تحقيق- وفاء السعداوي

ليس صحيحًا أن مشكلةَ الإعاقة هي خاتمة المطاف لمَن شاء لهم القدر أن يكونوا من ذوي الاحتياجاتِ الخاصة، هذا بشرطٍ واحدٍ وهو أن يكون لدى أسرة المعاق عزيمة تشد من أزره وتدعمه وتُساعده على التفوقِ والنبوغ، فالمعاق يحتاج إلى المساندةِ والاحترام، لا الإشفاق والخذلان، وكم من أُسرٍ ساندت أطفالها المعاقين حتى حققوا نجاحًا لم يُحرزه السليم المعافى الذي يخجل أن يكون أقل إرادةً ونجاحًا من ذوي الاحتياجاتِ الخاصة، ومن هؤلاء أطفال حصلوا على ميدالياتٍ ومراكز في البطولاتِ الرياضية.

 

ومن هذه النماذج الناجحة رامي شفيق- إعاقة ذهنية خفيفة التحق بالمدرسةِ الفكرية في السادسةِ من عمره إلى جانبِ الذهاب إلى النادي ليُمارس الرياضة للتنفيس عن طاقته حتى لا يزيد وزنه، وقد تقدَّم في التدريب حيث اكتشف المدرب موهبته وكثَّف تدريبه، واهتمَّت به أمه فكانت تقوم بتوصيله إلى النادي وحضور التدريب معه ثلاث مرات أسبوعيًّا وتعاونت مع والده في تنظيمِ حياته من حيث النوم والغذاء الرياضي الواجب بالمنزل حيث لمسوا اختلافه بعد ممارسته الرياضية في كل شيء خاصةً الاعتماد على النفسِ في ارتداء الملابس والحمام، والنظام واهتمامه بمظهره ونظافته والتركيز واكتساب المعلومات وبعد المواظبة على التدريبِ ثلاث سنوات حصل خلالها على 6 ميداليات في مسابقاتٍ داخل النادي ثم بدأ التدريب المكثَّف لمدة 8 شهور ليشترك في البطولاتِ فسافر إلى لبنان حيث حصل على ميداليتين ذهبيتين فى الجري والجلة في بطولةِ ذوي الاحتياجاتِ الخاصة ثم جرى ترشيحه للاشتراكِ في دوري الأولمبياد الخاص في أيرلندا حيث حصل على ميداليتين ذهبيتين في الجلة والجري، وهو الآن يتحدى إخوته ووالده أن يحصلوا على مثل هذه الميداليات.

 

إصرار الأم

 محمود سامي- إعاقة ذهنية خفيفة- حرصت والدته على ممارسته الرياضة في النادي ليندمج في المجتمعِ ويفهم الحياة ويتأقلم مع الناس حتى لا يشعر بالاختلافِ عنهم، وبدأ التمرين في السادسةِ عشر من عمره لمدة ثلاث مرات أسبوعيًّا حتى نمت قدراته الرياضية واكتشف المدرب اللعبةَ التي تُناسبه وهي كرة السلة لأنه طويل القامة، وحاولت أمه التوفيق بين مدرسته الفكرية صباحًا حتى الواحدة ظهرًا ثم تناول وجبة الغداء وبعدها الراحة تليها الواجبات المدرسية ثم الذهاب إلى النادي، وقامت بتوصيله إلى الأماكن التي تحتاج إلى مواصلات، لما وجدت نتائج طبية بعد أن كان يشعر بالاكتئابِ إذا جلس فتراتٍ طويلة بالبيت، فساعدته الرياضة على التمتعِ بالنشاط والحيوية والشعور بالسعادةِ، كما كانت وسيلة لتهذيبه والتنفيس عن طاقته وتنظيم حياته، ومع الاستمرار في التمرين حصل على المركزِ الأول في تنسِ الطاولةِ على منطقة حلوان والمعادي بعد ثلاث سنوات تدريبًا في النادي.

 

المعاق إرادة

أما عمرو حلمي- إعاقة ذهنية متوسطة- فقد حصل على المركزِ الثاني في الوثبِ العالي والرابع في الجري في بطولةٍ لذوي الاحتياجات الخاصة في أمريكا وتقول والدته: إنَّ حماسه انتقل إليها فبذلت مجهودًا مضاعفًا ليحقق طموحه.

 

أما سماح رمضان- مدرسة تربية فكرية ومسئولة العلاقات بلجنة الأسر بالأولمبياد الخاصة بالقاهرة- فقد اهتمَّت بأخيها سامح- إعاقة ذهنية متوسطة وتلميذ بالسنة التاسعة تربية فكرية- فكانت تصحبه إلى النادي مما شجَّعها على العملِ في هذا المجال، وتقول: إنَّ الرياضةَ حققت لأخيها اللياقة البدنية حيث كانت عضلاته ضعيفة، كما ساعدته على تنفيسِ النشاط الزائد، وقد اهتمَّت بتنظيم وقته؛ فالمدرسة صباحًا ثم تناول وجبة الغداء والراحة لمدة ساعتين ثم الذهاب إلى النادي، فأداء الواجب المدرسي قبل النوم، وقد واظب على التمرين طوال الأسبوع لمدة سنتين قبل اشتراكه في بطولةِ تنس الطاولة على مستوى حي المعادي وحلوان حصل على المركز الثاني والميدالية الفضية، وسيشترك في بطولةِ الاتحاد المصري للمعاقين.

