لا شك أنَّ صحةَ المواطنين ليست فقط مسألةَ أمن اقتصادي وإنما هي بالأساس قضية أمن قومي، ولا شكَّ أيضًا أنه لا يوجد أبدًا تناقض بين المحافظة على هذه الصحة كأولوية أولى، وحماية صناعة حيوية كصناعة الدواجن من التدمير والتخريب، بل العكس تمامًا هو الصحيح، فنجا هذه الصناعة يعني تدمير عنصر مهم، وبسعر مناسب، من عناصر البروتين الحيواني الذي يحتاج إليه المواطن المصري، ما حدث في معالجة الحكومة لأزمة أنفلونزا الطيور يدحض هذه المسلَّمات وإليك أيها القارئ الكريم القصة مدعمةً ببعض البيانات الإحصائية.

 

لا يختلف اثنان على أنَّ صناعةَ الدواجن في مصر تُعدُّ من أهم الصناعات الوطنية التي تعمل على التخفيفِ من حدة مشكلة الفقر ومشكلة البطالة، وتوفِّر الحد الأدني من البروتين الحيواني للسواد الأعظم من الشعب، ومن ثَمَّ تدعم هذه الصناعة بحق عمليةَ تنمية الاقتصاد الوطني، وتُعدُّ هذه الصناعة أيضًا من الأنشطةِ الاقتصاديةِ التي تُعاني بشكلٍ واضحٍ من عدمِ توافر البيانات الكمية والدقيقة المرتبطة بها؛ بسبب الكبر النسبي للقطاع العشوائي غير المنظَّم في هذه الصناعة والذي يشمل ملايين المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر لتربية الطيور، في كل بيتٍ ريفيٍّ تقريبًا في مصر.

 

ووفقًا للبيانات المتاحة عن القطاع المنظم تصل المزارع المنضمة إلى اتحاد مربي الدواجن لنحو (20.000) مزرعة، منها نحو (1000) مزرعة كبيرة، يمثل إنتاجها حوالي (50%) من الإنتاج الكلي في القطاع المنظَّم، وتصل الاستثمارات الموظفة نحو (20) مليار جنيه مصري، خاصةً إذا أخذنا في الاعتبار رأس المال الداجن، من أجداد وأمهات وسلالات مصرية نادرة، والتي يصل ثمن الطير الواحد منها من (150) إلى (400) جنيه مصري، فإذا أضفنا القطاع غير المنظَّم يمكن أن تصل هذه الاستثمارات إلى نحو (30) مليار جنيه.

 

وترتبط بهذه الصناعة أنشطة وصناعات عديدة أخرى، سواءٌ التي تقدم لها مستلزمات إنتاج مواد خام (أعلاف وأمصال، إلخ) (وخدمات بيطرية ونقل إلخ)، أو التي تُستخدم منتجاتها للتوزيع أو التصنيع، وقد تصل استثمارات هذه الأنشطة والصناعات إلى نحو (20) مليار جنيه.. إذًا نحن نتكلم عن صناعة مسئولة عن توظيف استثمارات مباشرة وغير مباشرة تقدر بنحو (50) مليار جنيه.

 

وتقدم هذه الصناعة فرص عمل بين مليونين إلى ثلاثة ملايين عامل، فإذا أضفنا القطاع غير المنظم قد يصل الرقم إلى أربعة ملايين عامل، وإذا أخذنا في الاعتبارِ أن تكلفة فرصة العمل الواحدة تصل في المتوسط إلى نحو (50) ألف جنيه مصري، معنى ذلك أن ما تتعرض له هذه الصناعة الآن من توقف- ولو جزئيًّا- سوف يزيد من تفاقم مشكلتي الفقر والبطالة المتفاقمتين أصلاً، ويكلف الاقتصاد المصري مليارات الجنيهات لإيجاد فرص عمل بديلة للعاطلين في هذه الصناعة.

 

وتنتج هذه الصناعة سنويًّا نحو (850) مليون طائر، كما تنتج حوالي (200) ألف طن بيض مائدة أو نحو 7.5 مليار بيضة، فإذا أضفنا القطاع غير المنظم قد يتعدى رقم الطيور المنتجة المليار والبيض نحو نصف المليون طن.

 

وتُعد هذه الصناعة من الصناعات القليلة التي حقَّقت اكتفاءً ذاتيًّا من إنتاجها، وبدأت فعلاً في تصدير بمتوسط سنوي بلغ نحو 38 مليون دولار خلال السنوات الأخيرة، كما تُقدم هذه الصناعة نحو (45%) من إجمالي البروتين الحيواني المستهلك سنويًّا في مصر، فإذا أضفنا القطاع غير المنظم فقد يصل الرقم إلى نحو (60%).

 

ونتيجةً للأسلوب الحكومي في معالجة الأزمة انخفض الإنتاج من الطيور الداجنة إلى النصف وفقًا للتقديرات الرسمية، وبلغت الخسائر ما يقرب من مليارَي جنيه مصري، كما ارتفعت أسعار البدائل من اللحوم الحمراء والأسماك- وحتى البقول- بنسب تتراوح ما بين (15%) و(25%)؛ مما أدى إلى انخفاض نصيب الفرد من البروتين الجغرافي بنسبة تصل في بعض التقديرات إلى نحو (30%) عن مستواه قبل الأزمة، والذي كان منخفضًا أصلاً، وهذا يعني سوء التغذية، وإمكانية تفشي الأمراض، وضعف الإنتاجية، ومزيدًا من التخلف!!