِّر الدكتور المنسي الآباءَ من هذا الأمر، مشيرًا إلى أن الأموالَ والمناصبَ العليا ليست أهمَّ من الأبناء، وأنه لا يوجد ذنبٌ أكبر من ذنبِ تضييع الأبناء، متسائلاً: هل أصبحت موضةً بين النساء من قُبيل المفاخرة والمظهر الاجتماعي أن يأتوا بمربيات أجنبيات؟!!

 

ويؤكد الدكتور محمد المنسي أن الله تعالى قد وصَّى الأبناءَ بالآباءِ وليس العكس ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ (العنكبوت: من الآية 8)؛ لأن الوضع الطبيعي للأمِّ خاصة هي الفطرة الطبيعية وهي الحنان والرعاية.. سواء مسلمة أم غير مسلمة.

 

وإن أهم مظاهر عناية الوالدين بأبنائهم إعدادُهم في مناخ صالح، والمناخُ الصالح يستدعي عدمَ وجود الجليساتِ الأجنبيات، البعيداتِ تمامًا عن عاداتنا وتقاليدنا وقيمنا الإسلامية.