 

فريق عمل

وترى د. سلوى أبو السعود- أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس- أن ممارسة المعاق للرياضة لا بد أن يُشرف عليها فريق عمل يتكون من الطبيبِ والأخصائي النفسي والاجتماعي والمدرب الرياضي في المراكزِ والأندية المتخصصة في مجالِ الإعاقات لديه خبرة لإفادةِ الأهل والطفل في تحديد نوعِ اللعبة الأنسب للطفل والكيفية المناسبة لممارستها حسب ظروف الطفل الخاص ودرجة إعاقته، وللأسرة دورٌ مهمٌ أيضًا في المتابعةِ مع المدربين وتشجيعِ الطفل ومساعدته على الانتظامِ في التدريبِ والمحافظة على مواعيده والمواصلة معه إذا تعب، فالاستمرارُ في الرياضةِ دور أسرة الطفل المعاق.

 

وتضيف د. سلوى أنَّ ممارسةَ الرياضة لا ترتبط بسنٍ معينةٍ بل حسب الحالة الصحية، وكلما بدأ وهو أصغر سنًا كان أفضل لعضلاته وقدراته على التواصل ممن يحصلون على مراكز في البطولات نجدهم وصلوا إلى درجةٍ معينةٍ من التدريب منذ الصغر وأُسرهم تساعدهم على الانتظامِ، وللرياضة أهميةٌ كبيرةٌ جدًا للطفل الخاص، فمن الناحية البدنية تحافظ على صحته وتنفس طاقاته فهي نوع من التخسيسِ، كما تعطيه ثقةً بالنفس والتواصل مع الآخرين.

 

الأسرة الأساس

ويقول تامر إسماعيل- المدرب بالاتحاد المصري لرياضة المعاقين-: إنَّ الأطفالَ المعاقين يخضعون لاختبارات ومقاييس كالقدرةِ على التركيز وقوة الأعصاب وبناءً على هذه الاختباراتِ تحدد نوع اللعبة المناسبة له ثم نبدأ في تدريبه تدريجيًّا منذ الصغر، ويحتاج إلى مجهودٍ أكبر من الطفلِ العادي؛ لأنه لا يفهم المصطلحاتِ الرياضية فلا بد أن نعلمه عمليًّا باليدِ ليحفظ بيده ويتعرف على المصطلح مع الحركة ثم يؤديها فيتعلم أولاً سلبًا بيد المدرب ثم إيجابًا مع نفسه، فيحتاج إلى مجهودٍ مضاعفٍ مرةً أو أكثر إلى عشرين ضعفًا.

 

وينبه تامر عبد المنعم إلى ضرورةِ ممارسة الطفل الرياضة منذ الصغر في السادسة من عمره حتى يدرك الطفل كلمة الرياضة ويفهم اللعبة ويتعود ممارستها، فيبدأ التدريب على الرياضة التنافسية في العاشرة من عمره، ويشترك في البطولات في الثانية عشرة من عمره، ويحتاج الطفل لثلاثة أيام في الأسبوع إلى جانب الاهتمام بتغذيته فيحدد نوع الطعام وكميته لكل طفل حسب اللعبة التي يمارسها، كما يحتاج إلى تنظيم النوم، فالمعاق يشعر بالتعب والحاجة للنوم، ومواعيد الغذاء والتدريب تؤدي إلى تنظيم حياته كلها.

 

ويؤكد أهمية الرياضة بالنسبة للمعاق فتقدم الطفل رياضيًّا يزيد من قدرته على التركيز وترفع نسبة ذكائه مما يساعده على التقدم إلى السواء، فهناك حالات كثيرة ارتفعت نسبة الذكاء بعد ممارسة الرياضة، وهذا أهم علاج للطفل المعاق فأول اختبار للالتحاق بالمدرسة اختبار نسبة الذكاء والتركيز، وتنفيس طاقته، فالمعاق بصفة عامة لديه طاقة عالية وقوة بدنية عالية وإخراجها في الرياضة أفضل من أن تخرج في صور عدوان وعنف إلى جانب السعادة والثقة بالنفس التي يشعر بها المعاق عندما ينفذ شيئًا طُلِب منه.

 

ويوصي تامر عبد المنعم المعاقين بالمواظبة على التمرين؛ لأن التدريب يحتاج إلى مشقةٍ ومجهودٍ من قِبل الأسرة، لكن هناك أسرًا كثيرةً تُضحي في سبيل سعادته ونموه نموًا صحيحًا، ومشاهدة الأسرة تقدم الطفل أمامها يشعرها بقيمة مجهودها ويسعد الطفل، وهناك تمارين تتابعها الأسرة في البيت كل يوم إلى جانب تشجيعه ورفع روحه المعنوية وحسن معاملته فهذا يساعد المعاق على التفوق في الرياضة.

 

وينصح أولياء الأمور بأن ممارسة الرياضة التنافسية تناسب الطفل خفيف أو متوسط الإعاقة، أما الشلل الرباعي وسائر الاعاقات الشديدة والمطبقة فيمكنهم ممارسة الرياضة الترفيهية مثل (C B) حيث يأخذ كرة التنس من ناحية اليمين إلى ناحية اليسار، وهناك رياضات ذهنية ترفع قدراته الذهنية والاتحاد ينظم دورات لهذه الرياضات.

 

أما المكفوفون فلهم دوري خاص بهم في كرة الجرس وهي عبارة عن كرة داخلها جرس يتحرك المعاقون بناءً على صوتِ الجرس إذْ إنَّ حاسةَ السمع لدى المكفوف قوية جدًّا.

 

كما تنظم دورات للصم والبكم في كل الألعابِ لأنهم ليسوا معاقين ذهنيًّا ولكن لا يلعبون مع الأسوياء؛ لأنهم أقوياء الجسمِ من ناحية السرعةِ وقوة التحمل ولا ينقصه إلا السمع والنطق فتنظم لهم دورات خاصة بهم.